
من أجل نجاح التعاطف
التعاطف من أعماق النفوس
فالتعاطف يرجع أساساً إلى النفس العالية , والصافية والنقية , يقول تعالى : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) , ولذلك فالتعاطف مكتسب , لقول النبي صلي الله عليه وسلم : ( إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ) , كذلك التعاطف فالمتعاطف لا يتجاهل عواطفه فهو يعبر عنها بسلاسة , ولا يكبتها بل يطلق لها العنان , لأن من تفهم عواطفه يستطيع أن يتعامل بها في ايجابية , ومن يقرأ مشاعره بوعي وإدراك , فإن سلوكه يوافق مشاعره , وبذلك يضع قدمه على أول طريق التعاطف .
ماذا يحتاج االتعاطف الناجح منا ؟
لكي نمضي قدماً في طريق التعاطف , علينا تحقيق إجابة السؤال السابق ,
وما يحتاجه منا التعاطف خمسة محطات فقط :
المرونة :
لأن الجمود بلادة في العواطف , وحاجز قوي يحول دون شعور الإنسان بنفسه , فما أدراك بغيره ؟ , ولأن التقليد سد آخر منيع يجعل الإنسان بلا هوية أو شخصية , فكيف يتعاطف , وهو ليس هو ! ؟ .
التفهم لمشاعر الآخرين :
فإن قطع الإنسان المحطة الأولى وتجاوزها , فهو في طريقه بأمان للمحطة الثانية , فيبحر في أعماق الآخرين , متفهما مواقفهم وأقوالهم وسلوكهم و وهذا مطلب كل واحد منا يريح نفسه وكيانه .
لا حكم مسبق على أحد :
فقد ننجح في المحطتين الأولى والثانية , وعند الثالثة نتعثر والسبب أننا صنفنا من نتعامل معه بحكم مسبق , فنكون كمن قارب من تصف الطريق ثم تراجع .
الرحمة :
يقول تعالى واصفاً قدوتنا الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) , ومن هنا يبدأ الاحتضان العاطفي , ليس بالأقوال والكلمات والاستجابات العاطفية , بل بالسلوك العملي الايجابي , الذي ينفذ إلى نفسه وقلبه وكيانه .
روح الفريق :
من الملامح المهمة في روح الفريق تقبل الرأي الآخر بحب وشوق وارتياح , والاعتراف بالخطأ فهو شجاعة لا تتحقق إلا في فريق متجانس , ثم الأسلوب الهادئ اللين العاقل الذي يملك النفوس ويأسر القلوب ويسحر الألباب .
كيف يحق لك القول : أني متعاطف ؟
فن الإصغاء لا يكتمل إلا بالتعاطف
فقد أضافوا التعاطف كشرط رابع لتحقيق الإصغاء الذي هو سماع واستماع وإنصات , وقد أضافوه مع شرائح معينة نتعامل معها كالأبناء والآباء والزوجان , لأن هؤلاء هم من يكثر التعامل معهم في يومنا وليلنا , ثم انسحب بعد ذلك التعاطف على من نتعامل معهم ونقضي معهم أكثر أوقاتنا كزملاء العمل والدراسة والمسجد , وأقران الأنشطة التطوعية والنوادي الاجتماعية , وأقرب الجيران والأقارب .
فمشاعر التبرم والضيق والغضب وغيرها من الانفعالات , لو وجدت من يتعاطف معها من أول لحظة لاختفت الكثير من المشكلات في حياتنا , ولذلك فالتعاطف يحتاج منا لكي نحققه أن نبتعد عما يعوق وجوده من حالات الغضب والاضطراب والحزن , وأن نجتاز درجاته بأمان .
فما درجات التعاطف ؟
متى يستطيع أحدنا أن يقول للآخر أو لشخص ما :
أنا أفهمك
أنا أشعر بما تحس به
أنا أفهم ما يدور بداخلك
وفي كل تعبير من التعبيرات السابقة درجة من درجات التعاطف , فالأولي إحساس , والثانية مشاركة وجدانية , والثالثة تعاطف : كيف ذلك ؟
الدرجة الأولى : الإحساس
هو شعورك بمن تعامله , إحساسك بأنك لست وحدك , هذا أول الباب , إن الذين يفتقدون هذا الإحساس هم المنغلقون , لا ينظرون إلا لأنفسهم , أولمصالحهم , أولذواتهم , فهم لا يسمعون , ولا يبصرون , إن طريق التعاطف يبدأ اولاً من الإحساس بالآخرين .
الدرجة الثانية : المشاركة الوجدانية
وهي ايجابية الإحساس , فما قيمة الإحساس إن لم يتحول إلى مشاركة وجدانية , فتحزن لحزن الآخرين , وتبكي لبكائهم , وتفرح لفرحهم , وهذا ينمو في الإنسان يصورة طبيعية حينما يبلغ الشهرين من عمره , فتراه يبكي إذا سمع بكاءً , ويصرخ إذا سمع صراخاً , وينزعج إذا رأي توتراً , فالعجب ممن يقول : لست أجيد هذا الأمر وهو ممارسة الأطفال ! .
الدرجة الثالثة : التعاطف
وهي التعرف أكثر على أفكار ومشاعر الآخر , أي أكثر من المشاركة الوجدانية , فهو يحمل نية المساعدة في الخير والصلاح , وتقديم التضحيات , وتحمل المصاعب من أجلها , فهي استجابة على فهم ما بداخل الآخرين , وتقديم سلوك مناسب بشكل مناسب , فما معنى ذلك ؟ , وهذا ما أطلقوا عليه : الاحتضان العاطفي لا الجسدي ! .
فما الاحتضان العاطفي ؟
في مجال التعامل بالمشاعر وفق الدرجات السابقة , يدور في ذهن كل منا عدة أسئلة , أولها : ما الذي يعنيه هذا الشعور الذي أراه في الآخر ؟ فإذا قويت الصلة وامتزجت المشاعر وارتقيت في الدرجات , كان التساؤل الثاني : ما الذي أراه من خلال روح الآخر ؟ , ثم يأتي السؤال الثالث مباشرة : ما الذي أقدمه من سلوك للتعاطف معه ؟ .
وهذا بدوره ينطلق من خلال تعاملك مع : شعوره وفكره وسلوكه , أو بالتحديد : تفهمك بدقة لما في مشاعره , وقراءتك لما يفكر فيه , وسلوكك الذي ترد به على سلوكه , وسلوكك لا يخرج عن أمرين : إما مساعدته والتعاطف معه , وإما حمايتك منه إن كان معادياً , يضمر لك الشر.
وبذلك فالاحتضان العاطفي احتضان واعي ومبصر , وهو أصل الدعوة إلى الله , يقول تعالى : ( أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) , فالتعاطف من خلال هذا المفهوم , ليس هدفاً وإنما هو وسيلة لتحقيق أهداف التعاطف , وهي في نفس الوقت مقياس للاحتضان العاطفي , من :
- توسيع المعرفة السلوكية بالناس والمجتمع
- تفهم الناس ومعرفة السبب الرئيسي لسلوكاتهم
- تقديم المساعدة الحقيقية الواعية في حل مشكلاتهم
من أجل نجاح التعاطف
هل يمكن لأحدنا أن يصل إلى درجة التعاطف ثم لا يحققها ؟ ..... , ولم لا ؟ فسنة الله التي لا تتبدل إذا وصل أحدنا لتحقيق شئ ما , عليه أن يحافظ عليه ويتمسك به ! , وهذا هو ما نقصده من نجاح التعاطف , ولكي نحافظ عليه , علينا أن نبتعد عما يضعفه من فيروسات مدمرة , وهي سبع خبيثات مهلكات يجب أن نحذرها :
1 – عدم الموضوعية : بمعني المعاملة بالمثل أو المعاملة وفق الماضي
2 – عدم التسرع : سواء كان في الحكم على الآخرين أو في أسلوب سلوكنا
3 – الابتعاد عن الانفعالات : خاصة الغضب أو الحنق أو الضيق أو التبرم
4 – عدم الوعي : بمعني عدم الإفصاح منا عن كل مشاعرنا فالأيام دول
5 – عدم تبني وجهة نظرنا : بل تبني وجهة نظر الآخرين وأفكارهم
6 – الابتعاد عن التعاطف الوظيفي : أي الشكلي أوالظاهري أوالروتيني
7 – الابتعاد عن الجمود والبرود أو الشفقة والرأفة فخير الأمور أوسطها
هذه السبعة هي المسئولة عن اختفاء التعاطف فيما بيننا كأفراد , وبيننا كمجتمع , بل على مستوى المجتمع الدولي , ولذلك فقد حل محلها : التخاصم والتصارع والتعارك والتحارب والتقاتل .
وإلى الحلقة القادمة
كيف نحقق التعاطف بيننا ؟
جمال ماضي


ساحة النقاش