,تشرين الأول 23, 2007
نحو مجتمع آمن مستقر ! 3 – التعاون

نحو مجتمع آمن مستقر !

الحلقة الثالثة

3 – التعاون

هل نكره التعاون ؟

هل نحن نعيش حقا في مجتمع يساعد فيه الناس بعضهم بعضا , بدرجة تسمح لنا أن نقول قد تحققت فينا الآية الكريمة : ( وتعاونوا على البر والتقوي ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) , هل تحقق التعاون بمعناه القرآني في الحاجات وفعل الخيرات , أو كما في النص :  ( بالبر والتقوى )

وليس في الإثم والعدوان , وإيذاء الناس ونشر الفواحش .

هل نكره التعاون ؟ , كيف والتعاون من ضرورات حياتنا ؟ , فمن المستحيل أن يقوم الفرد بمفرده بكل أعباء الحياة ! , والله الذي كلفنا بالتعاون , هو الذي يعيننا عليه , فمن رحمته تعالى أنه لم يجعل تكليفا بلا إعانة منه , ولذلك دعانا النبي الكريم إلى هذا الخلق فنعين من جعل الله تكليفهم بأيدينا يقول النبي صلي الله عليه وسلم : ( ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) متفق عليه .

هل نكره التعاون ؟ , كيف والله خلق الفطرة الانسانية مجبولة على التعاون , حتى في جميع المخلوقات , فالتعاون بات السمة الواضحة التي يتعلمها الإنسان من النمل ومن النحل  , في مواجهة عقبات الحياة , دون شكوى ولا سخط ولا ملل ! , وبعمل لا يعرف التوقف أو الملل أو التواني , وبنظام تعاوني دقيق , لا يعرف إلا المشاركة والتعاون ! .

هل نكره التعاون ؟ , وبه يزيد الجهد بين المتعاونين : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) , وبه يصل المتعاونون إلى فرص لم يعهدوها من قبل بسرعة واتقان : ( مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكي عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي ) , وبتعاون المتعاونين تكون معية الله معهم : ( يد الله مع الجماعة ) فعون الله محقق لهم وهو ما نسأل الله إياه سبعة عشر مرة في صلواتنا : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) , وبالتعاون يتوفرللمتعاونين الكثير من الوقت والجهد ففي الحكمة : ( المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ) .

كيف تتعاون مع الله ؟

نترك الحبيب المصطفى صلي الله عليه وسلم يشرح لنا كيفية التعاون مع الله ويجيب لنا على هذا التساؤل المهم في حياة كل مسلم , يقول : ( من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ) , ويقول : ( الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) , ويفصّل ذلك بقوله : ( وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة ) .

 ويذكرنا بمواقف في يومنا يجب علينا الانتباه إليها , فيقول : ( ما من مسلم يخذل مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب نصرته , وما من امرئ ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ) أبو داود بإسناد حسن .

لقد فتحت عمورية بسبب نصرة امرأة مسلمة من حاكم متعاون مع شعبه , حينما صرخت : وامعتصماه , فقاد الخليفة المعتصم جيشا حتي فتحت عمورية ثم سأل المعتصم : أين التي تستصرخ ؟ تعاون بالأفعال لا بالأقوال , تعاون بالأعمال لا بالكلام .

وهل من التعاون مع الله هؤلاء اليوم الذين يضعون أيديهم في أيدي بوش وأولمرت , بل ويفخرون بالتعاون الكامل معهم في كل أوجه الحياة  ؟ .

لا أستطيع إلا أن أقول إنه السفه بعينه , وإنها التفاهة نفسها , حينما يتعاونون مع من يقتل الرجال , وينتهك الحرمات , ويدنس المقدسات , ويخرب الزراعات , ويدمر البيوت , وييتم الأطفال , ويستحي الأعراض , أين هذا التعاون المزعزم من قوله صي الله عليه وسلم : ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) .

كيف لا تتعاون مع الشيطان ؟

فمن لم يتعاون مع الله مع من إذن يتعاون ؟ أيتعاون مع الشيطان ؟ والله تعالى يقول : ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة 2 , وهو ما نراه من صور كريهة باتت اليوم في مجتمعاتنا تنشر أخبث الروائح , ومع ذلك يصر أصحابها على التعاون مع الشيطان ! , بالسخرية من العصاة , والاستهزاء بالمذنبين , والواجب الأخذ بأيديهم والنصح لهم وعلاج أخطائهم , كما قال الحبيب المصطفي : ( لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم ) .

فمن لا يتعاون مع الله فقد فتح أبواب التعاون مع الشيطان بيديه , فإذا به يتعاون على عداء الصالحين , وإيذاء المؤمنين , و الصد عن سبيل الله , و إسكات المصلحين , وتصفية أهل الحق , فالأعداء أيضا يتعاونون ولكن علينا يقول تعالى : ( فأجمعوا كيدكم , ثم ائتوا صفا , وقد أفلح اليوم من استعلي ) , فهل نواجه التعاون علينا بالتشرذم , وهل يعقل أن نواجهه بالاختلاف , وهل ينفع أن  نواجهه بالتفكك ؟ .

فمن أراد ألا يتعاون مع الشيطان فليفقه هذه الأمور جيدا , ولا بد من الفريق وروح الفريق , فالسهم الواحد يتعاون في أجره ثلاثة : صانعه ومعده وراميه , ليتحقق الهدف , وروح الفريق في القلوب المؤمنة التي يهرب منها الشيطان : ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتي ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) , وهذه هو العقل :

تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسرا                وإذا افترقن تكسرت آحادا

كيف نحب التعاون ؟

التعاون مأخوذ من العون , ومن أجل التعاون كان الخطاب في القرآن جماعيا , فقد وردت ( يا أيها الذين آمنوا ) 89 مرة , و( يا أيها الناس ) 20 مرة , ( يا بني لآدم )  5 مرات .

عن النعمان بن بشير قول النبي : ( المسلمون كرجل واحد إذا اشتكي عينه اشتكي كله و إن اشتكي رأسه اشتكي كله ) فهل تحب أن نكون جميعا رجل واحد ؟.

ويقول النبي صلي الله عليه وسلم : ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) فمن منا لا يحب أن تنفس كربه يوم القيامة ؟ .

عن أنس أتي النبي رجل يستحمله فلم يجد ما يحمله فدله على آخر فحمله فأتي النبي فأخبره فقال : ( إن الدال على الخير كفاعله )  , فالاخلاص لا يزيد بل لا يتنامي ولا يتجدد إلا بالتآزر والتعاون .

وبالتعاون تتحقق الألفة ويتلاشي سوء الظن , ونتعامل بسلامة الصدر , وتسقط التكلفات , وننفتح على المجتمع , فلسنا وحدنا في المجتمع , وتنتشر

الأنشطة الدعوية كل بتخصصه , وتشحذ الهمم , وتجدد الطاقات , فالعاقل من أضاف إلى عقله عقول الآخرين .

ولن نتعاون إلا إذا انتصرنا على فيروسات التعاون التي هي كالسوس ينخر فى داخلنا ونحن لا ندري , من حب الصدارة والشهرة , وسوء الظن بالمتعاونين , والفرقة والتنازع , والحسد والحقد , والضعف , و اليأس والإحباط .

وأخيراً

التعاون له صور متعددة وكلها مشرقة فمن الذي يبادر ؟ حيث يجد المشروعات المشتركة , والأعمال المشتركة , والقناعات المشتركة , حيث مشروعات تفريغ الطاقات  وتشغيل الشباب , وتبادل التميزات , وهذا أمر ميسر فالدين يأمر , و الإنسانية تعترف :  ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) , حيث لا حواجز بين المسلمين ليتعاونوا , بل مصير واحد وحضارة واحدة , تحتم علينا جميعا بذل الجهود , من أجل مجتمع آمن مستقر ! .

 

وإلى لقاء قادم بإذن الله

جمال ماضي

[email protected]

 

  • Currently 126/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
42 تصويتات / 1356 مشاهدة
نشرت فى 31 أكتوبر 2007 بواسطة gmady

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

312,154