فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

نموذج من أدب الإعـاقة:

الأبعاد النفسية في رواية "رهين الجسد" للكاتب فادي أبو شقارة

فراس حج محمد| فلسطين

المقدّمة

في عام 2021 صدر كتابي "استعادة غسان كنفاني"، ويقع الكتاب بين يدي فادي أبو شقارة، ويقدّم فيه الحلقة الخامسة والعشرين من برنامجه على اليوتيوب "حصة أدب" (21/7/2022) أعجبني اهتمامه بالكتاب وبالطريقة التي تناوله بها، وعندما أبلغت بعض الأصدقاء بذلك تحدثنا عن فادي وقوة إرادته رغم الإعاقة، وإصراره على الاندماج في الحياة الثقافية، فيكون ناشطا ثقافيا، يحضر الأمسيات الأدبية، ويرصد الحالة العامة الثقافية في فلسطين.

هذه الشخصية بهذا البعد لم تكن بعيدة كذلك عن روايته "رهين الجسد"، وليس بعيداً كذلك في حالته هذه عن شخصية عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ الذي لازم كرسيا متحركاً، وإن كانت حالته الصحية أصعب من حالة الكاتب فادي أبو شقارة، فربطت بين الشخصيتين، ليعود سؤال الإعاقة مرة أخرى إلى بؤرة التفكير الذي يصل أحياناً إلى معضلة تستعصي على الحلّ، وكوني كذلك داخلا مع هذين الشخصين في دائرة الإعاقة الحركية، لأكون واحدا ممن يعانون من تبعاتها الصحية والاجتماعية، في البيت والمدرسة والجامعة، وعند الزواج، وما إلى ذلك من مجالات.

إذاً، تشكّل دائماً الإعاقة سؤلاً شخصياً واجتماعياً، وربما امتدّت لأن تكون سؤالا عقدياً وفكرياً، لأنها تجعل فردا من أفراد المجتمع أو شريحة منه في تمايز عن الأغلبية، هذا التمايز الذي لا يفسّر إيجابياً إلا من خلال نظرية التعويض النفسي، فولد من رحم هذه الفكرة مقولات تصالحية، تحاول أن ترمم علاقة هذا المعاق بالمجتمع الذي يعيش فيه كمقولة "كل ذي عاهة جبّار"، مع أنني شخصيا أرفض مثل هذه المقولات جملة وتفصيلاً، لأنها بالمجمل لا تغيّر من الواقع شيئاً، فالمعاق شخص كُتب عليه أن يتصف بنقص ما، يحرمه بعض القدرات والكفاءات التي يتمتع بها الإنسان الطبيعي، وعلى هذا الأساس يتم تعريفه، وعلى هذه الركيزة وُجدت القوانين والإجراءات التي تعوّض هؤلاء الناس بعض ما حرموا منه؛ لتجسر الهوّة بينهم وبين بقية أفراد المجتمع ليمارسوا أدوراً تتناسب وهذه القدرات الخاصة، ومن هذه الفلسفة نبعت تسميتهم بذوي الاحتياجات الخاصة، بل صارت بعض الأدبيات والتشريعات تطلق عليهم مصطلح ذوي الهمم.

لا شك في أن الإعاقة مرض، أو استقرار حالة صحية على وضع مختلّ لشخص ما نتيجة خطأ أو حادث أو ولادة مشوهة، لذلك ينظر إليها على أنها وضع طارئ غيـر طبيعي خارج عن مألوف الإنسان المتمتع بكامل جسده وقدراته العقلية والحسية، ومن هذا الوضع تبدأ المحاور الأخرى بالتشكّل.

ويحاول دائما الأدب أن يضيء على هذه الشريحة، فيختار نموذجاً، ومن خلاله يمرر مقولاته الفكرية حول الإعاقة والمجتمع، فالأدب لا يؤرخ للإعاقات ولا يشرحها طبياً إلا بقدر ما يخدم أدبية النص وإنما لا بد من أن يناقش الأدب على نحو ما الأثر الاجتماعي والنفسي للمعاق في المجتمع، وخاصة في مراحل طفولته الواعية المبكرة الذي تبدأ بالوعي على الذات ومحدودية قدراتها، والموازنة بينها وبين الأقران، من هذه المسألة يبدأ الأدب، من الذات وصراعها النفسي الداخلي، ومع الآخرين في صراع خارجي متعدد الأشكال، والنتيجة الأخيرة إما الاستسلام وإما التصالح، ولا أقول التفوّق أو الفوز. ودور الأدب هو دفع الطرفين المعاق والمجتمع إلى التقبل والتصالح، وأن يدفع المعاق إلى التفكير بطريقة مغايرة، وألا يظل حبيس إعاقته.

ربما إن نجح الأدب في هذه المهمة العظيمة ستكون الإعاقة مسألة مقبولة اجتماعياً، لأن ثمة أموراً تحدث غصبا عن الكل، لأنْ يشذّ أحدهم أو آحادهم (أفراد) عن القاعدة العامة، وهي الصحة للجميع، فيكونون معاقين غصباً عنهم، فالإعاقة ليست خيارا إطلاقاً ولا بأي حال من الأحوال، حتى من تحوّلوا إلى معاقين بسبب عقوبات معينة، كبعض عقوبات الشريعة الإسلامية في قطع يد السارق على سبيل المثال.

في هذا المقام أذكّر برواية "أرواح كليمنجارو" للروائي إبراهيم نصر الله، هذه الرواية التي تمحورت حول القوة النفسية للمعاق، وقد أحببتُها جداً على نحو شخصي، وكتبتُ عنها كثيراً، وربما أكثر عمل أدبي كتبت عنه، ولكنها لا تغوص في نفسيات الأشخاص المعاقين بقدر ما تبيّن أنهم أشخاص متصالحين مع حياتهم وواقعهم، ويتصرّفون بناء على هذا الأساس، بمعنى آخر؛ لم تقف الرواية عند الأسئلة الأولى للمعاق كما سيقف فادي بديع أبو شقارة في روايته هذه "رهين الجسد"، فابتعدت الأولى عن الجو النفسي في حين انغرست الأخرى في تربة التحليل النفسي، لأنها- أي رواية نصر الله- بقيت في أعتاب المرحلة الأولى للمعاق، ربما لأن الكاتب يعاني من الإعاقة على العكس من كاتب الرواية الأولى، فكتب أبو شقارة من نقطة في داخل النفس أعمق من تلك الأفعال الديناميكية التي تمحورت حولها رواية "أرواح كليمنجارو"، وكانت كلها تشير إلى خارج النفس وإن انطلقت من القدرة على التحدي.

لا أبغي الموازنة بين الروايتين بطبيعة الحال، ولكن رواية أبي شقارة جعلتني أطرح سؤالا بحثياً أدبياً عن مدى حضور "أدب الإعاقة" في سياق الأدب الفلسطيني تحديداً أو العربي عموماً، وسأخصّ بالذكر الإعاقة غير الناتجة عن إصابات الحروب، وحوادث السير، كما في رواية "أرواح كليمنجاروا"، أو إعاقات الأخطاء الطبية، وإصابات العمل، وإنما الإعاقات القدرية كما هو مراد؛ الشخصية الرئيسية في رواية "رهين الجسد"؛ لأنني أفتـرض أن نفسية المعاق تختلف في كل حالة، وتبعاً لذلك تختلف الكتابة وعمقها وأسئلتها.

وعلى ذلك، وتجنبا لسؤال الفنية، تعتبر رواية "رهين الجسد" للكاتب فادي أبو شقارة إضافة نوعية للأدب الفلسطيني والعربي، تنضاف إلى روايات- غيـر أرواح كليمنجارو- "أسرار قوقعة" للكاتبة شهيرة الحسن، و"خاوية" لأيمن العتوم، و"البحث عن أشياء نادرة" لعاطف سنارة، ورواية "أرني الدنيا بعينيك" لإيمان العليلي، ناهيك عن الروايات العالمية في هذا الجانب كرواية "أحدب نوتردام".

تمزج رواية فادي أبو شقارة "رهين الجسد"- كما ألمحت سابقاً- بين السيرة الذاتية والتخييل الروائي، لتقدم تجربة إنسانية عن العيش مع الإعاقة الجسدية، من خلال شخصية مراد، فيفتح الكاتب نافذة على عوالم داخلية معقدة، مليئة بالصراعات النفسية والوجودية التي تتجاوز حدود الجسد المقيَّد والمقيِّد، فاعلاً ومفعولا به.

يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل نقدي للرواية من منظور المنهج النفسي، مع التركيز على شخصية مراد التي يتقنّع خلفها المؤلف، وكيف شكلت إعاقته تفاعله مع ذاته وعائلته والمجتمع، وتفكيك رموز الرواية ودلالاتها، وربطها بالواقع الذي يعيشه الكاتب نفسه الذي يعاني من إعاقة حركية مماثلة، وسيتم التركيـز بشكل خاص على فهم آليات الدفاع النفسي التي يطورها مراد، وكيف يتجاوز الألم الجسدي ليواجه التحديات الأكبر المتمثلة في نظرة المجتمع والأحكام المسبقة.

سأركز على تحليل الصراعات الداخلية لشخصية مراد، وفهم آليات الدفاع النفسي لديه، وتفكيك الرموز والدلالات التي استخدمها الكاتب، وأبدأ بتوضيح مجموعة من المصطلحات التي تتمحور حولها هذه القراءة، علما أنّ ما وضعته لها من مفاهيم مستقىً من الرواية ذاتها، لا من الكتب والمراجع ذات العلاقة بالتحليل النفسي أو الطب النفسي، ولذلك فهي مرتبطة ارتباطا منهجيا بالتحليل النفسي على مستوى البنية النصية للرواية، ولذلك فهي مصطلحات لها قيمة فنية أدبية أكثر من كونها نفسية علمية.

مصطلحات القراءة الرئيسية

يرد في هذا التحليل جملة من المصطلحات، ولكل مصطلح منها دلالته الروائية والرمزية، وأهم هذه المصطلحات:

1. رهين الجسد: يمكن اعتباره مفهوما فلسفيا ونفسياً، يشير إلى أن العقل قد يكون حرا حتى وإن كان الجسد مقيدا، وأنّ العكس صحيح كذلك، عدا ذلك فإنه يحمل الاستعارة الروائية المركزية في النص، ويحمل إشارة ثقافية تاريخية تذكر بأبي العلاء المعري الموصوف بأنه رهين المحبسين: البيت والعمى، بل إن المعري نفسه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما جعلها ثلاثة سجون في قوله:

أراني في الثلاثة مِن سجوني      

                                              فلا تسألْ عنِ الخبر النبيثِ

          لفقديَ ناظري ولزوم بيْتي                              

                                          وكون النفس في الجسد الخبيثِ

2. قائمة المحرمات: تجسيد نفسي للحرمان والشعور بالدونية التي تفرضها الإعاقة، ورمز للأحلام المفقودة، وهذه القائمة مختلفة باختلاف الإعاقة، فمن كانت إعاقته سمعية ستختلف قائمته عن المعاق بصريا، وصاحب الإعاقة الحركية سيكون له قائمته كذلك، كما هو مراد في هذه الرواية، ويمكن النظر إلى هذه القائمة على أنها تعامل مفرط في واقعيته مع ظروف الإعاقة لأنها نابعة من تصور شخصي، قد يحمل نوعا من المبالغة أحياناً، والمبالغة هنا سلبية في اتجاه مؤشرها العام، وتتخذ معنى القيد الاحترازي مخافة الانزلاق إلى ما لا يُحمد من التصرفات.

وقد ورد شيء من هذه القائمة عند د. طه حسين في سيرته "الأيام" عندما حرم على نفسه ألواناً من الطعام نتيجة ما مر به من موقف محرج، "ومن ذلك الوقت حرّم على نفسه ألوانا من الطعام لم تبح له إلا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين؛ حرّم على نفسه الحساءَ والأرز، وكل الألوان التي تُؤكل بالملاعق؛ لأنه كان يعرف أنه لا يحسن اصطناع الملعقة".

3. الكرسي المتحرّك؛ (وينغز): رمز للحرية والاستقلال، ونقطة تحول نفسي عميقة في حياة مراد، وتقلب المعنـى الكليّ للاستعارة المركزية في الرواية "رهين الجسد"، مع أنها تحمل نوعاً من الرومانسية في التصور الذاتي، تحيل على شيء من التصور الأسطوري أو الفنتازي حيث يصبح للكائن جناحين للتحليق للتخلص من مأساته أو واقعه، أو ربما أصبحت تلك الأجنحة تعويضا عما فقده الشخص، كما هي حالة جعفر الطيار رضي الله عنه. كل هذا الثقل المعرفي لا يلغي حالة التعويض النفسي للشخص، إلا أنها بالمقابل تحمل شيئا من تقدير الذات، وقدرتها على المواجهة.

4. العنف البصري: تأثير نظرات المجتمع المليئة بالشفقة أو الاستهزاء، والتي يرى مراد أنها أكثر إيلاما من العنف الجسدي، ويمكن أن تكون هي الاستعارة الأولى الذي يبني عليها المؤلف روايته، إذ ترتبط بالظاهر، حيث الإعاقة عند مراد حركية وظاهرة، وتدفع إلى "أن تقتحمه العيون" حسب التعبيـر التراثي القديم، ومن هذه النقطة تبدأ المعاناة التي تتمحور حولها أول مرحلة من مراحل المعاق مع المجتمع وهي مرحلة التحديق كما سيتضح لاحقاً.

الغلاف وسيميائيته الروائية

يحمل غلاف الرواية دلالات نفسية تعكس صراع مراد مع ذاته ومع المجتمع، يظهر على الغلاف شخص يهرب من نار بينما يصفق له الآخرون، هذا المشهد يرمز إلى واقع مراد الذي يعيش صراعا وجوديا داخليا (النار) ولكنه في الوقت نفسه محل تجمهر ومعجبين يستهزئون بألمه، وربما أشار الغلاف أيضا إلى تحية المعاق وتقديره في المرحلة الأخيرة من المراحل التي يمر بها في مجتمعه، حيث التآلف والتقدير مع المحيط الذي يعيش فيه، فهو بذلك يحمل دلالتين متناقضتين.

يرتبط الغلاف بالعنف البصري الذي يتعرض له مراد، حيث يرى المجتمع في معاناته فرجة أو عرضا يستحق التصفيق بدلا من المساعدة، إن هذا الغلاف دعوة لفهم أن معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة ليست مادة للترفيه، بل هي تجربة إنسانية تستحق التقدير والاحترام، مع تأكيد حقيقة أن العنف البصري ينطلق من نقطة سطحية في التعامل مع الآخر، وتمثّل رجعا غريزيا وردة فعل مباشرة على رؤية شخص لم تألف العين والعقل مثاله، فتحدث مثل هذه الرجّة السطحية لدى الذين يمارسون هذا النوع من العنف، فهو في مرحلة ما غريزي بعكس العنف الجسدي المبني على قرار عقلي مسبق، وهو أول درجة من درجات التنمر وخاصة في عالم المدرسة.

ويمثل الكرسي المتحرك الموصوف بأنه"وينغز" نقطة تحول حاسمة في حياة مراد، حيث يصفه بأنه مفتاح الحرية الذي أهداه إياه أهله، فلم ينظر إلى الكرسي على أنه أداة مساعدة للتغلب على قيد الجسد والحركة، بل كان رمزا نفسيا للتحرر والاستقلال، علما أنّ تسميته بـوينغز (أجنحة) تكشف عن تحول مراد من رهين إلى طائر قادر على التحليق في مساحات لم تكن متاحة له من قبل.

يصف مراد شعوره بعد امتلاك الكرسي بأنه "مثل عصفور فتحوا له أبواب القفص"، هذا التحول النفسي العميق جوهر صراع مراد مع ذاته، حيث ينتقل من الشعور بالعجز إلى الشعور بالقدرة والحرية، وأنقذ الرواية من الغوص في التشاؤم والسوداوية.

مسارب التحليل النفسي

لا يقتصر عنوان الرواية "رهين الجسد" على كونه وصفا لحالة مراد الجسدية الذي يعاني من شلل عضلي في كامل جسمه تقريبا ما عدا لسانه، مما يلزمه بكرسي متحرك، ويتجاوز المفهوم البُعد الجسدي ليلامس عمق الصراع النفسي والوجودي، فيرى الكاتب، من خلال تجربة مراد، أن العقل والفكر يمكن أن يكونا أحرارا حتى وإن كان الجسد مقيدا، وعلى الجانب الآخر، يرى أن الكثيرين ممن يملكون أجسادا معافاة قد يكونون في الواقع رهائن أفكارهم الضيقة، وعاداتهم الاجتماعية المقيدة، ورؤاهم المحدودة للحياة.

هذا التناقض هو جوهر التحليل النفسي للرواية، فمراد ليس أسيرا لجسده فحسب، بل هو رهين لحكم المجتمع الذي ينظر إليه على أنه جسد معطوب، وهو رهين أيضا للأفكار السلبية التي تحاول السيطرة على وعيه ودفعه إلى اليأس، إن صراعه يمثل محاولة للتحرر من كل هذه القيود، وإثبات أن شخصه وفكره لا يمكن أن يكونا حبيسَيْ الجسد.

يعدد مراد في الرواية قائمة المحرمات التي يراها مستحيلة عليه، مثل الوقوف، والمشي، والركض، والزواج، والأبوة، ويجب ألا ينظر إلى هذه المحرمات على أنها سرد للأنشطة التـي لا يستطيع المعاق القيام بها، بل تجسيد نفسي للحرمان والشعور بالدونية التي تفرضها الإعاقة، يرى مراد نفسه إنسانا غير كامل، وهذا الشعور ينبع من مقارنته المستمرة بين واقعه والأحلام الطبيعية التي لا يستطيع تحقيقها.

إن الحرمان من هذه الأحلام لا يولد الحزن فقط، بل يولد أيضا آليات دفاع نفسية قوية. فمراد يستخدم السخرية والفكاهة السوداء كدرع يحمي به نفسه من تأثير هذه المحرمات عليه، ومن خلال هذه القائمة، يوضح الكاتب كيف أن الإعاقة ليست عجزاً جسدياً وحسب، وإنما صدمة نفسية مستمرة تتطلب قوة إرادة هائلة لمواجهتها.

وتوضح الموازنة الآتية بعض المحرمات في حياة مراد وما يقابلها في حياة الشخص المعافى، مما يبرز حقيقة الشعور بالحرمان النفسي، فالمحرمات في حياة مراد: المشي، الركض، الرقص، السباحة، الزواج، الأبوة، ممارسة الجنس، القيادة، القفز، تسلق السلالم، هذه المحرمات لها ما يقابلها من مباحات وطيبات في حياة الشخص المعافى: الحركة الحرة، والنشاط البدني، والعلاقات الإنسانية والأسرية الطبيعية، والقدرة على التنقل، واكتشاف العالم، وتمثل هذه القائمة حرمانا من الاستقلال الجسدي والشعور بالسيطرة على الجسد، كما تمثل حرمانا من تجربة الحب، والشعور بالاكتمال، والاستمرارية، وفي الوقت نفسه تشير إلى حرمان من الحرية والاستقلال في الحركة.

يواجه مراد صراعا روحيا حادا بسبب إعاقته، حيث يطرح تساؤلات وجودية عن العدالة الإلهية، فيتساءل: "لماذا أنا؟" وهل إعاقته هي "ابتلاء من الله"؟ هذا الصراع يظهر بوضوح في حواره مع نفسه ومع الآخرين، حيث يعكس ترددا بين تقبل الإيمان والشك المرير، وينتقد مراد فكرة "هيك الله بدو" التي يكررها أبوه وأمه، ويرى أنها إجابة سطحية لا تروي عطش فضوله ولا تشبع رغباته الوجودية.

ولكنه لا يستسلم للشك تماما، بل يحاول البحث عن إجابات مقنعة، هذا البحث يظهر في محاولاته فهم علاقته بالله، وانتقاله من التفكيـر في التهديد بالإلحاد والتهديدات السلبية إلى التقبل والصمود، وهذا الانتقال من اليأس إلى التقبل يعكس تحولا روحيا ينشأ من رحم المعاناة، حيث يجد القوة في ذاته لا في الظروف الخارجية، يوضح الكاتب أن مراد، رغم كل شيء، لا يريد أن يكره من أعطاه هذه الروح، وهذا التفكيـر يمنعه من الانجراف الكامل في تيار الشك والعدمية.

إن عائلة مراد هي المرآة الأولى التي عكست له صورته، وكانت مصدرا مزدوجا للحب والصراع. لقد كان لكل فرد من أفراد العائلة دور محوري في تشكيل شخصيته، مما يجعل من علاقاته بهم مجالا خصبا للتحليل النفسي، فيُقدم الأب في الرواية شخصية عملية ومحورية، فقد علّم مراد أهمية التحمل والصبر الشديد والتذرع بقلب من حديد، وهذا الأسلوب كان له تأثير قوي على مراد، فالأب لا يعطي الوعود التي لا يستطيع الوفاء بها، ويتعامل مع مراد بجدية دون شفقة، ما يدفع مراد للاعتماد على نفسه، على الرغم من أن هذا السلوك قد يبدو قاسيا في بعض الأحيان، إلا أنه يهدف إلى بناء شخصية قوية قادرة على مواجهة تحديات الحياة، ويرى الأب أن الحب ليس فقط بالكلمات، بل بالعمل الشاق لتوفير كل احتياجات العائلة، وهو ما طبقه مراد لاحقا في حياته الخاصة.

على عكس الأب، تُمثل الأم في الرواية مركزا للقلق والحب المفرط، فحبها لمراد شديد لدرجة أنها كانت تحاول إبعاده عن مواجهة المجتمع، ما جعله يشعر بأنه رهينة في المنـزل، هذه الحماية المفرطة كانت مصدر صراع نفسي لمراد؛ فهو يقدّر حبها، ولكنه يرفض أن تكون الإعاقة سببا لتقييده، وكان يحاول دائما إثبات أنه لا يزال قادرا على العيش والتفاعل مع العالم الخارجي، وأن حماية الأم، رغم نواياها الحسنة، قد تكون قيدا على حريته، ومن وجهة نظر أخرى يمكن لفعل الأم هذا أن يكون ضابط إيقاع من الانسياق وراء الأفكار المثالية، وكأنها كانت المنبّه ليلتفت إلى قدراته الحقيقية، وليس للحط من قدره أو تثبيط معنوياته.

أما الإخوة، فيمثل كل من مروان ومروة مرآة مصغرة للمجتمع المحيط بمراد، إذ كانت مروة بمثابة الأم البديلة لمراد في طفولته، حيث كانت تواسيه وتدعمه عاطفيا، وأما مروان، فقد كان يمثل درع الحماية الجسدية العنيفة ضد أي شخص يحاول إهانة مراد، يظهر ذلك بوضوح في حادثة معرض الكتاب التي يصفها مراد، عندما يدافع عنه مروان بعنف ضد رجل وزوجته، كيف أن مروان كان يترجم حبه لأخيه إلى أفعال قوية، بعكس أسلوب الأب والأم، هذه المواقف ساهمت في بناء ثقة مراد بنفسه، حيث شعر بأن لديه من يدافع عنه بقوة.

إن مواجهة مراد للمجتمع كانت من أصعب المعارك التي خاضها، إذ يصف مراد نظرات الناس وتحديقاتهم بأنها "أعنف من لكمات قبضة اليد"، وهذا ما أسميته سايقاً "العنف البصري"، هذه النظرات كانت تحوّل مراد من إنسان إلى كائن نادر أو تحفة تاريخية، مما يجعله يشعر بالدونية والعار، ولمواجهة هذا العنف، يطور مراد آليات دفاع نفسية، مثل لعبة من سيغض نظره قبل الآخر التي يهدف من خلالها إلى استعادة السيطرة على كرامته الذاتية، إن هذه اللعبة ليست تحدّيا بسيطاً أو مشهدا عابراً في السرد، بل تشير إلى صراع نفسي يثبت فيه مراد وجوده وقوته أمام المجتمع الذي يحاول تهميشه.

شكّل أصدقاء مراد؛ باسل، وأمين، وزاهي، ووليد مجتمعا مصغرا من التقبل والدعم، لم تكن علاقتهم به مبنية على الشفقة، بل على التفاعل الطبيعي الذي يكسر الحواجز النفسية، وقد كانت صداقتهم بمثابة قوة مضادة للعنف البصري الذي يواجهه من المجتمع الخارجي، وكانت مواقفهم العنيفة في الدفاع عن مراد، ضد من يستهزئ به، تعكس ردا لا شعوريا على العنف الذي تعرض له، هذه الصداقة جعلت مراد يشعر بأنه جزء من مجموعة، وأن إعاقته ليست عائقا أمام بناء علاقات إنسانية حقيقية.

تطورت علاقة مراد بالمجتمع على مراحل متعددة، تبدأ بالصدمة وتنتهي بالتقبل، ففي البداية، كان مراد لعبة جديدة يلهو بها زملاؤه في المدرسة، وكانت أسئلتهم تنم عن جهل وفضول غير واعٍ، ولكن، بتوجيه من المستشارة لميس، يتعلم مراد كيفية الإجابة على الأسئلة بأسلوب هادئ، ما يؤدي تدريجيا إلى تآلف زملائه معه وتلاشي النظرات المزعجة، هذا التحول من لعبة جديدة إلى طالب مثلهم يوضح كيف أن مراد استطاع أن يفرض نفسه على المجتمع، وأن يثبت أن إعاقته ليست عائقا أمام بناء علاقات طبيعية.

إذاً، هذا مسار علاقة مراد بمجتمعه، هذه العلاقة التي سارت سيرا طبيعيا، وبذلك تقدم الرواية دراسة حالة لكيفية تعامل المجتمع مع المعاق، ولكيفية تعامل المعاق مع هذا المجتمع، ولأهمية تلك المحطات أعرضها ملخصة في النقاط الآتية:

أولاً- التحديق: نظرات المجتمع التي تحوّل مراد إلى كائن نادر أو تحفة تاريخية، ويصاحب المعاق في هذه المرحلة شعور بالدونية والعار، ومحاولة تطوير آليات دفاعية.

ثانياً- الفضول: أسئلة زملائه في المدرسة التي كانت تنم عن جهل وفضول طفولي، ليتحول مراد إلى لعبة جديدة بالنسبة لهم، مما جعله يشعر بأنه مختلف وغير مرغوب فيه، وأنه لم يكن أكثر من أداة من أدوات التسلية والترفيه بالنسبة لهم.

ثالثا: التقبل: تآلف زملائه معه وتلاشي النظرات المزعجة، وبناء صداقات حقيقية، فقد استطاع مراد أن يشعر بشيء من المساواة مع الأقران.

تعتبر علاقات مراد العاطفية انعكاسا لصراعاته الداخلية، في علاقته بسهام، ويدرك مراد أنه لا يستطيع حمايتها ما يدفعه إلى العودة إلى قائمة المحرمات كإطار دفاعي، أما علاقته بأنوار، فتفتح له آفاقا جديدة من الحب، وتثبت له أن الحب يمكن أن يتجاوز القيود الجسدية، ولكن تبقى علاقته بهدى هي الأكثـر نضجا، حيث تمثل الخيار الأخيـر له في تجاوز قائمة المحرمات التي فرضها على نفسه.

تُظهر رواية "رهين الجسد" أن الإعاقة ليست حالة جسدية مرضية عابرة، بل تجربة نفسية ووجودية معقدة، فرحلة مراد هي رحلة من الصراع مع الجسد المقيد إلى التحرر بالعقل والفكر، لقد كان لكل من العائلة والمجتمع دور كبير في تشكيل هويته وصراعاته، فالأب علّمه الصبر والاعتماد على الذات، والأم كانت مصدرا للحب والحماية المفرطة، والأخوة كانوا مرآة للمجتمع الذي يواجهه يوميا.

كما تشكل الرواية صحوة اجتماعية، بما تحمله من رسالة تتجاوز كونها قصة شخصية. ليعيد النظر في نظرته للأشخاص ذوي الإعاقة، ويرى الكاتب فادي أبو شقارة أن القوة الحقيقية تكمن في الإرادة والفكر، لا في الجسد المعافى، إن الرواية تدعو إلى كسر حاجز الجهل والشفقة، وتقبل الآخر كما هو، وإفساح المجال لأصحاب الإعاقة لتحقيق طموحاتهم.

وبناء على هذا التحليل، يمكن تقديم التوصيات الآتية اللازمة للتعامل مع الإنسان المعاق:

● التوعية النفسية: يجب أن يتم التركيـز على فهم الأبعاد النفسية للإعاقة، لا الجسدية فقط، وأن يتم توفير الدعم النفسي الكافي للأشخاص ذوي الإعاقة وعائلاتهم.

● الدور الأدبي: يجب على الأدب أن يساهم بفاعلية في التوعية بقضايا الإعاقة، وتقديم نماذج إيجابية تكسر القوالب النمطية، وأن يتجه النقد الأدبي كذلك إلى التعريف بهذه النماذج وتحليلها، لجعل كل شخصية "حالة دراسة" مشخصة واقعية، وليست محض وهم أو خيال في فكر الكاتب.

● الدمج المجتمعي: يجب على المجتمع أن يتخلى عن نظرات الشفقة والعنف البصري، وأن يعمل على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع مناحي الحياة، من التعليم إلى العمل، على الرغم من أن أغلب المجتمعات اليوم وقوانيها تحرص على أن يكون المعاق جزءا أصيلا من محيطه، لا بكونه معاقاً بل بكونه إنساناً كامل الأهلية ليمارس دوره المجتمعي مثل بقية أفراد المجتمع، ولكي تنجح هذه السياسة لا بد من أن يبدأ الدمج في مراحل مبكرة من عمر الطفل، عمر ما قبل المدرسة والروضة، إلا أن المعاقين ما زالوا يعانون من التمييـز أحياناً في العمل والمدرسة والحياة الاجتماعية بشكل عام.

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 45 مشاهدة
نشرت فى 30 سبتمبر 2026 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,056,810

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.