حياة القلوب 9 - قلوب الزاهدين
حياة القلوب
9 – قلوب الزاهدين
الزاهد حبيب الرحمن
سمي الله تعالى أهل الزهد علماء بقواه تعالى إذ وصف قارون : ( فخرج على قومه في زينته ) إلى قوله تعالي : ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ) قيل هم الزاهدون في الدنيا ثم قال عز وجل : ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) أي عن زينة الدنيا , فقد حصل للزاهد أجران بصبره على الفقر وبوجود زهده .
وفي وصية لقمان لابنه : واعلم أن أعون الأشياء على الدين زهادة في الدنيا , ويقال من زهد في الدنيا أربعين يوما أجري الله تعالي ينابيع الحكمة في قلبه , وأنطق بها لسانه فمن أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه أمره , وجعل فقره بين عينيه , ولم ينل من الدنيا إلا ما كتب له , ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه , وأتته الدنيا وهي راغمة , يقول تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه , ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب )الشوري 20
فإذا أردت أن يحبك الله تعالى فازهد في الدنيا , فالزهد سبب محبة الله تعالى , ولذلك صار الزاهد حبيب الله تعالى .
ماهية الزهد ؟
لا يمكن للعبد أن يعرف الزهد حتي يعرف الدنيا :
أولا : ما الدنيا ؟
1 – جملة الدنيا في هذه السبع يقول تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ) آل عمران 14 ثم قال تعالى : ( ذلك متاع الحياة الدنيا )
2 – الهوى هو الدنيا يقول تعالى : ( اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ) ثم اختصر الخمسة إلى معنيين في قوله : ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) واللعب هو الهوى يقول تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى )
3 – حب البقاء هو الدنيا يقول تعالى : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) , فالقتال يه فراق الدنيا فقالوا هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا بالقتل .
يقوا ابن مسعود : ما كنت أحسب أن فينا أحدا يريد الدنيا حتى نزلت : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) , وحين نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال ابن مسعود : قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم : قيل لي أنت منهم ( أي من القليل الذي كان يفعل ذلك ) .
ثانيا : حقيقة الزهد
1 – من أخرج الشئ من يده ونفسه تتبعه فهو من الزاهدين ومن أمسك الشئ وأظهرت نفسه الزهد فليس من الزاهدين .
لقد كان مالك بن دينار يقول : إذا قيل له إنك زاهد , قال : إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز جاءته الدنيا وملكها فزهد فيها فأما أنا ففي أي شئ زهدت ؟
2 – وكما أن الإيمان قول وعمل كذلك الزهد عقد وعمل : أما العقد : فهو خروج حب الدنيا من القلب بدخول حب الآخرة في القلب , وأما العمل : إخراج المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى مؤثرا في ذلك ما عند الله عز وجل .
3 – وصفوة الزهد : انتطار الموت وقصر الأمل , يقول ابن عيينة : حد الزاهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء , يقول بشر بن الحارث : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس , ومن زهد فيهم فقد زهد في الدنيا , وقيل ليحيي بن معاذ : متى يكون الرجل زاهدا ؟ فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا , وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله : يقول : الدنيا كل ما يشغلك عن الله , فكان الزهد عنده التفرغ لله تعالى .
وقد قال أيضا : إنما الزاهد من تخلى عن الدنيا واشتغل بالعبادة والاجتهاد , فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة لنفسه .
وكان أبو سليمان يقول : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة , وذلك تفسره حكمة الحكماء في قولهم : ما فتحت الدنيا على عبد إلا مكرا به ولا زويت عنه إلا نظرا له .
كيف تكون من الزاهدين ؟
أولا : الابتعاد عما يفسد القلب
كان الحسن البصري يقول :
رأيت سبعين بدريا كانوا والله فيما أحل الله تعالى لهم أزهد منكم فيما حلرم الله تعالى عليكم , وذكر قول القائل الذي كان يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول : أخاف أن يفسد قلبي .
ثانيا : أن تبتعد عن الغني
بمعنى أن تحب الفقر وأهله ومجالسة المساكين , لقد كان مطرف يجالس المساكين في مجالس خاصة يتقرب بذلك إلى ربه .
ثالثا : أن تبتعد عن الرياسة
من أفضل الزهد الزهد في الرياسة على الناس وفي المنزلة وفي الجاه عندهم , والزهد في حب الثناء والمدح منهم , لأن كل ذلك من أكبر أبواب الدنيا عند العلماء , يقول الإمام الثوري : الزهد في الرياسة ومدح الخلق أشد من الزهد في الدينار والدرهم لأن الدينار والدرهم قد يبذلان في طلب ذلك .
إنما الزهد زهد القلوب
ونختم هنا بما بدأنا به بالابتعاد عن كل ما يشغل القلب , فيتوج ذلك بتحقيق معنى الزهد الحقيقي بأنه زهد القلوب , وما نعنيه بذلك ألا ينصرف القلب زاهدا في المال ويحب الرياسة , أو ينصرف زاهدا عن الرياسة ويجمع المال , أو يصبح زاهدا في الأطعمة ولا يزهد الثناء والمدح .
ولكن حقيقية الزهد أن تزهد النفس في ذلك كله لأنها عين الرغبة , يقول أبو يزيد البساطي : ليس الزاهد من لا يملك شيئا إنما الزاهد من لا يملكه شئ .
وأخيرا
رحم الله الموصلي عندما سئل : يا أبا محمد إلى أي شئ أفضى بهم الزهد ؟ قال : إلى الأنس بالله تعالى ... فيا قلوب الزاهدين ... إلى الأنس والسرور بالقرب من الحبيب تعالى .
إلى الحلقة القادمة
10 – قلوب التائبين
جمال ماضي


ساحة النقاش