– التفاهم

 الحلقة الثانية

فن مواجهة عوائق التفاهم

 

 

1 – رشاقة التعميم

كان صحابي يدعو الله بصوت مرتفع وكان قريبا من مجلس النبي صلي الله عليه وسلم , فخاطب النبي الجميع حتي لا يحرج مشاعر الرجل , فقال : ( اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ) .

وقد جاء رجل يشكو تأخره عن صلاة الغداة لأن الإمام يطيل الصلاة , فلم يستدعه النبي ويبين له خطأه بل خطب الناس وقال : يا أيها الناس إن منكم منفرون , فأيكم ما صلى بالناس فليوجز فإن بينهم الكبير والضعيف وذا الحاجة .

فكانت رشاقة التعميم في وقتها وحينها دون إحراج للمشاعر , أو لوم وعتاب , أو إشارة باتهام , ليتواصل التفاهم وتسير مسيرة الحياة .

2 – الحوار لا الكلام العقيم

الحوار يفتح جسور المحبة والتفاهم والتعاون والانسجام , ولكن حينما يتحول إلى جدل فهو الكلام العقيم , لا خير فيه , ولا مصلحة معه , ولا حق به , لأن صاحبه يسلم زمامه للشيطان وهو لا يدري , فيوجهه إلى ما لا فائدة معه , وقد يكسب أشياء ولكنه يفقد التفاهم ويقع فريسة لضحكات الآخرين , وبالتالي فكلامه عقيم , لأنه تحول إلى جدال والجدل لا يأتي بخير , فتراه يختار موضوعا قد قتل بحثا , ولا يحظى باهتمام أحد إلا هو , بل إنه قد يكفر من يحاوره , أو يفسقه , أو يخرجه من دائرة الإنسان , وتراه متعصبا ثرثارا غضوبا صارخا متحديا مهاجما قاذفا بألفاظ كالحجارة بل أشد قسوة , فهل بالله عليك هذه صور التفاهم أم هي الكراهية هو يصنع بذورها في الناس ثم يخاصم المجتمع راميا باللائمة عليه .

3 – الأنانية القاتلة

نشاط المجتمع خدميا كان أو فكريا أو اجتماعيا أو غير ذلك , لابد أن يقوم علىعمل جماعي و تضافر الجهود ,  إلا بعض أفراد المجتمع يتحول جهده من الإبداع والتخطيط والإنتاج إلىالاستحواذ الأناني , وإلغاء الأخرين أيا كانوا وتحجيم دورهم , وبالتالي يتحول الجهد والعمل في داخل مؤسسات المجتمع من عمل تعاوني ونشاط بناء إلى هدم وصراع وتخريب , واستهلاك للطاقة والجهد والوقت , فيبدأ التآكل في المجتمع , وتتحكم فيه صور الانهيار .

ولكي نكون متفاهمين لابد من نسف الأنانية تك القاتلة , فلا نلقي باللائمة أو المسئولية دائما على من سبقونا , بل تبقى المسئولية على أنفسنا , يقول تعالى : ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) البقرة 134 .

بل لابد أن نستلهم ممن سبقونا دروسا لمتابعة أعمالنا , ونعلم أن كل واحد منا له دوره , وأي محاولات لإلغاء دوره أو شطبه من الحياة , فهي محاولات خائبة , لأن الله خلقنا لنتكامل لا أن يلغي بعضنا بعضا , فلكل وردة رائحة , ولكل إنسان دور يختلف عن الآخر , به يتميز, وعليه يتفوق , وإليه يسمو .

 فلماذا لا نتفاهم إذن ؟ ! .

ولماذا لا نبتعد عن التمحور حول الذات ؟ !

ولماذا لا يتحرك بعضنا إلا بدافع المصلحة ؟ !

ولماذا يبحث بعضنا عن تحقيق الأنا والذات في نفسه ؟ !

يقول تعالى : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) , فنعم الاسلام , ونعم الرسول , إذا وافق أهواءهم , وأشبع رغباتهم , فإن لم يكن فهم يسخطون ويتذمرون وينهالون باللوم والتقريع والاتهام على الرسالة والرسول والمؤمنين والدعاة .

4 – عدو التفاهم التشدد

فهو ناسف للتفاهم , فلا شئ كالغلظة يأجج الحروب , ويشعل العداوات , ويدمر الحياة , والتشدد يقطع كل الطرق للتفاهم بين الناس ,  فهل معني ذلك أن نتساهل لنتفاهم ؟ أو نتسرع في الحكم على الآخرين ؟ أو نبادر بأي شئ لنتفاهم ؟  ... ليس هذا مقصودنا , إنما مقصودنا بعد التشدد ألا يكون تعاملنا قائما على الأغراض والمصالح , أو عدم التثبت من الأمور , أو التغليظ من أجل الضرر , فالمهم شخصية المتفاهمين , وبراءة دواخلهم من التشدد .

ولذلك كان يقول سفيان : ( إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ) , أي هو سهل على أي أحد أن يتشدد , ولكن الرقة واللين والمرونة والرفق والسهولة كأنها كلمات ارتفعت من قواميس التعاملات في مجتمعاتنا , حيث لا تنطلق إلا من شخص قوي متين هادئ مكين , يقول الإمام الشاطبي في تعريف نموذجنا : ( هو الذي يحمل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرفي الانحلال ) :

ولا تغل في شئ من الأمر واقتصد        كلا طرفي الأمور ذميم

وعلى هذا كان المنهج النبوي الكريم , فقد قال لمعاذ لما أطال الصلاة بالناس : ( أفتان أنت يا معاذ ؟ ) ورد على المتشددين الوصال في الصوم وغير ذلك كثير, فصلناه في كتابنا : ( فقه الحركة في المجتمع ) .

ومن أجل ترك التشدد لنتفاهم حقا , يجب علينا أن نحذر حب الظهور وأن نكون متجردين لله تعالى في قولنا وسلوكنا , وأن نقدر وقفتنا جميعا بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون , وبذلك يحل التفاهم محل التشدد المكروه , فيحبك الآخرون ويقبلون عليك , ويتقبلون منك , لأنك تضع نفسك مكانهم , وتتقبل منهم آراءهم , وتعاملهم بالرقة واللين , وما دخل الرفق في شئ إلا زانه .

وإذا اختفت أنواع التشدد سواء كان في محيط الآراء , أو في محيط عائلاتنا وأسرنا , أو في محيط مجتمعاتنا , أو في محيط ممارساتنا السياسية , نعمنا والله بالوئام , واستطعنا بحق أن نعيش متفاهمين .

5 – الجهل بثقافة العصر

ونعني بثقافة العصر : كل ما وصلت إليه العلوم الشتي من جهود وإبداعات من ناحية , ومن ناحية أخرى الانفتاح على ثقافات العصر وأفكاره وآرائه , مما لا يجعل الإنسان مقطوعاً عن زمانه بأحداثه وأفكاره ومعطياته , ومن ثم يكون التفاهم مع الناس سهلاً , فيستطيع أن ينفذ لكل الشرائح , وأن يفهم ويتفهم حالات الناس المختلفة .

ولذلك فمن الجهل بثقافة العصر أيضا : الجهل بأدوات هذه الثقافات العصرية , من فضائيات ونت وكمبيوتر وإذاعات ووكالات أنباء وصحف ومجلات , وغيرها من وسائل الاتصال والإعلام .

وإن كان للتفاهم لغة , فهي لغة الانفتاح على العصر اليوم , بقضاياه ومشاكله وأحداثه , خاصة بعد أن أصبح العالم أجمع كغرفة صغيرة , لا يستطيع أحد أن يخفي معلومة لمدة لحظة من الانتشار .

6 – التعالي

على مستوي التفاهم الزوجي يحسب الكثيرمن الرجال أن التشدد على زوجته وعدم التفاهم معها هو السبيل لمواجهة التعالي منها , فهو يتوهم أنه بالتفاهم معها تتعالي عليه , وتسيطر وتتحكم فيه , مما يجعلها دائما من جهة أخرى في خيبة أمل من زوجها وإصلاحه فتكرهه , والسبب يرجع إلى إعراضه عن التفاهم , وكذلك الحال على كل المستويات في المجتمع , نحن الذين نتوهم شبحا نطلق عليه : ( يريد أن بسيطر علينا – يريد أن يتحكم فينا – يريد أن يجعلنا على هواه ) وكل هذه دروع وهمية , في معركة من نسيج الخيال , تغلق كل أبواب التفاهم .

ومن وهم التعالي إلى التعالي نفسه , وهو كما قال علماء التربية : ( شعور بمركب النقص داخل النفس فيسعي صاحبه للتعويض عن طريق التعالي ) , كأن يشعر بعدم أهليته لمهمته فيتعالي على الآخرين خوفاً من المواجهة , أو يشعر بضعف في شخصيته فيعوض الضعف بالتميز على الآخرين فيتعالى ,  أو تصور خاطئ بأن التعالي هو الوسيلة الوحيدة لاكتساب ثقة الآخرين واحترامهم , ولا أدري من أين تعلم ذلك ؟ , ومن الذي يوجهه إلى حتفه وتدميره دون أن يدري ؟ ! .

ولذلك أفضل شئ في مواجهة التعالي بنوعيه :

-        الاعتراف بالخطأ فهو أسلم الطرق , ومحاولة إصلاحه حتي لا يصير الإنسان أضحوكة لمن حوله .

-         ان يتجنب انتقاد الأشخاص فالنقد يوجه إلى العمل , فشتان بين ( عمل سيئ ) و ( شخص سئ ) .

-        أن يشيد بالأفكار والأعمال الجيدة , فإن الثناء له دور كبير في التحفيز , وبالتالي في التفاهم , ولا يسرف في الثناء بل يكون في الجيد والمستحق الشكر .

فالتعالي الحقيقي ليس على عباد الله في المجتمع , وإنما في تحققنا بقوله تعالي : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) آل عمران 134 , بمعني التعالي عن الصغائر والتعالي عن سفاسف الأمور , فما يصيبك فشل أو يأس أو إحباط , فإن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها  :

أنا إن عشت لست أعدم خبزا          وإذا مت لست أعدم قبرا

7 – لغة الخطاب

لغة الخطاب هي الأساس العملي والواقعي لكل تواصل بين الناس , لذلك قيل : ( أنها صلة الوصل والربط الحقيقي بين أي مجموعتين ) .

ولغة الخطاب استعيرت من التواصل الوحيد قديما ( الخطابة ) , أما اليوم فيمكنك إرسال خطابك عبر حجرتك المغلقة إلى ربوع الأرض كلها .

وتتوقف لغة الخطاب على الشريحة التي نتحدث معها , ولكي يحدث تفاهما ايجابيا وناجحا , فلابد أن تسود لغة مفهومة من الطرفين , توافق العصر والمكان والزمان , أما استعارة لغة من القديم فإنها لا تحدث تفاهما ولو كانت مفهومة لدى صاحبها , فالمهم أن يكون الهدف التفاهم , فإن اضطر البعض إلى التحدث بالعامية أو بما هو مفهوم من بعض اللغات الأجنبية فلا بأس في ذلك .

وتكتمل لغة الخطاب في الوصول إلى التفاهم المنشود , حينما يجيب كل منا هذه الأسئلة :

1 – إلى من أوجه حديثي وكلامي ؟

2 – أي مستوي من الناس يتفهم ما أقول ؟

3 – ما نوعية المعلومات التي تفهم عني ؟

وحينما نصل إلى أن بفهمنا الناس ولا يفهمون أننا نفهم فقط , هنالك يكون التفاهم قد تحقق بيننا ؟ !

وإلى الحلقة الثالثة

كيف نتفاهم ؟

جمال ماضي

[email protected]

 

  • Currently 131/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
44 تصويتات / 733 مشاهدة
نشرت فى 20 ديسمبر 2007 بواسطة gmady

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

312,154