حلقات تربية النفوس
4 - 5 كيف تكتشف عيوب النفس وتعالجها ؟

كيف تكتشف عيوب النفس وتعالجها ؟
4 – عيوب النفس
مع عيوب النفس التي لا تتناهى في الإنسان دلنا خبراء التربية بأصل هذه العيوب , فإذا استطاع الإنسان علاج الأصل فلا وجود للروافد , ولذلك كانت القاعدة :
( أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس , وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها )
وقد سمي القرآن ذلك ( فتنة النفوس ) وذلك في قوله تعالى : ( ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ) وكانت هذه الفتنة كما في التفسير :
بالانصياع لحظها , والسير وراء ما تهوى , والوقوع فيما حسنته من شهوات وملذات .
والرضا عن النفس هو استحسانك لأحوالها , وتغطيتك لمساوئها , وكل من اتهم نفسه وأساء الظن بها , ونظر إليها بعين السخط , هو الذي بحث عن عيوبها واستخرج مساوئها , يقول أبو حفص الحداد :
( من لم يتهم نفسه على دوام الوقت ولم يخالفها في جميع الأحوال , ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه فهو مغرور , ومن نظر إليها باستحسان شئ منها فقد أهلكها )
وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه والله تعالى يقول :
( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي )
وصورة من يرضى عن نفسه في الحياة صورة مرفوضة , فانقلاب الحقائق عنده تجعله يظن أنه وصل إلى الكمال , فماذا يريد بعد ذلك ؟ ومن نظرته إلى نفسه بأنه كامل تنقلب علاقته بالناس إلى علاقة كبر وعجب وغرور , وعلى الناس ألا يخالفوا له رأيا , بل عليهم الاقتداء به بالإجبار , والأخذ عنه بالإكراه , ومن ثم تراه مستهينا بالمعصية , مستهترا بالذنب , يتابع الشهوات من حب للمدح والتصدر والتعالي على الآخرين .
أما من أراد أن يتخلص من شهواته فلابد أن يمتلك الشعور بالله , ويستمر في سلوك درب الطاعات , وأول ذلك عدم الرضا عن نفسه .
وعلى الإنسان حتي لا تتراكم عليه عيوبه , أن يحذر من مصاحبة الذين يرضون عن أنفسهم , سواء كانوا أساتذة له أو أقرانا أو أتباعا أو تلامذة فالمرء على دين خليله , وبهذا الميزان الدقيق ينظر المرء من يصاحب حتي ولو كان صاحب علم , أو مكانة , يقول سفيان بن عيينة :
( إذا كان ليلي ليل سفيه , ونهاري نهار جاهل , فماذا أصنع بالعلم الذي أكتسب ؟ ) وقد استعاذ النبي صلي الله عليه وسلم من علم لا ينفع .
ولذلك فمن أقوالهم المحفوظة في ذلك :
( من أراد أن يتخلص فليصحب من تخلص )
وصحبة من يرضى عن نفسه شر محض , ولو كان أعلم أهل الأرض , لأن الطباع تسرق الطباع , والجهل الذي يقربك إلى الله أحسن من العلم الذي يبعدك عن الله , ومن عرف أصل العيوب تطلب ذلك منه :
سعيا وتشميرا ليسلك طريق اليقظة والطاعة .
وكان من وصية أستاذ لتلميذه وهو يعلمه هذه الحقيقة :
( يا بني كن عين المعنى وإلا فاتك المعني )
5 – مجاهدة النفوس
من أجل صحة الأعمال ليتقبلها الله تعالى , ثم يجعل الجزاء العميم عليها في الآخرة , تدوم مجاهدة النفوس , فلا يضع الصالحون في أذهانهم وهم يعملون إلا أمر الآخرة , يقول تعالي : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة 17 .
ومجاهدة النفوس تعني تحقيق شروط صحة الأعمال وهي :
أولا : أن يكون العمل صادقا
وذلك بتخطي العقبة الكئود , فما بعدها أيسر , ألا وهي النفس , يقول الله تعالي : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وبالانتصار على النفس تبدأ المجاهدة .
ثانيا : الجزاء الحقيقي قبول العمل
ثم يعمل الانسان لمحض العبودية , فأعظم الجزاء على الأعمال أن يتقبلها الله , فإلى جانب عيوب النفس التي لا تتناهى فإن الله تعالى يقبل منا العمل , يقول تعالى : ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) ولم يقل الله تعالى : ( نتقبل منهم ) أي بمعني نتجاوز عنهم فنتقبل أحسن ما عملوا على عيبها وآفاتها وعللها .
ثالثا : الايمان بأن الفضل من الله
فالكل فعله وعطاؤه تعالى : ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا )
ويقول تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا )
فكل الأمور تسير بفضله وجوده وكرمه , ولو عاملنا الله بعيوبنا لكانت كارثة , فمن رحمته بنا مع علمه بما هو أخفي من عيبنا , فإنه يصاحبنا , يقول سهل بن عبد الله رضي الله عنه :
( إذا عمل العبد حسنة وقال : يارب بفضلك عملت وأنت أعنت وأنت سهلت , شكر الله ذلك له , وقال : يا عبدي بل أنت أطعت وأنت تقربت , وإذا نظر إلى نفسه وقال : أنا عملت وأنا أطعت وأنا تقربت , أعرض الله عنه وقال له : يا عبدي أنا وفقت وأنا أعنت وأنا سهلت .
وإذا عمل سيئة وقال : يارب أنت قدرت وأنت قضيت وأنت حكمت , غضب المولى جلت قدرته عليه وقال : يا عبدي بل أنت أسأت وأنت جهلت وأنت عصيت , وإذا قال : يا رب أنا ظلمت وأنا أسأت وأنا جهلت , أقبل المولى عليه وقال : يا عبدي أنا قضيت وأنا قدرت وقد غفرت وقد حلمت وقد سترت ) .
ولذلك إذا تولانا أعطانا , ورحمنا وأكرمنا بفضله , وفيضه , ونظر إلينا وذكرنا , وفي هذا رفع لعملنا وتمجيد له , ومن أهمله الله و تركه مع نفسه لا نهاية لقبائحه ونقائصه , وكما قيل :
( إذا كنت بربك تكمل عزك وإذا كنت بنفسك تكامل ذلك )
حتي أنه يصبح مشلولا منعزلا صامتا لا يستطيع أن يواجه الناس ويدعوهم إلى الله , والسبب في ذلك اعتمادهم على أنفسهم , وكما قيل :
( لما اعتمدوا على أنفسهم أصمتتهم هفواتهم وإساءاتهم )
وإلى الحلقة القادمة :
كيف نتغلب على عادات النفوس ؟
جمال ماضي


ساحة النقاش