في تأمّل تجربة الكتابة:
صدور كتاب «التـحرير الأدبي» للكاتب فراس حج محمد

ناشرون فلسطينيون (نابلس- فلسطين)
عن دار «ناشرون فلسطينيون»، صدر الكتاب الإلكتروني الجديد للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد بعنوان «التحرير الأدبي» ضمن سلسلة مشروع «في تأمل تجربة الكتابة» لعام 2026م، ليقدم وثيقة نقدية وشهادة حية تضيء كواليس صنعة الكتابة وأسرار التحرير النصي في المشهد الثقافي العربي.
يطرح الكتاب الذي جاء في (100) صفحة من القطع المتوسط رؤية متكاملة تعيد الاعتبار لدور المحرر الأدبي بوصفه شريكاً خلّاقاً في العملية الإبداعية، موضحاً أن التحرير يتجاوز التدقيق اللغوي الشكلي أو التصويب النحوي العابر ليخوض رحلة جمالية واعية مع مخيلة الكاتب بهدف استجلاء بلاغة النص وإزالة ما قد يعتريه من نتوءات وزوائد.
ويرجع المؤلف جذور هذه التجربة التحريرية إلى ميدان التربية والتعليم، حيث يتناول امتداد ممارسته العملية خلال سنوات عمله معلماً بين عامي 1995 و2008م، والتي تشكلت عبرها معالم صنعة التحرير لديه، فقد انطلقت رؤيته من التعامل مع المسودات الإنشائية للطلاب بوصفها مادة خامة قابلة للتهذيب وإعادة التشكل، مع التركيز على هندسة البناء الجسدي للنص، وتفريع الأفكار بدقة لمعالجة الحشو والإنشاء المكرر، فضلاً عن اعتماد الملاحظات التفاعلية التي تمنح النصوص الناشئة تماسكاً وسلاسة بين الأفكار.
ثم اتسعت هذه الممارسة العملية لتشمل التحرير في مجلات الأطفال كمجلة «الزيزفونة» للحفاظ على فصاحة اللغة والذائقة الجمالية للناشئة، امتداداً إلى تحرير الأدب والفكر وأدب المعتقلات والسجون بالتعاون مع المحامي حسن عبادي في مؤلفات توثيقية إنسانية ترصد تجارب الأسرى.
وفي السياق النظري، يربط المؤلف بين مفهوم «الإنقاص البلاغي» و«التحرير الأدبي»، حيث يتجلى بلاغياً كاستراتيجية جمالية وفلسفية متكاملة تحكم العمل الأدبي في لحظتَي التشكل والتلقي، ولا يقتصر هذا المفهوم على الحذف الموضعي، بل يقوم على تجريد النص من الزخارف الفائضة والوصف المباشر، بما يمنح المساحات المحذوفة والصمت التعبيري دلالات عميقة تتيح للقارئ الشراكة في إنتاج المعنى، مما يرفع القيمة الفنية للنص ويعزز حضوره ورصانته عند التحكيم وفي المسابقات الأدبية، ليتوصل الكاتب إلى أن سر عمل المحرر الأدبي هو تحقيق مفهوم "الإنقاص البلاغي".
كما يفرد الكتاب مساحة حوارية تناولت مداخلات لعدد من النقاد والكتّاب حول حدود سلطة المحرر والتوازن المطلوب بين صون شخصية الكاتب الأصيلة والتدخل التحريري المحكم، مستحضرين الفارق بين موقع المحرر في الثقافة الغربية والواقع الثقافي العربي، ويؤكد الكاتب أن تجاوز الأزمة التحريرية يتطلب تكامل عناصر عدة تشمل وجود محرر خبير، وتقبل الكاتب لدوره بثقة، واعتماد دور النشر على المحرر، إلى جانب وجود ناقد جاد وقارئ يمتلك الذائقة الواعية.
ويختتم المؤَلّف كتابه بمكاشفة صريحة تنقد الممارسات التجارية لدى بعض دور النشر وتدعو إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة ورعاية الموهبة الحقيقية، إلى جانب استعراض التجارب المحبطة التي واجهها من جحود وتجاهل بعد بذل جهود مضنية في تهذيب الأعمال ورعايتها، مسجلاً في خاتمة الكتاب ثبتاً ببليوغرفياً يتضمن أكثر من عشرين عملاً أدبياً ونقدياً تولى مراجعتها وتحريرها خلال مسيرته.
يمثل كتاب «التحرير الأدبي – في تأمل تجربة الكتابة» إضافة نوعية للمكتبة العربية؛ فهو لا يكتفي بالتأصيل النظري لمفهوم التحرير الأدبي، بل يمزجه بشهادة ميدانية حية ومكاشفة أخلاقية تشرح كواليس صنعة الكتابة والنشر، مما يجعله مرجعاً مكثفاً للكتّاب، والمحررين، والناشرين المهتمين برجاحة النص وجودة المنتج الأدبي.


