فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

authentication required

بين أكتوبرين يجمعهما خمسون عاماً

فراس حج محمد| فلسطين

وأنا أتابع الأثر الأدبي والفكري لما جرى يوم السابع من أكتوبر عام 2023، تذكرت كما تذكر غيري، وربطنا بين الحدث الأمّ الذي أنجزته القوات المسلحة المصرية عام 1973 في السادس من أكتوبر. عليّ أن أبيّن أمراً شخصياً، وهو أنا والسادس من أكتوبر من جيل واحد، فأنا ولدت قبل الحدث بسبعة وستين يوماً، بمعنى أنني كنت طفلاً رضيعاً لا يدري عن أمر الهزائم والانتصارات شيئاً.

وفي المدرسة، لم يكن يمر هذا اليوم في كتبنا التي تنوء بحملها ظهورنا الغضة، كوننا شعبا تحت الاحتلال، وندرس المنهاج الأردني، وتصل إلينا المقررات الدراسية، وخاصة التاريخ، والجغرافيا، والتربية الإسلامية واللغة العربية مصفّاة من كل ما يعكر سردية الاحتلال ويكسرها، فكما غاب السادس من أكتوبر غابت معركة الكرامة، وغابت معهما حقائق كثيرة عن البطولة العربية والإرادة العربية التي حاول الاحتلال جاهدا عبر مسيرته الإجرامية أن يسلبها منا.

أتذكر أن أبي- عليه من الله السلام والرحمة- هو من حدثني عن هذا اليوم العظيم، يوم السادس من أكتوبر، كنت فتى واعيا، حدثني عن العبقرية العسكرية المصرية في نجاحها في اجتياز خط بارليف، وحدثني عن قدرة المياه التي كانت باستطاعتها هزيمة النار، وفي السياق نفسه، رتب لي العناصر، التراب والماء والنار والهواء (الرياح) ليحل الماء في القوة المرتبة الثانية في القوة بعد الرياح. هذه كانت قناعة أبي التي استقاها من التراث وقصصه وحكاياته، إن الماء أقوى من النار، فله خاصية إطفائها. بهذه البساطة كان المنطق الذي أقنع فتى يافعاً بأهمية توظيف الماء في الحروب. 

لم يحدثني أبي رحمه الله فقط عن السادس من أكتوبر، بل حدثني عن البطل المصري جول جمال، شهيد العدوان الثلاثي 1956، وكان فخورا به، كما حدثني عن كل هذا التاريخ المجيد الذي لم نقرأه في الكتب، وكان يغيب قسرا عن الحصة المدرسية، لم يفتخر أبي فقط بالعسكرية المصرية بل افتخر بالأدباء كذلك وكان يحفظ كثيرا مما كان قد قرأه في سنواته الست التي قضاها في المدرسة من أناشيد مصرية عن عبور القنال والأغاني، وكان دائما يحدثني هذه الأحاديث وهو مبتسم مشرق الوجه، أرى الفرحة تتلألأ في عينيه، كأنه كان يسترد كرامة شخصه التي ضاعت في الخامس من حزيران حيث كان جنديا في الجيش الأردني، وعاد إلى أمه وهو وحيدها مكسورا يجر أذيال الخيبة والهزيمة، وقد رمى بارودته، وخلع في الخلاء بدلته العسكرية، لعله يسلم. عاد حياً ليعيش، لكنه لم يصحّ ولم يصحُ ولم تتعافَ روحه إلا بعد السادس من أكتوبر، لم يحدثني عن معاناته أيام الحرب الحزيرانية، وكان يخجل منها ويمتعض لو أحدهم ذكرها أمامه، إنها خزي العرب العميق على أية حال.

هذا الوعي المبكر عن العزة والكرامة كان يعني لي الشيء الكثير أنا المواطن الفلسطيني الذي ولدت وعشت حياتي كلها تحت الاحتلال، وجدت ضالتي في الأدب والسينما بعد ذلك، فقرأت الكثير من الشعر والنثر، وتعرفت إلى كثير من قصص البطولة والأبطال، وشاهدت العديد من الأفلام المصرية التي عرفتني على الكثير من أبجديات الحرب وأهوالها وآلامها، كما عرفتني على شخصية الجندي المصري ذي العقيدة العسكرية الصلبة، الشجاع الذي لا يعرف الانهزام، ويحلم بالشهادة كما يحلم بالانتصار سواء بسواء.

وعندما ألفت كتابي عن السابع من أكتوبر "مساحة شخصية: من يوميات الحروب على فلسطين" انتبهت إلى ما أصدره المجتمع الثقافي العربي من كتب ومجلات وصحف، وما كانت تنشره من أدب وما أنتجته من شعر تحديدا، وكيف تصدرت الملفات الثقافية الصحف والمجلات العربية ومنها المجلات المصرية التي اهتمت بالحدث اهتماما بارزا، فهذا يؤشر بلا شك إلى أهمية دخول المجلات الأدبية والفعاليات الثقافية إلى خط المواجهة مع الاحتلال، ويبين دور الثقافة الفاعل في الحرب.

إذاً، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تدخل المجلات إلى هذه الساحة من التوثيق والمقاومة بالفكر والأدب، فقد خصصت مجلة الآداب البيروتية لحرب السادس من أكتوبر المجيد عددا مزدوجا (11 و12) نشر في ديسمبر (كانون أول) عام 1973 بعد أن توقفت المجلة عن الصدور في أكتوبر بسبب الحرب، وضم العدد مواد متعددة لنخبة من كتاب ذلك العصر من مصر ولبنان والعراق وسوريا وفلسطين والجزائر والسعودية وتونس واليمن الديمقراطية والكويت والسودان والمغرب وليبيا، وجاء العدد تحت عنوان "أدباؤنا في المعركة".

ويقول سهيل إدريس رحمه الله بهذا الخصوص: "في الواقع إن كثيرين من الكتاب والشعراء، قد تجندوا في هذه الفترة لمسايرة المعركة الشريفة التي يخوضها العرب، بإنتاج يراوح بين العمق والسرعة. ولكنه دليل إحساس صادق ووعي صادق أيضاً بأهمية هذه المعركة في تاريخنا. على أن الإنتاج الحقيقي، ذا القيمة الباقية في التعبير عن هذه المعركة، لن يأتي إلا بعد فترة ينضج فيها الإحساس بقدر ما ينضج التعبير. وإذ ذاك يكون هذا الأثر هو الشهادة الصادقة، والوثيقة الموثوقة عن مشاركة الفكر والأدب بمعركتنا الحالية".

وأما في توصيف إدريس للحدث نفسه فيكتب: "6 أكتوبر العربي هو أيضاً في اعتقادنا ثورة! فإن العبور الذي تم في ذلك اليوم، إنما هو في المقام الأول عبور من الذل إلى الثورة! من الذل الذي تجاوز ربع قرن من الزمن إلى ثورة عربية عارمة انفجرت في السادس من أكتوبر على شاطئ السويس وعند مرتفعات الجولان وانتشرت شرارتها إلى كل نقطة ماء وكل حبة تراب في وطننا العربي كله!".

هكذا دخل أكثر من (130) كاتبا وكاتبة هذه المعركة، تحدثوا فيها عن تلك المعركة التي "صححت مسار التاريخ" ولو قليلاً، وأحيت في نفوس العرب شيئا من القيمة الذاتية، وأثبتت في عالم السياسة أن العرب قادرون وفاعلون، وأن الهزيمة ليست قدرا مقدورا حتميا لا فكاك منه، بل على العكس لقد أثبتت معركة أكتوبر المجيد أن الأمة العربية بإمكانها الانتصار، وأن تلك المقولة عن "الجيش الذي لا يقهر" ليست إلا كلاما متهاوياً، ليس صحيحا، وأراد المهزومون المهزوزون إقناعنا به.

هذه الدروس التي صنعتها مصر للأجيال القادمة، أثمرت بلا شك السابع من أكتوبر، هذا اليوم- على الرغم من اختلاف وجهات النظر حوله، كما اختلفوا على معركة السادس من أكتوبر- إلا أنه يوم مشهود، ويوم من أيام الله التي لن تنسى، ولا يستطيع الأعداء الغاصبون تجاوز عاره الذي حفر في مخيلاتهم، وفي وعيهم عميقا بحيث شعروا بالهزة الوجودية، وقارنوه- عامدين عن خبث ودهاء أم عن خوف واستعطاف- بالهولوكوست اليهودي النازي.

إنه يوم فاصل في التاريخ العربي المعاصر، كما هو السادس من أكتوبر، وكأن التاريخ أراد بعد خمسين عاماً أن يكمل مسيرته، ويعيد إلى الأمة دروسها التي أوشكت أن تنساها فما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة. فالمستعمرون لا يفهمون لغة التفاوض إلا بعد أن يذوقوا ويلات الحروب، وقد ذاقوها، فلا أظن أن هناك أصدق سياسيا وعسكريا من قول أبي القاسم الشابي في قصيدته الرمزية "فلسفة الثعبان المقدس" التي أجاد فيها رسم العلاقة بين المعتدي والضحية في صورة ثعبان وشحرور، ليتوصل إلى هذه النتيجة:

لا رأي للحق الضعيف ولا صدى// والرأي رأي القاهر الغلابِ

لا عدل إلا إن تعادلت القوى // وتصادم الإرهاب بالإرهاب

عاشت الذكرى، ولتظل باقية في الوعي ناقوسا يحرك الأجيال القادمة ليوم التحرير الموعود والشامل، "ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريباَ". وإنهم- والله- يرونه بعيداً ونراه قريباً، وقريباً جداً.

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 44 مشاهدة
نشرت فى 28 أكتوبر 2026 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,076,545

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.