نحو مجتمع آمن مستقر ! الحلقة الرابعة : التسامح
خواطر وتأملات
نحو مجتمع آمن مستقر !
الحلقة الرابعة

4 – التسامح
اول قيمة عرفتها الأرض كانت قيمة التسامح , يقول تعالى : ( لئن بسطت إلى يدك لأقتلك ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) , وقام الأنبياء عبر العصور المختلفة , بترسيخ هذه القيمة في المجتمعات , فحينما امتدت يد البطش بنبي الله عيسى عليه السلام قال قولته المشهورة : رد سيفك إلى غمده فإن الذين يلجئون إلى السيف يهلكون .
ومن ثم جاء القرآن الكريم مخاطبا البشرية بإحياء هذه القيمة , سواء في مجال العقيدة أو مجال التعايش مع الناس في المجتمعات , وقد ترجمها النبي الأسوة صلي الله عليه وسلم , فكانت تنبض بالحياة وتخفق بالحيوية , رآها الناس , ولم يسمعوا عنها في موعظة أو موقف نصح , , بل وتحققت في حياتهم , فنعموا بمجتمع الاستقرار والأمان .
تسامح الأسوة صلي الله عليه وسلم
فالتسامح قيمة عالمية : ( وما أرسلناك إلا رحمة العالمين ) الأنبياء 107 , ولذلك كان السر في الممارسة النبوية , هذا الآيات القرآنية التي خاطب بها الله رسوله صلي الله عليه وسلم :
1 – ( فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ) الزخرف 98 , يقول الطبري : نزلت حينما دعا النبي ربه : ( يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ) ومعني الآية أي اصفح عنهم يا محمد وأعرض عن آذاهم , وقل سلام عليمن , ( فاصفح الصفح الجميل ) .
2 – ( خذ العرف روأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) الأعراف 99 , فكان التسامح في حياة المجتمع النبوي لا تشديد على الناس , ولا يؤاخذ الجاهلين , وإنما يسر وتيسير , ورحمة بعد رحمة , ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) آل عمران 51 .
3 – ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) فصلت 43 , فسلام المجتمع في مقابلة السيئة بالحسنة , حتي يصبح العجو كأنه ولي حميم .
تسامح المؤمنين عبر العصور
ومما رآه الأصحاب الكرام من أسوتهم وقائدهم كان التسامح في حياتهم كالماء والهواء , ومن ثم خاطبهم الله تعالى ومعهم المؤمنين في كل العصور , ليكون التسامح دستوراً لحياة المجتمعات إلى يوم الدين :
1 – مع المخالفين :
( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون ) الجاثية 41
2 – مع الحاسدين والحاقدين :
( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفجوا حتي يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير ) البقرة 109 .
3 – عند الغضب :
( والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) الشوري 73 .
4 - عند الأذي :
( ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور ) الشوري 34
4- عند الجزاء :
( فمن عفا وأصلح فأجره على الله إن الله لا يحب الظالمين ) الشوري 4 , فكان الجزاء على التسامح من نفس جنسه .
الحنيفية السمحة
من خلال آيات الله تعالي يظهر لنا المعني الحقيقي للتسامح , الذي هو من السماح والسماحة , والجود والعطاء , وتسامحوا : أي تساهلوا , والحنيفية السمحة : أي ليس فيها شدة ولا ضيق , وخلاصة التسامح في :
الجود والسماح والسماحة والعطاء والتساهل فلا ضيق ولا شدة , فالتسامح هو الرحمة والمغفرة والعفو والصلح والصفح .
ولذلك كان الاسلام دين الحنيفية السمحة فمن التسامح :
لا إكراه في الدين :
ويشهد التاريخ الإسلامي , وفي كل الأزمان والعصور , أن المسلمين لم يفرضوا على أي أرض فتحت حكمهم , أو أن يجبروا أحدا على الدخول في الإسلام بل كان أمراً اختيارياً , انطلاقا من قول النبي صلي الله عليه وسلم : ( من آذي ذميا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خاصمته يوم القيامة ) , أو بالمعني السياسي اليوم حرية التعبد وحرية العقيدة لغير المسلمين .
احترام حرية الآخر :
فلا غرابة أن نجد من صور التسامح , ماجعل العقلاء يشيدون به في عصور الظلمات التي أحاطت بالمجتمعات , زمن ذلك :
1 – الابقاء على محاكم أهل البلاد المفتوحة
2 – إباحة أكل طعام أهل الكتاب
3 – إباحة الزواج من أهل الكتاب
حتي أن هارون الرشيد جعل المدارس كلها تحت مسئولية ( حنا بن ماسويه ) , وذلك لأن الإنسان في الإسلام مكرم بغض النظر عن لونه أو دينه أو جنسه : ( ولقد كرمنا بني آدم ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ) .
حقوق المواطنة :
نحن المسلمين لا نرغب أن ينضم إلينا غير المسلمين , ولكننا مأمورون بصلتهم وبرهم والعدل معهم ومعاملتهم أحسن معاملة من :
- الاحترام المتبادل
- والعلاقات الطيبة
- والمصالح المشتركة
وذلك تحقيقاً لقوله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) الممتحنة 8 .
مواقف عملية من عهد النبوة
1 - سماحة مع المؤمنين
( حتي أنت يا ابن السوداء ) قالها أبو ذر لبلال , الذي أتي النبي صلي الله عليه وسلم شاكيا , فأتي النبي بأبي ذر وقال له : ( أعيرته بأمه إنك امرئ فيك جاهلية ) فبكي أبوذر , ووضع خده على الأرض طالباً من بلال أن يطئها بقدمه قائلاً : أنت الكريم وأنا المهان , فأخذ بلال يبكي ويقبل الخد , ثم قاما ووتعانقا ويبكيان .
2 – سماحة مع المنافقين
نال عبد الله بن أبي سلول من النبي صلي الله عليه وسلم ما نال في حادثة الإفك , وعندما مرض زاره النبي , ولما مات صلي عليه , حتي أن عمر سأل النبي : أتصلي عليه وهو الذي فعل وفعل ؟ ! فقال النبي صلي اللع عليه وسلم : ( ياعمر إني خيرت فاخترت قد قيل لي : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ولو أني أعلم لو زدت على السبعين غفر له لزدت ) أخرجه البخاري .
3 – سماحة مع المخطئين
حينما منع الصديق أبو بكر رضي الله عنه , الصدقة عن مسطح بن أثاثة , بعد أن نال من عائشة في حادثة الإفك , نزلت الآية الكريمة : ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) النور 22 , فقال أبو بكر : بلي نحب يا ربنا , ثم واصل إنفاقه على مسطح رغم ما قال ورغم ما فعل , فعلمنا الصديق في هذا الموقف أن التسامح نوعين :
الأول : مع النفس : بالتألم للفعل وحملها على العلاج , ونسيان الماضي المؤلم البغيض .
الثاني : مع الناس : بأن يتصدق عليهم بأخطائهم , ويحلل نفسه من آذاهم له ولو كان قاسياً .
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإلى لقاء مع الجزء الثاني من ( التسامح )
ونجيب فيها على التساؤل المطروح :
هل التسامح يعني التنازل ؟ وكيف ؟
جمال ماضي


ساحة النقاش