دويتو السرد والوجد:
قراءة في تجربة الكتابـة المشتركة بين حامد حج محمد وزهرة إيلياء
فراس حج محمد| فلسطين
تتطلب الكتابـة المشتركة في القصـة القصيرة مستوى عالياً من التناغم الفكري والأسلوبي، فهي ليست تجميع نصوص لكاتبين بين دفتي كتاب واحد، إنما محاولة لصهر رؤيتين مختلفتين في بوتقة سردية موحدة، تأتي مجموعة "نبض يخطئ الطريق" للكاتب حامد عبد الله حج محمد والكاتبة زهرة إيلياء لتشكل محاولة جادة في هذا السياق، حيث تمزج بين الوجع الفلسطيني والوجد الرومانسي في نسيج لغوي يتجاوز الأطر التقليدية للقصة القصيرة، إن هذه التجربة، التي تجمع بين أنا الكاتب وأنا الكاتبة، لا تكتفي باستكشاف عوالم العاطفة، بل تعيد صياغة مفهوم الحدث والزمان والمكان، محولة السرد من كونه نقلاً للواقع الخارجي إلى رحلة استبطانية في دهاليز الروح والذات.
يتركز الأمر هنا في هذا المقام على البحث عن الكتابة المشتركة في غير الرواية وأدب الرسائل، وحصرها في المجموعات القصصية المشتركة، ويبدو لي أن البحث في تاريخ الأدب عن مجموعات قصصية مشتركة يكشف عن ندرة هذا النوع من الإنجاز الإبداعي مقارنة بالأعمال الفردية، إلا أن النماذج الموجودة تحمل أهمية نقدية بالغة.
في الأدب العربي، يجد المرء تجربة لافتة في مجموعة "قوس قزح" التي اشترك في تأليفها كاتبان هما: الدكتور أحمد خالد توفيق والدكتور تامر إبراهيم، وصدرت عام 2005 عن دار ليلى للنشر والتوزيع، وتتألف المجموعة من سبع قصص قصيرة تحمل كل واحدة عنوان أحد ألوان قوس قزح، وترتكز على تيمات الرعب والغموض النفسي من خلال دلالات الألوان، وفي سياق مشابه في توحيد جنس الكاتب، اشتركت الكاتبتان إيناس حليم ولبنى غانم في مجموعة "أحبني لتعرف من أنا"، وصدرت عام 2010 عن دار المصرى للنشر والتوزيع، وتضم مجموعة من القصص القصيرة ذات المنحى الرومانسي والتجريبي، وتتناول المشاعر الإنسانية، وفلسطينياً أصدرت الكاتبتان أسيل ريدي وبيسان شتية كتاباً مشتركاً عام 2016 بعنوان "في قلب هذا الكتاب أعيش"، ويمثل الكتاب تجربة أدبية لفتاتين تسعيان للتعبير عن موهبتهما والكتابة عن تجاربهما الأدبية في الفيسبوك.
أما اشتراك كاتب وكاتبة، فتبرز مجموعة "دويتو" للكاتب هشام الخشن والكاتبة رشا سمير، صدرت عام 2013 عن الدار المصرية اللبنانية، وربّما هي التجربة الأدبية الأولى عربياً من هذا النوع في الكتابة المشتركة، وتنطلق قصص تلك المجموعة من قصة "أنا المدير" للكاتبة رشا سمير، ليتبعها الكاتب هشام الخشن بقصة "لدغة عصفورة"، وتضم المجموعة ست عشرة قصة لكل كاتب منهما ثماني قصص، وتقدم هذه التجربة رؤية ثنائية للعلاقة بين الرجل والمرأة، حيث كتبت رشا سمير من منظور أنثوي، وكتب هشام الخشن من منظور مغاير حول قضايا اجتماعية وعاطفية مشتركة.
وكنت قد توقفت سابقاً عند كتاب "لا مساس للحزن" وهو عمل أدبي مشترك يجمع بين الكاتبة الفلسطينية منال دراغمة والكاتب الأردني سامر المعاني، صدر عن دار الغاية للنشر، ويحتوي على نصوص نثرية وومضات شعرية وجدانية. (مجلة الليبي، عدد 21، سبتمبر 2020).
وعلى الصعيد العالمي فإن البحث عن مجموعات قصصية مشتركة بين كاتب وكاتبة في الأدب العالمي يكشف عن حالات نادرة ومثيرة للاهتمام، ومع ذلك، لا يعدم المرء أن يجد بعض النماذج ومنها على سبيل المثال هنري كوتنر وسي. إل. مور، وهما زوجان، ويُعد هذا الثنائي أشهر من كتب بشكل تعاوني في تاريخ الخيال العلمي والفانتازيا، كان تعاونهما وثيقاً لدرجة أنهما كانا يكملان جمل بعضهما البعض، ومن أعمالهما المشتركة مجموعةNo Boundaries" " (بلا حدود)، وتضم قصصاً قصيرة ونوفيلات، كتباها معاً، وتعدّ من كلاسيكيات الخيال العلمي.
وأحيانا يختار الكاتبان أن يكتبا أعمالهما المشتركة تحت اسم مستعار، ليظهر العمل وكأنه بقلم شخص واحد، وذلك لضمان انسيابية الأسلوب، ومن استخدم هذه الطريقة بالإضافة إلى هنري كوتنر وسي. إل. مور، اللذين استخدما اسم "لويس بادجيت"، إيلونا أندروز، حيث يستكنّ خلف هذا الاسم المستعار الثنائي إيلونا جوردن وزوجها أندرو جوردن، ومن مجموعاتهما المشتركة مجموعة "Small Magics" (عجائب صغيرة)، وتشتمل على قصص قصيرة مكتوبة بالكامل بجهد مشترك بينهما، حيث يضع أحدهما الهيكل العام، ويقوم الآخر بصياغة التفاصيل.
يتميز العمل المشترك بين الرجل والمرأة في القصة القصيرة بقدرته على تقديم (ديالوج) مستمر حتى في حالة غياب الحوار المباشر، وتذهب المجموعات القصصية إلى التكثيف والتركيز على اللحظة الشعورية الخاطفة، وإن نجاح هذه المجموعات يعتمد على مدى قدرة الكاتبين على إيجاد لغة وسيطة تذوب فيها الفوارق الأسلوبية الحادة لصالح الوحدة العضوية للعمل، وهو ما حاول الوصول إليه الكاتب حامد حج محمد والكاتبة- التي هي على الأرجح- ذات الاسم المستعار زهرة إيلياء في تجربتهما المشتركة في مجموعة "نبض لا يخطئ الطريق" القصصية.
تطرح مشاركة زهرة إيلياء تساؤلاً حول طبيعة الاسم المستعار وأثره في تلقي النص، إن لفظ إيلياء هو أحد الأسماء التاريخية لمدينة بيت المقدس، وكلمة إيلياء في جذورها العبرية والآرامية تعني بيت الله، إن اختيار الكاتبة لهذا اللقب تحديداً يحمل دلالة وطنية وروحية، فهو لا يحدد فقط هويتها الجغرافية كونها فلسطينية، بل يحول الأنا الكاتبة إلى رمز للمكان المقدس في مواجهة الاغتراب.
إن التواري خلف هذا الاسم يمنح الكاتبة حرية أكبر في صياغة لغة الوجد بعيداً عن القيود الاجتماعية المرتبطة بالأسماء الصريحة، خاصة في مجتمع ريفي محافظٍ؛ يعلي من شأن الانفصال التام بين الذكور والإناث منذ سنّ مبكرة، وتبدو الكاتبة شريكة حقيقية في صياغة الرؤية الكلية للمجموعة، وليست ضيف شرف دعائي أو استعراضيّ
ومن ناحية معنوية، يغدو هذا الاسم (زهرة) أكثر تعبيراً عن الرقة والجمال في أرض إيلياء الصخرية الوعرة سياسيا واجتماعياً، إذ يكتسب الاسم دلالات تتفق وموضوع القصص ومنحاها الرومانسيّ، وهذا التناقض بين رقة الزهرة وصلابة المكان هو ثيمة متكررة في قصص المجموعة.
تهيمن على المجموعة لغة شاعرية مكثفة، تجعل من الكلمة نبضاً، ومن الصورة عالماً، ويمكن تقسيم الحقل المعجمي في المجموعة إلى ثلاثة محاور أساسية، وهي معجم الحب والوجد، ومعجم الطبيعة وعناصرها، ومعجم الذات والداخل.
وفي الحقل الأول، تنتقل اللغة العاطفية في نصوص المجموعة من السكون إلى الانفجار، ويصف الكاتب في قصة "فراشة تطلق صافرة البداية" المشاعر بأنها كانت نائمة في سباتها العميق وهلامية بلا شكل، ثم تتحول مع اللقاء إلى خفقات سريعة وحرارة حب، ويتشكل هذا الحقل من مجموعة ألفاظ مركزية مثل "نبض، قبلة، خفقات، وجد، حنين، سكرات الحب، لوعة، اشتياق"، وبناء على هذا الازدحام اللفظي يتبين أن مفهوم الحب لم يكن يمثل علاقة عابرة في المجموعة، إنما ميلاد حقيقي وانتصار للذات.
وفي ألفاظ الحقل الثاني الخاص بالطبيعة، ظهرت في المجموعة بمثابة مرآة عاكسة للتحولات النفسية والوطنية، فلم تكن وصفاً جغرافياً صامتاً، بل كانت الطبيعة متكلمة ورامزة، وحضر منها على سبيل المثال: "فراشة، ربيع، بحر، شواطئ، بساتين، أزهار، بنفسج، صخر، لوتس، ليمون، رمان"، لتحمل دلالات سياقية فنية، فقد كانت الفراشة الرمز الأكثر تكراراً، لما تمثله من رقة وجمال، أما البحر فيمثل عمق المشاعر المجهولة، بينما يمثل الصخر والبنفسج ثنائية القسوة والجمال، وهو ما يلمسه القارئ في قصة "بنفسج الصخر المتمرد".
كما تغوص المجموعة في دهاليز الأرواح وتفتش عن الذات الضائعة في الحقل الدلالي الثالث، فألفاظ الذات تعكس حالة من الاغتراب والرغبة في العودة إلى الجوهر، فبرز منها ألفاظ مثل "أنا، روحي، ذاتي، أعماق، دهاليز، سراديب، وجداني، وعيي، كينونتي"، ويقدّم هذا الحقل فلسفة سردية تقوم على أن الكتابة محاولة للعودة إلى الذات التي ضاعت في ازدحام العالم، وهو اقتباس من جبران خليل جبران من كتابه "الأجنحة المتكسرة" يتصدر المجموعة ليكون بوصلة للقارئ.
يختبر الكاتبان في هذه المجموعة تجربة القص الوجداني أو السرد الذاتي الذي يطيح بالعناصر التقليدية للقصة القصيرة من حدث، وعقدة، وحل، وزمان ومكان؛ ليحل محلها سرد الحالة الشعورية المتوهجة، فقد غاب الزمان والمكان في قصص مثل "بين فراشتين" و"صراع في دنيا الوهم"، فقد غاب الزمن التقويمي الجاف غياباً تاماً،إن الزمان هنا هو زمن نفسي، أو هو الفراغ السرمدي، أو السبات العميق، أو لحظة الرؤية الأولى.
أما المكان، فهو مكان شعوري؛ فتعابير مثل "شواطئي الخاصة، قاع بحر بعيد، بساتيني" أمكنة لا توجد على الخارطة بل وجودها كائن في الوجدان، إلا أن هناك استثناء واقعياً يبرز في قصة "عائد من العمل" كنموذج مختلف، حيث يتم تحديد المكان (الرام، رام الله، حوارة، جبع، نابلس) والزمان (ديسمبر)، وذلك لخدمة الهدف التوثيقي لمعاناة العامل الفلسطيني أمام حواجز الاحتلال البغيض.
كما أن المجموعة تشهد غياب الشخوص والحدث التقليدي، فالشخصيات في معظم القصص هي شخصيات هلامية أو رمزية، ولا يجد القارئ ملامح جسدية أو وظائف اجتماعية محددة، بل يجد أنا السارد وأنا المحبوب، لتصور المحبوبة كفراشة أو ملاك أو ظبية، مما يحول الحدث من صراع مادي إلى صراع وجداني وكشف شعوري، وسرد لغوي ذاتيّ، إن الحدث في "نبض يخطئ الطريق" ليس سلسلة من الأفعال، بل هو نبضة أو نظرة أو كلمة قادرة على قلب الموازين.
تعد المجموعة دويتو أدبياً يندمج فيه صوت الكاتب وصوت الكاتبة، يشبه الأعمال الغنائية العاطفية التي يشترك فيها فنان وفنانة، ليشكلا معاً لغة واحدة في انسيابها واندماجها، ويظهر هذا الاندماج في استخدام مفردات الطبيعة والوجد التي يشترك فيها الطرفان، فلغة المجموعة بشكل عام لغة هامسة تميل إلى القِصَر والتكثيف، وتستخدم نحن الجمع في الإهداء والمقدمة لتعبر عن وحدة الرؤية تجاه الفقد والحنين والوجع الوطني.
لم يحدد الكاتبان في المجموعة من صاحب كل نصّ، وإنما اعتماداً على بعض التحليل الأسلوبي ربما يساعد على الكشف عن لغة كل منهما وطبيعتها، فعلى الرغم من ذلك الملمح اللغوي الصاهر للسرد المشار إليه أعلاه، فإن لغة الكاتب تميل إلى استخدام صور مستمدة من الواقع الحركي والدرامي، فيوجد لديه تشبيهات مثل صافرة بداية الحب وانطلاق مباراة كرة قدم، وهي استعارات تميل إلى العنفوان والحركة، كما يبرز لديه الوعي بالواقع الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال المزمن كعامل معيق للمشاعر.
في حين يميل سرد الكاتبة زهرة إيلياء إلى الاستبطان النفسي، وتظهر لغتها أكثر رقة في وصف دهاليز الروح والبحث عمن تاهت سبلهم، وتميل نصوصها إلى الحيـرة بين ما تريد وما لا تريد، وتستخدم رموزاً مثل زهور اللوتس وزهرة الساكسفراجا لتعبر عن تمرد الأنثى وقدرتها على كسر الصخر.
وعلى أية حال، تتميز لغة المجموعة بالسلاسة، فهي لغة واضحة الألفاظ عميقة الدلالات، ويبتعد الكاتبان عن التعقيد اللغوي المصطنع لصالح صدق العبارة، وينساب السرد من خلال جمل قصيرة مشحونة بالصور البيانية، مما يجعل الأفكار تتدفق بسلاسة من حالة إلى أخرى، وعلى الرغم من طابع الوجد والرومانسية، إلا أن الأفكار القصصية تظل واضحة؛ فهناك محور البحث عن الذات، ومحور تأثر العاطفة بالاحتلال، ومحور تمرد المرأة، هذا الوضوح يمنع النص من الانزلاق إلى الغموض المبهم كما هو معهود اللغة الرومانسية التقليدية، وبالتالي يظل النصّ قريباً من وجدان القارئ وتصوّره الذهنيّ.
تجلت هذه الأفكار المشتركة، لتجد لها تجسيدا على الغلاف، إذ يعد الغلاف هُوية بصرية تختزل مضمون الكتاب وتؤكد طبيعة التأليف المشترك، بدءا من الشخصيتين اللتين تعبران عن حالة الحب بين الرجل والمرأة، وبين التأليف المشترك بين كاتب وكاتبة، إذ يظهر رجل وامرأة يقفان بوضعية الظهر للظهر، لكنّ يديهما متلاصقتان، مما يعبر عن التجربة الثنائية التي تجمع بين الكاتب والكاتبة، إن الوقوف المتعاكس يرمز إلى التباين في وجهات النظر أو مواطن التمايز، بينما تلاصق الأيدي يرمز إلى اندماج اللغتين والارتباط الوجداني والكتابة المشتركة، فاليد هي آلة الكتابة الفعالة، وثمة عنصر آخر مهم، إذ تبدو الوردة الذابلة التي يحملانها سويّة تميل إلى الذبول منسجماً مع عنوان "نبض يخطئ الطريق"، حيث الحب محاط بالخيبة أو الوجع أو النهايات المفتوحة على الوهم.
أما حضور رسم قبة الصخرة في أعلى الرسم فإنه يربط بين الحب والوطن، ويؤكد هوية زهرة إيلياء ومركزية القدس في وعي الكاتبين، وربما يشير إلى ما هو أبعد من ذلك حيث قدسية الرمز تفرض نوعاً من قدسية الحبّ بين طرفي العلاقة، هذه العلاقة التي ظلت روحية، ولم يقاربا الفعل الجسدي، ولم يقتربا منه سردياً أبداً، ما يجعل القصص تعيش في واقع مثاليّ جداً تفقد فيه شيئاً من واقعيتها.
في حين يجد العنوان "نبض يخطئ الطريق" صداه البصري في الطرق الملتوية التي تظهر في الغلاف التي ترمز إلى التيه والضياع ودهاليز الروح التي تتحدث عنها القصص، إضافة إلى أن الغلاف يحافظ على ملامح الرومانسية من خلال الألوان فتسيطر الألوان الدافئة (الأصفر، البرتقالي، البني الفاتح) فتعكس أجواء الرومانسية والوجد، ويمنح اللون الأصفر الذهبي للقبة شعوراً بالقدسية والأمل وسط رتابة الأيام الرمادية.
تعد هذه المجموعة القصصية تجربة إبداعية ومحاولة من أجل تقديم دويتو سردي يمزج بين الذاتي والوطني، وبين لغة الرجل ولغة المرأة، وإنّ تجاوز الكاتبين للأطر التقليدية للقصة القصيرة كان ضرورة تفرضها طبيعة التوجّه الوجداني اللغوي الذي يحاول الكاتبان رصده في عالم يضج بالصخب والاحتلال.
إن المجموعة، من خلال استقصائها لألفاظ الحب والطبيعة والذات، تؤكد أن الكتابة هي الفعل الوحيد القادر على ترميم الأرواح الممزقة، ويبقى التحدي القادم لمثل هذه التجارب هو في مدى قدرتها على التوسع في اندماج الأصوات الكاتبة، بحيث لا يمكن تجزئة تلك الأصوات، وهو ما قدّم فيه الكاتبان تجربتهما الإبداعية، وسيظل رهان نجاح هذه التجربة معتمداً على التوافق التام بين الرؤى المشتركة المتحركة بين دفتي أي عمل أدبي مشترك، سواء آشترك فيه كاتبان من جنس واحد أم كاتب وكاتبة.
منشورات الحدث، حزيران، 2026، العدد 195



