في أخلاقيات النـشر الحصري المدفوع:
لماذا يعيد الباحثون تدوير أفكارهم؟
فراس حج محمد| فلسطين
وأنا أراجع مجلة فصول النقدية (المجلد السادس عشر العدد الثاني، خريف 1997 "الأفق الأدونيسي")، هذه المجلة ذات المعايير النقدية الصارمة، لفت انتباهي ما نشرته من تنويه في نهاية الصفحة السادسة عشر. يقول هذا التنويه:
"للأسف اكتشفت مجلة «فصول» أن مقال فخري صالح المعنون: "قصيدة النثر العربية: الإطار النظري والنماذج الجديدة"، الذي نشر بالمجلة (المجلد السادس عشر العدد الأول، صيف 1997)، ليس سوى إعادة صياغة لمقال آخر كان قد نشره بمجلة "الأديب المعاصر" العراقية قبل سبع سنوات. وإذ تعتذر فصول لقرائها عن هذا الخطأ، فإنها تعد بمحاولة عدم تكراره، وترجو من الكتاب عونها في ذلك".

إن هذا فضيحة علمية بالتأكيد، يخالف فيها الناقد معايير النشر التي يعلمها، وهذا يقدح في أخلاقياته العلمية التي يجب أن يتحلى بها، فما الذي يدفع ناقداً يكتب في أهم المجلات أن يمارس مثل هذه الخدع المضللة، ويجعل سمعته على المحكّ؟ أيدفعه المردود المادي الذي سيحصل عليه من المجلتين؟ وكأنه يبيع القطعة الواحدة لمشترين اثنين، فكيف يرضى بذلك؟
حدثت هذه "الفضيحة" العلمية عام 1997، إذ لم يكن هناك ذكاء اصطناعي، ولا شبكة إنترنت فاضحة، كما هي الحال اليوم، وكان الاعتماد كله على "ضمير الباحث" وحده، كما أن هذا التنويه يقول أشياء أخرى: إن ثمة باحثين فعلوها، وأعادوا صياغة أبحاثهم ومقالاتهم من أجل أن يعيدوا نشرها، ليقبضوا الثمن مرات متعددة، وليس مرتين، وهل باع فخري صالح هذه الأفكار مرتين فقط، أم أنه فعلها مع صحف أخرى ومجلات أخرى، وفعل ذلك أيضا بمقالات غير هذه؟ إذاً ثمة دائرة من الشك المريب وضع الناقد نفسه فيها، ومن الصعب أن يتخلص منها، ولن يشفع له أنه "ناقد كبير".
وكذلك تقول الحادثة إن آخرين مثله، وقعوا بمثل ما وقع فيه، لكن لحسن حظهم أنهم لم يُكتشفوا ولم يُنوّه بهم، كما أن من حسن حظه أنه لم ينوّه به، ولم يفضح بغير هذه الفضيحة. هل تعلّم الناقد الدرس وثاب إلى رشده؟ إن من يفعل الأمر مرة يفعله مرات عدة، وكما هو معروف في علم الحديث الشريف من كذب مرة فإنه يسقط للأبد ويصبح غير مؤهل للأخذ عنه. ولكن هل تتعامل المجلات بهذه الصرامة البحثية؟
في أحد أعداد مجلة فصول (عدد 104، المجلد 26/4، خريف 2018) بينت المجلة سياسة النشر وقواعدها في ستة عشر بنداً، ونشرت في صفحة مستقلة وثيقة ملكية فكرية تلزم الباحثين باقتطاعها من المجلة والتوقيع عليها بخط اليد وترفق بالبحث المقدّم للنشر، وجاءت صيغة هذه الوثيقة مشددة وقاسية، وإجبارية، من أجل أن تقطع دابر هذه المسألة، وتجعل الجزاء من جنس العمل، يُدفع مادياً، يقول هذا التعهد:
"أقر أنا (الاسم الرباعي للباحث) والموقع أدناه بأنني (المؤلف/ المترجم) الفعلي لبحث (اسم البحث)
وأقر بأنني اطلعت على سياسات النشر بالمجلة، وأن البحث لم يتم نشره من قبل بأية صورة من الصور (مطبوعاً أو إلكترونياً)، وبأنه ليس مقدماً للنشر إلى أية جهة أخرى، وبأنه لم يتم إلقاؤه في ندوة أو تقديمه لمؤتمر علمي، وبأنه ليس جزءاً من كتاب منشور أو رسالة جامعية. وألتزم- إذا ثبت لهيئة تحرير المجلة عكس ما تقدم- بسداد كل النفقات والمصروفات التي تحملتها المجلة بصدد إجراءات تحكيم البحث ونشره، كما ألتزم بسداد هذه النفقات في حالة سحبي للبحث وعدم استكمال إجراءات نشره بالمجلة. هذا بالإضافة إلى ما تراه هيئة تحرير المجلة من تدابير أدبية".

لا أدري إن كانوا أسقطوا للأبد من حساباتهم التعامل مع هذا الكاتب أو ذاك ممن ثبت لديهم أنه خالف "العقد" الذي هو "شريعة المتعاقدين"، وهذا يلزمه بحث وتنقيب وتتبع لجميع الأعداد، إنما يكفي أن ينوه بفعله هذا مرة واحدة ليصبح مشبوهاً، و"مجرّحاً"، ومثلوماً في عدالته، لا يصح نشر شيء من مقالاته مرة أخرى، ليكون عبرة لمن يريد أن يعتبر أو تسوّل له نفسه ارتكاب حماقة شبيهة بهذه.
تعود إليّ هذه المسألة عندما نشرت مقالتي حول الاسم فاطمة بعنوان "التجلّيات المعنويّة والإيقاعيّة لاسم فاطمة"، وكان شبه "بحث" أكاديمي، وقد نشرته في صحيفة الحدث الفلسطيني ومواقع أخرى متعددة، طلبت مني أحد الأكاديميات الفلسطينيات، وهي من حملة شهادة الدكتوراه أن أعيد صياغة المادة أو حتى أغير عنوانها لأعيد نشرها في إحدى المنصات التي لا تقبل المواد إلا حصرية. رفضت ذلك بطبيعة الحال، فأنا ببساطة لا أفعل ذلك، لأنني أولاً لا أتكسب بالنشر، كما أنني أنشر كل مقالاتي- عدا مقالات مجلة عود الند الثقافية- في مواقع وصحف متعددة، فليس لأحد عندي حقاً أو التزاماً أخلاقياً، كما أنه ليس لي عند أحد ثمن مقال، فلست أحب شيئاً مثل حبي لمقال نشر لي في أماكن متعددة، لأن معنى ذلك زيادة في قراءته، ووصول المادة إلى ما لا يحصى من القراء، فما الذي يجبرني على قبره في منصة واحدة؟
إذاً، من المحتمل أن هذه الدكتورة، تفعل في مقالاتها وموادها ما فعله فخري صالح في مقاله هذا، وتغيّر في العناوين، وتعيد الصياغات لتحظى بفرصة النشر والانتشار مرات أخرى، ولم تحترم أخلاقيات النشر المتفق عليها ضمناً بين الطرفين؛ المجلة/ المنصة والكاتب.
من المؤكد أن الحالات المشابهة كثيرة، وتفتح شهية البحث الطريف عن هذه "التنويهات" في المجلات المتعددة، لتكون موضوع بحث، يفكك فيها باحث جريء هذه "الفلتات الأخلاقية" ويفسرها، ويجري مقابلات شخصية مع الكتاب والباحثين الأحياء الذين في الغالب لن يقبلوا إجراء مثل هذه المقابلات، وأن يوازن هذا الباحث بين الصيغتين، فربما يكون التعديل بنيوياً يتطلبه البحث نفسه كما حدث معي عندما نشرت مقالتي الدورية في مجلة عود الند الثقافية بعنوان "دور الأدب في تنمية الذكاء العاطفي في المدارس" (العدد 26، خريف، 2022)، وارتأيت أن أعدّل فيها كثيراً، ولأن عملية استبدال مقال بآخر عملية شاقة كما أخبرني رئيس التحرير، ولأن الاختلافات كبيرة بين الصيغتين، سمح لي بنشر المقال مرة أخرى في أي موقع شئت، فأرسلت النسخة المعدلة للنشر في مجلة شرمولا الأدبية وكانت بعنوان "أهمية الأدب في عملية التعليم". (العدد 20، خريف، 2023).
لا شك في أن المجلات التي تشتري المادة وتدفع بالدولار للكاتب يحق لها أن تستأثر ببضاعتها، علماً أنني لا أتقاضى على تلك المقالات الحصرية في مجلة عود الند أي دولار أو يورو واحد، إنما هو التزام أخلاقي رضيت به دون غصب أو إجبار، ولست بنادم على كل ما فعلته تجاه الكتابة سواء في عود الند الثقافية أم تلك المواد التي أنفق أياماً طويلة في كتابتها، وأرسلها بكل بساطة مجاناً لكل المواقع والصحف والمجلات.


