فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

المقال الأول: 

في باريس هذا هو العالم الأحمق!

يتسابق زعماء العالم على المشاركة في مسيرة باريس الدولية؛ ردا (حضاريا) ووقوفا إلى جانب فرنسا في حربها ضد الإرهاب، وتضامنا مع الصحيفة (شارلي إيبدو)، وقد شارك فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس جنبا إلى جنب مع من يدّعون أنه قد جوّع الشعب الفلسطيني بأكمله وقنص أموال الضرائب، وترك أكثر من ربع مليون شخص يعانون الفاقة، منتظرين تعطّف إنسانيته، ليتكرم علينا براتب لا يسمن ولا يغني من جوع! ذلكم هو المناضل العالمي نتنياهو الذي ترافق والرئيس، وكان على بعد خطوات منه كما جاء في الخبر لمواجهة إرهاب قام به مواطنان معبآن قهرا مما تحدثه فرنسا في عالمنا بينما نتنياهو يخضع شعبا كاملا للقهر والقتل ولشتى أصناف الإرهاب الدولي يتحول إلى مناضل ومقاوم، فمن أجل (17) شخصا انتفض العالم ليوم أسود في باريس، ولكن (51) يوما من الحمم الإسرائيلية تشوي أهل غزة، وتقتل آلاف الناس وتشرد آخرين، لم يحرك العالم الحر أي ساكن! أي عدالة هذه؟!

هذه صفعة أولى، أما الثانية فإن الرئيس الفرنسي استقبل ممثلي المجموعة اليهودية في فرنسا للبحث معهم في ما وصفه بأنه "عمل مروع معاد للسامية"، في إشارة إلى احتجاز الرهائن في محل بيع الأطعمة لليهود، لاحظوا الخبر احتجاز رهائن، وليس قتلا أو سجنا أو احتلالا. إن أخشى ما نخافه أن يتظاهر العالم غداً ضد شعب بأكمله، كان يسمى في العالم المنقرض (شعب فلسطين). فنحن نزعج اليهود والزعيم المناضل الأخ نتنياهو، رفيقنا في الإنسانية المضطهدة على أيدي الإرهاب الفلسطيني، لنكتشف أننا ضد السامية وضد الحرية فنحن المجرمون، هذا ما سيصلون إليه، وقد وصلوا إليه فعلا، ولكن دون وقاحة معلنة!!

 

ساعتئذ لا تستغربوا إن شارك سيادة الرئيس بكل تلك النشاطات التي تدين الإرهاب ومعاداة السامية، فيعبر عن انحيازه الكامل، هو والشعب الذي انتخبه للشعب اليهودي في الموطن والشتات ليقف مع قضايا اليهود العادلة؛ فهم (بشر) كما قال قبل ذلك، ألم يتعهد أن ينهي عذاباتهم؟ وها هو يسير بنا نحو ما يرجو من أهداف، فلنصفق لهذه الحكمة الفلسطينية والحنكة المجبولة بالدهاء الذي يحرج الإسرائيليين، ولكن أين الشعراء والمداحون، فليطلقوا قصائد النواح على ما آلت عليه أوضاعنا، إن بقي فيهم قدرة على النواح ولم يفقدوا أصواتهم؟!

=================

المقال الثاني:

التحدي ما زال مستمرا والغباء مستشريا!!

ها هي صحيفة "شارلي إيبدو" الأسبوعية الفرنسية تصدر طبعتها الأولى بعد الهجوم الذي استهدف عددا من محرريها ورسامي الكاريكاتير فيها، وها هي تصدر وعلى صفحتها الأولى رسم للنبي محمد (ص)، وتصدر بثلاثة ملايين نسخة، وبعدة لغات، منها التركية، لتوزعه مع جريدة (حمهورييت المعارضة) كما جاء في موقع (France 24) الإخباري، إضافة إلى أن التلفزيون الفرنسي الرسمي يسخر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما تداولت ذلك مواقع إخبارية متعددة، فما دلالة كل ذلك؟

إن هذا يعني أن المسألة قد خرجت من نطاق "حرية التعبير" المتباكى عليها إلى تعمد استفزاز مشاعر المسلمين في شتى بقاع الأرض وليس في فرنسا وحدها بدليل الترجمة إلى عدة لغات وإن لم تكن اللغة العربية من بينها، وكأنها تستهدف المسلمين في تلك الدول التي ترجمت الصحيفة إلى لعاتها ومنها (الإنجليزية والإسبانية) عدا اللغة التركية التي لها وقفة خاصة، إن ذلك سيعمق الشرخ ويزيد النار اشتعالا ويجعل الحكومة الفرنسية كذلك مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذا الفعل الإجرامي الجبان، فهي كذلك لا تأبه ولا تهتم لمشاعر مواطنيها وغير مواطنيها من المسلمين، وظهرت أنها أكثر عنصرية وإرهابا، وتسعى بكل مكر وخبث إلى إذلال المسلمين أينما كانوا، وخاصة في تركيا.

ولعلها كانت تقصد اللغة التركية بالتحديد وكأنها ترد على الدولة العثمانية التي منعت عرض مسرحية ساخرة في عام 1890 على مسارح فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، فقد جاء الوقت ليردوا على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله الذي مات وشبع موتا ولكنهم لم ينسوا، وكيف ينسون وقد ضرب (غوروا) قبر صلاح الدين بعد قرون طويلة من موته وقال له (ها قد عدنا يا صلاح الدين) عندما دخل الفرنسيون مستعمرين سوريا في بداية عصر الاستعمار الحديث (1920).

 إن فرنسا لم تحترم أبسط قواعد "المواطنية" التي تنادي بها صباح مساء، ولم تراع الحق في المعتقد والفكر في استهتارها بالمسلمين لسبب أنهم مسلمون عبر رعايتها لتلك الأفعال الغوغائية البعيدة عن الفكر التنويري. إنها بهذه الحماية والرعاية تناقض أهم المبادئ الحديثة التي قامت عليها فرنسا أم التنوير والحضارة. أم أن المسلمين لا تشملهم تلك الأفكار، وهنا تقع فرنسا كلها في شرَك التناقض المعيب!

إن ما حدث ويحدث من أعمال عدائية ضد المسلمين في فرنسا وتغض الحكومة الطرف عنها في حين أنها تجند آلاف العناصر من الشرطة لحماية أماكن تجمع اليهود يضعها كذلك في دائرة الاتهام المباشر في التمييز العنصري بين رعاياها بسبب الدين هذه المرة!

لعل الحكومة الفرنسية ومعها الكثيرون ممن يطلقون سهام حقدهم العنصري والديني على المسلمين لا يتوقعون أن يسلموا من إي أعمال انتقامية تنفس عن ذلك الغضب والذل، وذلك التمييز المقيت، وعليها أن تلوم نفسها أولا قبل أن تلوم أولئك المدافعين عن حقوقهم المدنية في الكرامة واحترام رموزهم الدينية والعقائدية، فقد قالوا: "إنك لا تجني من الشوك العنب"، فليس منطقيا أن يتقاطر المسلمون صفوفا ليقبلوا الأيادي، ويعلنوا الولاء لفرنسا الإرهاب والظلم والتعسف، والتي تنم أفعالها غير المدروسة عن غباء فظيع، وإدخال الجميع في نفق الحرب التي لا تكون عقباها إلا زيادة ما يخشون منه من إرهاب وأعمال عدائية.

هذا ما يخص الفرنسيين المصوَّرين ضحايا للإسلام المتطرف وهم في الحقيقة دعاة التطرف والقتل والعنصرية، فماذا عن حكام المسلمين الذين في أغلبهم مسلمون كذلك، فأين ملوك العرب؟ وأين من شارك بمسيرة باريس؟ وأين سيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أم أن حنكته السياسية تختم على فيه فخير المواقف الصمت؟ وأين الملكة رانيا التي تسوق للأفكار الحداثية الغربية في المؤتمرات والملتقيات الدولية؟ وأين تلك الجلالة الخائبة المتمثلة في عبد الله الثاني الذي يدعي أنه قرشي هاشمي والرسول الكريم جده؟ وأين الملك السعودي (لا أعرف اسمه) الذي يدعي أنه (خادم الحرمين الشرفين)؟ فمن هو الأولى بالخدمة والحماية البيت أم صاحب البيت؟ أين محمد وأحمد وعلي وووو من الزعماء أم أن الحكمة تقتضي أن يختبئوا في جحورهم كالفئران؟!

إن مثل هذه المواقف وهذه التصرفات تجعلني أنساءل أين نظريات السياسة والفكر؟ وأين دعاة التسامح والفكر المنفتح؟ وأين دعاة حوار الحضارات؟ وأين دعاة الفكر المستنير؟ وأين المدافعون عن حق الشعوب باحترام دينها ورموزها الدينية والوطنية والفكرية؟ وأين كل تلك الأقلام التي سالت دامعة تعلن نصرتها لحرية الصحافة، وتعلن انحيازها للأفكار العصرية ضد الإرهاب والعنصرية؟ وأين أولئك الشيوخ الذين تحدثوا عن سماحة الإسلام أم أنهم لا يعرفون سوى الذل والمهانة؟ علماء سوء وسلطان ومنصب!

وأين ذلك التاريخ المجيد الذي كان فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قائدا ومكرَّما عند أصحابه؟ أين من يدعون المحافظة على سنة الحبيب المصطفى؟ وأين المسلمون الذي يصلون على النبي كل صلاة، أم أن النبي فقط في الكتب وللنبي ربي يحميه؟ ماذا قدموا لنصرة النبي ونصرة أنفسهم؟ وأين تلك الجيوش المترهلة الخانعة الذليلة؟ أين وأين وأين؟

 

كل تلك الإسئلة وغيرها الكثير في بال الكثيرين تجعل صرح تلك الحضارة واهيا فكريا وفلسفيا، وعندها فستجد حال الكثيرين يقول: إذا فقدنا كل مقوماتنا الإنسانية في الدفاع عن حقوقنا واحترام ذواتنا ومعتقداتنا ولم يحترمنا ذلك العالم (المتحضر)، فأهلا وسهلا ومرحبا بالإرهاب الفردي والعمليات الفردية التي تنتقم من كل هؤلاء؛ إذ لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، وليمت من يموت، فكلهم في السوء سواء، إذ إن تلك الرحى ستطحن الجميع لأن التحدي ما زال مستمرا والغباء مستشريا ضارا يفتك في العقول والأجساد ويفتت الدول ويزيد الأموات موتا والريح هبوباً.. فليحذروا تلك العواقب فإنها والله وخيمة.

===========

المقال الثالث:

أنا لست مع شارلي.. أنا ضدك أيها الغبي!

 

إلى كلّ من وقفوا مع (شارلي أبيدو)، متباكين على حرية التعبير، حريصين على النفاق السياسي والعهر الفكري والتدجين الثقافي ممن يدعون أنهم مثقفون أو مفكرون، ألم يسأل هؤلاء المدّعون كم قُتِل من صحفيين ومفكرين ورسامي كاريكاتير في العالم على أيدي تلك الأنظمة التي تدّعي الحرية واحترام حرية التعبير؟!

الفنانة التشكيلية العراقية (ليلى العطار<!--) واحدة من ضحايا الإرهاب الأمريكي عام 1993، قتلت هي وزوجها بصاروخ أمريكي موجه، لأنها مارست حرية التعبير ودافعت عن بلدها المنهك بالحصار وبالموت حينذاك، فما كانت جريمتها لتتحول إلى أشلاء؟

إنها بكل تأكيد لم ترسم نبيا رسما كاريكاتوريا فاضحا عنصريا، ولم ترسم المسيح أو أحد رجالات الدين أو البابا أو أيا من دعاة الفكر، إنها حاولت وقتذاك أن تقدم رسالة بليغة للعالم الحرّ ولتقول إن المجرم (جورج بوش) الأب قد عمل ما يستحق أن يداس عليه، وكانت قد رسمت هذا الإرهابي العالمي على باب فندق الرشيد في بغداد، لتدوسه الأقدام ممن يدخلون أو يخرجون من وإلى الفندق، والأمر لا يعدو أن يكون رمزيا فقد رسمته في مكان إعلامي لتكون الرسالة عالمية إعلامية تدل على الغضب الذي يشتعل في داخل ملايين العراقيين ضد حصار وحرب كلفا الشعب العراقي آلاف الشهداء وما لا يحصى من الخسائر المادية والمعنوية، ولم يستطع أحد التعبير كما هي عبرت!

إن الحادثة تلك قد مضى عليها ما يزيد عن عشرين عاما، ولكنها حادثة تعاد وتستعاد كلما صدّع الأغبياء رؤوسنا بحرية التعبير في عالم يضج بالمعايير المقلوبة والحرية العرجاء والعدالة الساقطة قانونا وخلقا، وبالتأكيد هؤلاء النفر الشواذ من البشر سيضايقهم مثل هذه الأحداث ويحرجهم مع نفوسهم ومبادئهم الأخلاقية الإنسانية إن كان لديهم ذرة من ضمير وخلق!! إنهم لا يريدون أن يتذكروا تاريخا حافلا بالإرهاب لفرنسا التي أحرقت مئات الآلاف من الجزائريين في صحراء الجزائر وهي تجرب أسلحتها الحديثة، أو بسلسلة القائمة الطويلة من الشهداء الذين كانوا يقاومون مستعمرا احتل أرضهم ونهب خيراتهم وحاول استيطان أفكارهم وثقافتهم وفرنستهم، أليست هذه كلها جرائم إرهابية يا أهل الرأي والفكر!؟

قد يكون مع هؤلاء بعض العذر لو أن فرنسا (الناضجة إنسانيا) لو أنها نضجت قد اعتذرت عن كل ذلك التاريخ الأسود إنها لم تعتذر ولن تعتذر لأن فكرتها تقوم على الاستعمار والاستحمار والاستصغار!

إن فرنسا ليست وحدها في هذا المأزق الأخلاقي، إن ما يسري عليها من قانون المحاسبة سيطال كل الدول الاستعمارية قديما وحديثا، ليعرف هؤلاء الأغبياء المتثاقفون أن تلك الحقبة من الاستعمار لم تنته وتلك العقلية العنصرية لم تمت، وإنها ما زالت إلى الآن قائمة وبشراسة أشد وأعمق تأثيرا وأقوى أثرا، بل إنها قد تجرأت أكثر علينا فشرذمتنا قطعا متناثرة وألحقتنا بها عسكريا وسياسيا واقتصاديا وأصبحنا مجرد حيوانات راعية ومستهلكة ليس غير، وليس عجيبا أن يظهر جيل معبأ بالمرارة واليأس نتيجة كل ذلك التاريخ الأسود من الضحايا!

أبعد هذا وذاك وكل تلك الجرائم المعلن عنها والمخفي سيظل هؤلاء الرهط من المخنثين يقولون (أنا شارلي)، ألا تبا لهم وتبا لشارلي ولفرنسا ولكل شيطان رجيم يرقص في حدائق الشيطان الغربي.س

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- من مواليد عام 1944، أقامت عدة معارض فنية داخل العراق وخارجه، وفازت بالعديد من الجوائز عراقيا وعربيا، قتلت في 27/6/1993

=============

المقال الرابع:

"شارلي" وميوعة الخطاب الثقافي!

ما زالت قضية الصحيفة الفرنسية غير المشهورة إلا بما هو سيء يتفاعل في المجالين السياسي والفكري، وما يتبعهما من مواقف سياسية وإعلامية وفكرية، ويظهر انقسام الناس في هذه المسألة إلى فريقين واضحين، فريق مهاجم وشاتم وغاضب ويستثير الحمية الدينية، وفريق يدافع عن شارلي أبيدو ويرى أنها تمارس حرية التعبير المكفولة في فرنسا والعالم الحر، غاضين الطرف مثلا عن اعتقال السلطات الفرنسية للممثل الكوميدي "ديودوني" بسبب تدوينة له عبر فيس بوك قال فيها "أشعر وكأنني شارلي كوليبالي"، منتقدا الصحيفة انتقادا مباشرا، علما بأن هذا الكوميديان فرنسي ذو أصول أفريقية.

ولم يحفل هذا الفريق أيضا بتجريم الغرب لأي فكرة تعادي السامية وتتعرض للمحرقة النازية لليهود، ولم تر بأسا كذلك باستهتار الصحيفة وغير الصحيفة بمشاعر ملايين المسلمين الغيورين على دينهم ورسولهم، وجرمت نفسها وأعطت للغرب مبررا لإعدام شخصياتنا الثقافية والعقدية من خلال خطاب خجول مائع، يصب جام غضبه على المتطرفين الإسلاميين وأنهم لا يمثلون الإسلام، ويرى أن الصحيفة تعمل ضمن معايير ارتضتها لنفسها، فعلينا أن نرتقي لمستوى الحدث ونحاورها بلغتها وبما يفهمون، فليس مطلوبا منا حسب ما يرى هؤلاء المثقفون أن نثور تلك الثورة التي تغضب الغرب وتجعله يتهمنا بالتخلف!

إذن علينا أن نكون أكثر عقلانية وتحضرا، ونبتلع الإهانات، ويجب ألا يكون حتى خطابنا حادا واضحا، يجب علينا أن نرواغ ونشتم الإرهاب والإرهابيين وندافع عن قيم الحرية والإخاء وحرية التعبير وحوار الحضارات وإخوة الأديان، لتصبح شارلي أبيدو ضحية إرهاب لا دين له!

لا بأس أيها المثقفون، تعالوا نر ماذا أحدث رسام الكاريكاتير الموريتاني، خالد مولاي إدريس، إنه يرسم شارلي أبيدو رسما كاريكاتوريا ساخرا، فلا تصلح الصحيفة سيئة السمعة والصيت كما جاء في الرسم الا كورق للحمام، والآن وقد استخدم تلك اللغة التي "يفهمونها" كما قال هو نفسه، هل سيكون بمقدور رسمه الكاريكاتوري هذا أن يتصدر نشرات الأخبار والصحف، لينافس منافسة حرة ونزيهة تلك الرسوم المسئية للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل يمكن للصحيفة أن ترفع دعوى قضائية ضد هذا الرسام بحجة التشهير بها وبإهانتها والاستهزاء بقدسية الصحافة؟ أم لعلك تقرأ غدا منشورا ثقافيا عربيا يقول إن هذا الفنان لا يتقن رسم الكاريكاتير، فالكاريكاتير لا يعبر إلا تعبيرا ساذجا عن قضية كبرى وعلى الفنان أن يترفع عن أماكن كهذه!؟

 

إننا سنجد الكثير من اللغط والغلط حول هذا الموقف، ولكن لا بأس، يبقى موقف هذا الرسام الواضح والعلني أفضل مليون مرة من مثقف مدعي الحكمة والحنكة واحترام حرية التعبير، وأحسن رأيا من كاتب يحرص على المشاكسة لتكون مقالته الشوهاء في صحيفة كبرى في بلاد الغرب، بلاد الحرية والعدالة الناقصتين!!

==================

المقال الخامس:

أما زلنا في دائرة شارلي أبيدو؟!

فراس حج محمد

لماذا تحوز شارلي أبيدو كل هذا الصيت السيئ والسمعة غير الطيبة، وهي لم تكن أول من سخر من المسلمين وعقائدهم ومن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام؟ ألم يسبقها قائمة طويلة من الساخرين المنتقدين منذ زمن طويل بدءا بالشعوبية غير العربية وانتهاء بالحرب الحضارية بين الإسلام والغرب؟! ألم يكن هناك كتّاب مسلمون أيضاً سخروا من الإسلام ومن بعض عقائده وأفكاره وألفّت كتب كثيرة في ذلك، وثارت حولها الكثير من المعمعات الصحفية والفكرية والمحاكمات الجنائية ودعاوى الردة والقتل والتطليق والنفي والطرد إلى خارج الوطن بصورة أو بأخرى؟ ولن تنتهي تلك القائمة فهي دائماً مرشحة للزيادة وليدخلها الكثيرون من طالبي حق اللجوء إلى الشهرة واستدرار العطف الأجنبي، متمترسين حول ذلك الحصن البليد المدعو "حرية التعبير"، بينما لم نجد تلك المعمعة وذلك الإقبال على التهجم أو انتقاد عقائد وثنية أو مسيحية أو يهودية أو حتى مجرد أفكار جنسية أو جندرية أو ما شابه. فقط لا تثور تلك العاصفة إلا عند انتقاد الإسلام والمسلمين.

لا أدري لماذا يفضل هؤلاء أن ينتقدوا الإسلام وعقائده تحديدا دون غيره من المعتقدات؟ أيخشون من اتهامهم بمعاداة السامية إن انتقدوا اليهود أو بالشوفينية إن انتقدوا النساء، كما قال ذلك وزير الخارجية الفلندي بعد الاعتداء على شارلي أبيدو: "إذا سخرتَ من السّود فهيَ عُنصرية، وإذا سخرتَ من النساء فإنّها الشوفينية، وإذا سخرتَ من اليهود فهيَ مُعاداةُ السّامية، أمّا إذا سخرتَ من الإسلام فتلكَ هيَ حُريةُ التعبير"!

يبدو أن الدافع الحقيقي لانتقاد المسلمين وعقائدهم هو نوع من التعبير عن الحقد التاريخي تجاه الإسلام والمسلمين، إذ لا يفتأ الإعلام بكل صوره من تغذية هذا الحقد، وقد صاحبه وساعد عليه عدة عوامل منها ما هو واقعي ومنها ما هو تاريخي، إذ إن أكثر المناطق توجسا من الإسلام هي أوروبا بعد أن دخلت في صراع مع الإسلام لفترات طويلة من تاريخها القديم، وخاضت حروبا متعددة مع الدولة العثمانية، ووجود تلك الأرضية الخصبة لمعادة الإسلام الذي ينظر إليه على أنه دين تسلط وتجبر واحتلال، كما يتبنى ذلك العديد من المفكرين المحسوبين على الأمة العربية أو الإسلامية ويروجون له، وقد ساهم هؤلاء أيضاً بتغذية تلك الفوبيا من الإسلام السياسي الذي يخشى من عودته وإعادة احتلال أوروبا من جديد. وخلق واقع سياسي مختلف، وتبدل مراكز القوى، وقد تعاضد هذا مع ما تنتجه التيارات المتطرفة من عمليات وما يصاحبها من فكر تدميري وشمولي يكتسح العالم أو ينوي أن يصبغ العالم بصبغته ويصوغ العالم صياغة عولمية جديدة، كما هي الآن مصوغة صياغة ليبرالية علمانية واقتصادية رأسمالية استعمارية لا تبقي ولا تذر!

 

ومن هنا يمكن أن تكون المرحلة الداعشية المعاصرة وما يجنده العالم من إمكانيات لهذه الحرب قد ساهم بشكل أو بآخر أن تحوز شارلي أبيدو كل ذلك الوميض الإعلامي المبهر، وجعلها تقترب من أن تكون ظاهرة أو أيقونة أو شهيدة شاهدة على جانب من جوانب الحرب ضد تلك الفوبيا الساكنة في أعصاب وفكر كل أوروبي مهما ادعى أنه ديمقراطي وإنساني ومحب للإسلام والمسلمين، إن الحقيقة الصامدة والصادمة كذلك هو أن المزاج الأوروبي الشعبي حاليا يشبه إلى حد بعيد مزاج الأوربيين في فترة الحروب الصليبية إذ جندهم البابا في ذلك الوقت لمحاربة الكفار من المحمديين الذي يستولون على قبر المسيح ويمنعون الحجاج من الحج، إنها الفكرة نفسها وإن لبست لباسا غير ديني، وابتعدت عن الحج والمسيح إلا أنها ابتدعت قوانينها الخاصة احتراما للعصر والعولمة والاقتصاد المفتوح، وكل ذلك ما هو إلا قشرة لثمرة خبيثة واحدة هي الحرب وليس غيرها، وهي الحاسم الوحيد في تعديل موازين القوى، إذ لا منطق يفرض غيره في العلاقات البشرية الدولية على مر العصور، والأحداث المعاصرة تثبت ذلك، ولم تكن شارلي أبيدو سوى محرض ودليل استفزازي لتعميق فكرة متأصلة في الوعي أبعد من حادث إرهابي في مدينة باريس!

================

وأخيرا:

مانيفستو الدفاع عن المظلوين!!

هذا هو العالم الأحمق يا كل عواصم القهر!!

يا عواصم الظلام والجبروت والمسالخ البشرية!

 

أعلن أنا المواطن البسيط الذي لا أملك سوى ما تبقى من حروف أنني ضد التسلط والجبروت والإرهاب الممنهج الدولي الذي تمارسه الدول الكبرى، إرهاب تُمْتَهن فيه الذات البشرية في كل منحى من المناحي؛ السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، إرهاب تستباحُ فيه دماء الشعوب المغلوب على أمرها، إرهاب يُضْرب فيه الآمنون في عقر دارهم، ويستخرجهم من بيوتهم، ليغرسهم في سجون المنافي والصحاري، إرهاب تعلن فيه تلك الدول الأثيمة يوميا أنها معه بكل ما أوتيت من صلافة ووقاحة وشناعة وقلة ضمير!!

أعلن هنا أنني ضد من ساند ودعم ووقف مع المحتلين القدماء والجدد، الذين فرقوا بين الأخ وأخيه، وبين الزوجة وزوجها، وبين الحبيب والحبيب، وأضحى القريب بعيدا بعيدا، ضد من قسمونا وحدات وكنتونات متصارعة على الوهم في اتفاقيات أوجدوا لها نواطير تحرسها من قادة ليس لهم في الرجال نصيب، سوى ما نبت من زغب تحت إبطهم، ففاح نتنهم يزكم أنف التاريخ، ليلعنهم كلما حلّ ذكرهم!!

أعلن هنا أنني ضد كل دكتاتور عربي وفقيه وشيخ ومفكر يعطي شرعية للإرهاب الدولي، ويجرم الضحية، ويسكت عن توغل الدول الكبرى في الروح والجغرافيا لتهلك الحرث والنسل، فتمصنا دماء وجهدا ووقتا وحضارة لنعود قبائل لا تعرف سوى الجنس والأفيون، وسراب الصحراء القاحلة!

أعلن هنا أنني ضد كل من شارك في أي تجمع دولي أو محلي أو إقليمي أو ندوة أو سهرة أو برنامج تلفزيوني أو إذاعي يفند فيه إرهاب المقهورين الموجوعين، ويمتدح الجلادين ويستميحهم عذرا، ويتأسف لهم عمن يوصف بأنهم "جهلة الأمة"، ويتباكى على الإسلام المفترى عليه!!

أعلن هنا وأنا بكامل قواي العقلية ونشاطي الفكري الكامل والمتزن أنني ضد كل فكرة وكل جملة وكل كلمة وكل حرف لا يقول صاحبه كلمة حق من أجل نصرة المظلومين المقهورين في كل زمان ومكان في هذا العالم المشبع بالقهر والزفت المغلي!!

أعلن هنا براءتي التامة من كل تضليل أو تجريم لكل مقاوم يدافع عن نفسه أو يدفع عن نفسه وبأي وسيلة متاحة شر من اقتحم أرضه وسماءه وأهال عليه من لهيب الصواريخ، وأعلن انحيازي الكامل جسدا وروحا وفكرا مع كل جائع وسجين ومضطهد لا يراعي فيه المتجبرون حقا أو ذمة أو حرية!

أعلن هنا البراءة من كل ما عدا الحق والعدالة والجمال وأبرأ براءة تامة من حب الحرب والقتل والتضييق والسجن والإرهاب والضحك على الذقون، ولكنني مع كل حركة ومقاومة وتصرف ونسمة هواء تحشرج في حلق كل جائر متسلق مخادع انتهازي خائن للضمير والإنسانية والمنطق مهما كان موقعه السياسي والفكري والأدبي والوجداني والديني!

أعلن هنا أن هذا الإعلان سيظل ساري المفعول حتى تطهر الأرض من الظالمين، ويسود العدل، ويتجندل الطغاة في سلاسل من نار، ويُرْكَلون بالأرجل، وتلعب بهم الصبيان ويتندر بهم كل ساهر، ويصبحون مثلا سائرا في تحقق العدل الإلهي السرمدي الأزلي الكلي الشامل، ويضحون عبرة لكل من تسول له نفسه اللعب بمصائر البشرية!!

----------------------

وعلى ذلك ألتزم وأوقع حتى توافيني المنية غير آبهة بحاكم أو جائر!

                                                      فراس حج محمد

                                              11-1-2015

 

                                           فلسطين المحتلة- نابلس

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 72 مشاهدة
نشرت فى 24 يناير 2015 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

263,987

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.