تربية النفوس : الحلقة الثانية : 2 - تصفية النفوس
تربية النفوس
2 - تصفية النفوس

الحلقة الثانية
2 – تصفية النفوس
قديما قالوا : التخلية قبل التحلية , وصارت قاعدة في التعامل مع النفوس , فلم لا تكون البداية بتصفية النفس من العيوب ؟ سواء كانت في مأكل أو مشرب أو ملبس أو مركب أو مسكن , أو كانت في زيجات أو زينات أو متعات أو شهوات .
وتبدأ تصفية النفوس بمعرفة العيوب , واكتشافها وإظهار عيوب الآخرين , فما أعظمها من مهمة أن يبحث كل منا عن عيوبه ليصفيها ويسعى في التخلص منها , وهو أعلم الناس بها , لأنها واقع في كيانه يراها في حركته وسكنته , ويسمعها في خفقته وجلوته , فلماذا نبحث عن عيوب غيرنا ونترك عيوبنا ؟ .
وهذا أول الطريق في التعامل مع النفوس , يقول تعالى : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) القيامة 14, يقول قتادة في تفسيرها : إن الإنسان شاهد على نفسه بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنبه .
قالوا : ( إن الله يطالبك بالاستقامة ونفسك تطالبك بحظها , ولأن تكون بحق ربك أولى من أن تكون بحظ نفسك ) , ما أجمله من قول وما أعظمه من حل لهؤلاء الذين يتساءلون ويبثون شكواهم : ما لنا نحاول المرات والمرات ويجرفنا حظ نفوسنا ؟ إننا محجوبون عن الله , بعيدون عن ربنا!! هؤلاء واهمون , فلماذا هم واهمون ؟
والإجابة تقول : إنهم لم يستشعروا الحق سبحانه لأنه محال في حق الله الحجاب , فلا يحجبه شئ لأنه ظهر بكل شئ , وقبل كل شئ , وبعد كل شئ , فلا ظاهر معه ولا موجود سواه , فهو ليس بمحجوب وليس ببعيد , وإنما المحجوب هو أنت بعيوبك , إن مجرد بث هذه الشكوى علامة على أن في نفسك شيئا , فعليك إزالته وتصفيته , يقول تعالى : ( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ) القيامة 2 , يقول الحسن البصري : المؤمن ما تراه إلا ويلوم نفسه يقول : ما أردت بكلمتي ؟ , ما أردت بأكلتي ؟ , ما أردت بحديث نفسي ؟ , حتى أن ابن عباس أطلق عليها : ( النفس المذمومة ) .
وتصفية النفوس من العيوب مستمرة حتى نحصل على الفلاح , ويتحقق فينا قوله تعالى في سورة الأعلى : ( قد أفلح من تزكي ) .
تفتح أبواب الاتصال بالله باستشعارك لصفات الله عز وجل والطريق إلى ذلك كما قال ابن عطاء في ( لطائف المنن ) : ( لا تكن ممن يطالب الله لنفسه ولكن ممن يطالب نفسه لله ) , بمعني المجاهدة الدائمة للنفس وحسابها , واليقظة لعيوبها وعلاجها , حتى يؤيدك الله بتصفية عيوبك , ويوفقك إلى صلاحها , فعليك الاجتهاد , وبالله التوفيق مادام ذلك لربك , وعليك الاستمرار على ذلك , والثبات على فعله , فإن توقف التأييد لآمال طلبتها أو صلاح تنشده من الله , فليس ذلك استبطاء لمطلبك من ربك , وإنما استبطاء لأدبك مع ربك , واجتهادك لنفسك , وعيب في نفسك ... ألا تتفق معي أن نقطة البداية هي تصفية النفوس من العيوب ! .
ومع الحلقة القادمة
3 – دواء النفوس
جمال ماضي


ساحة النقاش