خواطر وتأملات
يريدون وجه الله
هل نريد وجه الله ؟
وكيف نريد وجه الله ؟

هل نعمل لوجه الله ؟
هل أحد اليوم حقا يعمل لوجه الله ؟ وهل بالفعل اختفت تماما من حياتنا عبارة : يريدون وجه الله , مع أن الله تعالى قد ضمن كل خير لهؤلاء الذين يعلنون عن هذه الإرادة , في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم , فيقول تعالى : ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ) , هذا الضمان الرباني هو الطريق الوحيد للخيرات , وقد جاء بهذه الإجابة القرآنية الواضحة والصريحة , فإن سأل سائل : لمن هذا الخير ؟ تأتي الإجابة الفورية : للذين يريدون وجه الله , فلماذا يحرم بعضنا نفسه من الخيرات ؟ وهل يكون هذا الحرمان من أسباب المعاناة التي يعيشها الناس اليوم ؟ .
كيف نريد وجه الله ؟
ولعل السؤال الذي يتردد في داخلنا الآن : كيف نريد وجه الله ؟ وليس الأمر بمعضلة حتى نحتار في الإجابة , بل الإجابة تقول : بإنكار الذات وفقط , ففي الحديث : إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء , وهذا يعلم الإنسان الصالح إرادة وجه الله علي حقيقتها , ويدربه علي ابتغاء وجه الله في كل لحظاته , وهذا ما كان حيا في حياة الأصحاب الكرام وهم يتعاملون مع خير الناس صلي الله عليه وسلم , فقد جاء رجل إلى رسول الله يقول : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فأجابه : لا شئ له , فأعادها الرجل ثلاث مرات فكان رد النبي قاطعا حتى توقف الرجل عن تكرار سؤاله قائلا له : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجه الله .
وفي مشهد آخر يأتي رجل ويتحدث في جرأة وصراحة عن نفسه قائلا : يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني ؟ فتلبث النبي في الرد , حتى نزل قوله تعالي : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) , وبهذا تعمقت الحقيقة في القلوب ورسخت في النفوس كالجبال , فكان اليقين بأن الآخرة خير وأبقى , وبأن ما عند الله خير للأبرار .
وتساءلت في نفسي : كم خسر هؤلاء الذين لا يريدون وجه الله , فما فائدة عمل من أجل الافتخار ؟ وما فائدة فعل من أجل الاشتهار ؟ فهل نريد أجرا وربحا أم نريد بوارا وخسارة ؟ والحل في هذا الأمر السهل : انكر ذاتك , انكر عملك , اكتم فعلك , اكتم صنعك , فلماذا هو صعب على بعضنا ؟ .
فيا مسلمي اليوم
تأملوا موقف هذا الجندي الذي عرض نفسه لسهام الأعداء ولا يبالي بها حتي يحدث نقبا ( فتحة في الحصن ) , استطاع عن طريقها الجيش الانتصار , ونادى القائد مسلمة بن عبد الملك : أين صاحب النقب ؟ فلم يجبه أحد , فقال : إني عزمت ( حلفت ) على صاحب النقب ألا جاء إلي , فجاء رجل فقيل له : أنت صاحب النقب ؟ قال : بل أنا أخبركم عنه , ويشترط ثلاثة شروط : لا يذكر اسمه لدى الحاكم , ولا تسألوا من هو , وألا تأمروا له بشئ , فلما قال القائد : فذلك له , قال : أنا صاحب النقب ثم ولى مسرعا , فكان مسلمة لا يصلي صلاة إلا ودعا : اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة .
ويا دعاة اليوم
لم يكن هذا تاريخا وانتهي بل هو الرد علي تطلبه نفوسنا من حب الشهرة , والجري وراء المكافآت , فالظاهر أعمال وأفعال وطاعات ودعوة وجهاد وخدمات , وفي الباطن : مغنم ومكانة ومصالح , وقد فصل الأمر إمام الدعاة رسول الله في إجابته الصريحة لمن سأله : يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليري , فمن في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .
ويا مربي الأجيال
كان المربي الأول يأخذ بيد الشباب ويفتح لهم أفاق الحياة المتميزة بالحركة والنشاط والجهاد , حينما سأله الشاب عبد الله بن عمرو : يارسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو , فقال صلي الله عليه وسلم : يا عبد الله إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا تحتسبا , وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا , فيالها من فضيحة يوم يبعث أحدنا من أجل امرأة , أو من أجل منصب , أو شهرة , أو مال , أو ثروة .
ويا علماء الأمة
أرأيتم يوم المدائن وقد جاء مجهول بكنز ممتلئ بالجواهر فقال القائد : ما رأينا مثل هذا قط , ثم قالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فرد : أما والله لولا الله ما آتيتكم به , فعرفوا أن له شأنا , فاتبعوه فإذا هو عالم البصرة وزاهدها : عامر بن قيس التميمي .
ويا أباءنا وياأمهاتنا
علموا أبناءكم الخوف من الله واتركوهم ينتصرون في الحياة , يقول تعالي : ( وأنذر به – القرآن – الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) , ولذلك كان الصحابة يقولون : أوتينا الايمان قبل القرآن , فالأم تقول لابنها يوم القيامة : يا بني قد جعلت لك بطني وعاء , وصدري سقاء , وحجري غطاء , فهل من حسنة اليوم ؟ يقول الابن : ليتني أستطيع ذلك يا أماه , إنما أشكو مما أنت منه تشكين !!! .
ويا أغنياء ويا فقراء
لن تنضبط أحوالنا من العيش الكريم والعدالة في توزيع الثروات , إلا بابتغاء وجه الله وحده , لقد أبي أغنياء الأمس ذلك , فأنزل الله على رسوله : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) , إنهم لا يريدون المال أو الوسامة أو الوجاهة أو الوضع الاجتماعي , فكم من أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره .
ولنا بإذن الله عودة نتأمل فيها ( يريدون وجه الله ) وخواطر جديدة حول هذا التساؤل : كيف أجعل آخر لحظة لي في الدنيا طاعة لله ؟ , كيف يكون آخر عمل لي في الدنيا طاعة لله ؟ , كيف يكون آخر وقت لي في الحياة طاعة لله تعالى ؟.
جمال ماضي


ساحة النقاش