من كتاب "القـراءة في السياق المدرسي"، سيصدر قريباً:
فلسفة الـقراءة وفعل التحرر

فراس حج محمد| فلسطين
تتجاوز القراءة في كينونتها الجوهرية داخل المحيط التربوي حدود العملية التقنية المختزلة في فك شيفرات الحروف أو الاستيعاب السطحي للمتون الدراسية الصماء؛ إذ إنها تمثل، في المنظور الفلسفي والتربوي المعاصر، تجربة ذات أهمية خاصة تعيد تشكيل وعي الفرد وصياغة وشائج علاقته بالعالم، إن التحول النوعي من القراءة الآلية إلى القراءة كفعل وجودي لا يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية قصوى تهدف إلى بناء الفاعلية التاريخية للمتعلم، ونقله من ركود التلقي السلبي الذي يكتفي فيه الدماغ بامتصاص المعلومات كوعاء ساكن إلى حيوية الذات الفاعلة التي تدرك دورها في صنع التاريخ وتوجيه مسارات الوعي الإنساني.
وتتجلى هذه الفلسفة من خلال مفهوم الصيرورة الدائمة، حيث لا يُنظر إلى القراءة بوصفها محطة نهائية، بل كفعل مستمر لا يتوقف عند حدود النص، في هذه الصيرورة، يتقاطع الماضي الذي يمثله التراث المكتوب والذاكرة الجمعية، مع الحاضر الذي يجسده فعل القراءة الآني بكل تجلياته النقدية، ليمتد الأثر نحو المستقبل عبر بناء معرفة ووجدان مستدامين، إن القارئ هنا لا يستهلك معلومة، بل يوجد ذاته في مواجهة النص والآخر، محققاً بذلك التجاوز المطلوب للمعطيات البيولوجية والاجتماعية الجامدة عبر وسيط الكلمة.
إنني إذ أستحضر المقولة الوجودية "الوجود يسبق الماهية"، فإنني أسقطها على سياق القراءة المدرسية لأجد أن الطالب لا يدخل الغرفة الصفية كوعاء فارغ يُملأ بخصائص وأيديولوجيات محددة سلفاً، بل هو مشروع كائن يبني ماهيته وفكره من خلال الاشتباك النشط مع النصوص، لتصبح القراءة في هذا السياق عملية خلق مستمرة للذات، حيث تمنح المدرسة الطالب مساحة للحرية المسؤولة التي تتيح له تقرير مصيره الفكري بعيداً عن الوصاية الأبوية أو السلطوية.
وبالاستناد إلى أطروحات (باولو فريري*)، فإن قراءة العالم يجب أن تسبق وتلازم قراءة الكلمة. فالتعليم الذي يقتصر على سرد المعلم وحفظ الطلبة يكرس حالة من التدجين الفكري التي تسلب الإنسان إرادته، إن الانتقال من هذا التدجين إلى الوعي الناقد يتطلب بيداغوجيا تطرح المشكلات وتدفع الطالب للبحث عن حلول عبر التحليل والتقصي، إن القراءة بهذا المعنى تتحول إلى أداة لفهم البنى الواقعية، وفعل نضالي يهدف إلى تفكيك الخطابات المهيمنة وإعادة صياغة الواقع برؤية تحررية، هذه الفلسفة الوجودية لا تستقيم إلا بإعادة تعريف جذرية للأدوار داخل المؤسسة التعليمية، حيث يصبح فعل القراءة هو العصب الحيّ الذي يربط المعلم بالطالب في رحلة البحث عن المعنى المشترك.
في ضوء المقولة التربوية المركزية "كل معلم هو معلم قراءة"، ينبغي أن يتحطم القالب التقليدي للمعلم بصفته ناقلاً للمعلومة ليحل محله مفهوم "المثقف النبيّ"*، هذا الدور الجديد يفرض على المعلم، أياً كان تخصصه الأكاديمي، أن يكون حارساً لليقظة الفكرية، وميسراً لسبل الوصول إلى المعرفة، ومحفزاً للطلاب على التشكيك في الأفكار السائدة والثوابت التي تعيق الانطلاق نحو التفكير المتجاوز.
إن المعلم بصفته مثقفاً تغييرياً لا يبيع المعرفة كبضاعة جاهزة، بل يفتح آفاق التساؤل حولها. ولتحقيق ذلك، يجب تحويل الحصة الصفية من مكان للتلقين إلى مختبر للتفكير المتجاوز، حيث يكون الهدف الأسمى هو إنتاج الأسئلة بدلاً من توزيع الإجابات النموذجية، في هذا المختبر، تصبح الدهشة المعرفية المحرك الأساسي للتعلم، ويتحول المعلم إلى شريك في رحلة الاكتشاف، يجسد أمام طلابه قيم النقد والتحليل، ويكون هو نفسه نموذجاً للقارئ الشغوف الذي لا يكتفي بظواهر النصوص، كما أنهما سيعملان معاً ليمتدّ أثر التعليم إلى خارج أسوار المدرسة.
وتبرز هنا ضرورة إرساء قواعد الحوار الأفقي بين المعلم والطالب كأداة لإنتاج المعنى وتحقيق التعليم التحرري، إن الحوار الأفقي يعني الاعتراف بأن الطالب ذاتٌ فاعلة ومبدعة، وليس شيئاً يتم تشكيله وفق مقاسات تربوية جاهزة، هذا الحوار يحطم الهرمية السلطوية التقليدية ويفتح آفاقاً للخيال النقدي، حيث تذوب الفوارق الطبقية والمعرفية أمام قدسية البحث عن الحقيقة. إن المعلم الذي يمارس هذا الحوار يدرك أن وظيفته ليست ملء الرؤوس بالودائع الفكرية، بل استثارة العقول لتوليد أفكار جديدة، ليكون قادرا بالشراكة معهم على بناء نماذج متعددة لمثقفي الحياة الاجتماعية والسياسية الذين يقاومون كل أنواع الفساد السلطوي في كل مفاصل حياتهم التي سيندمجون فيها.
إن هذا التحول الجذري في دور المعلم، والانتقال من السلطوية إلى التشاركية الحوارية، يستدعي بالضرورة وجود فضاء مادي يدعم هذه التوجهات التحررية، فالمعلم، مهما بلغت قدرته على التغيير أو الدفع الجاد نحو التغيير، يحتاج إلى بيئة حاضنة تخرج الطالب من ضيق الغرفة الصفية إلى رحابة البحث الحر، وهنا تبرز المكتبة المدرسية كعنصر مكمل واستراتيجي في المنظومة التربوية، بوصفها الفضاء الذي تتحقق فيه استقلالية المتعلم بشكل كامل.
تمثل المكتبة المدرسية في الفلسفة التربوية المكان الثالث؛ ذلك الفضاء الذي يقع في المنطقة الوسطى بين ضغوط الالتزامات المنزلية والقيود الأكاديمية الصارمة للغرفة الصفية. إنها ليست مخزناً للكتب أو مرفقاً تكميلياً، بل الشريان الحيوي للعملية التربوية، والفضاء الذي تمارس فيه السيادة الكاملة للطالب على اختياراته المعرفية، ففي المكتبة، يتحرر الطالب من سطوة التقييم الكمي المتمثل في العلامات، ليمارس الحرية المسؤولة في البحث والتقصي، مما ينمي لديه روح الاستقلال وبناء الشخصية في أبعادها المعرفية والوجدانية والمهارية.
وتتجلى وظيفة المكتبة كمساحة لتحقيق العدالة المعرفية، حيث تعمل كمنطقة آمنة للطلاب المهمشين الذين قد يفتقرون في بيئاتهم الخاصة إلى المصادر الورقية أو الرقمية، إن توفير المساواة في الوصول إلى مصادر المعلومات الموثوقة هو فعل يمثل شكلاً من أشكال إتاحة تجسيد الإرادة الحرة وممارستها بامتياز، ويساهم في كسر الجمود الفكري، ويرسخ مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية. فبينما يقدم الكتاب المقرر مفاتيح العلوم والأساسيات المنهجية، تأتي المكتبة لتشبع النهم المعرفي للمتعلم، وتدربه على التفكير العلمي السليم القائم على المقارنة والتحليل والتمييز بين الغث والثمين في ركام المعلومات المتدفق.
إن تفعيل المكتبة كمركز للمصادر التعليمية يساهم في صياغة رأس المال الثقافي للمجتمع المدرسي، حيث يتحول الطالب من مستهلك لما يملى عليه في المنهاج إلى باحث نشط يبحث عن ضالته المعرفية بجد واجتهاد، إنها الفضاء الذي تذوب فيه الفوارق الاقتصادية، وتصبح فيه المعرفة حقاً مشاعاً للجميع، مما يعزز قيم المواطنة والمسؤولية الجماعية تجاه الثقافة.
هذه البيئة المنتجة التي توفرها المكتبة بكتبها ورفوفها، تجد صدىً حركياً وديناميكياً في الأنشطة المدرسية الموازية؛ فالطالب الذي يختلي بالنص في ركن المكتبة، يحتاج إلى منصة يعبر فيها عما استوعبه، وهنا تتكامل المكتبة مع الإذاعة والمعارض العلمية والفنية والندوات، لتحويل المعرفة المكتسبة من تجربة فردية صامتة إلى فعل تواصل اجتماعي ملموس يساهم في صناعة الشخصية الفاعلة.
تكتمل حلقة الفعل القرائي وتنتقل من حيز التفكير إلى حيز التأثير من خلال الأنشطة المدرسية التكاملية كالإذاعة، والمعارض، والندوات الثقافية، هذه الأنشطة ليست ترفيهاً مدرسياً، بل مختبرات لصناعة الشخصية القادرة على التعبير عن ذاتها وبناء جسور التواصل مع المجتمع، إنها تحول النص المكتوب من كلمات ميتة على الورق إلى فعل حي وتفاعل إنساني خلاق.
تعتبر الإذاعة المدرسية، في هذا السياق، المنصة الأولى لبناء الثقة بالنفس والقضاء على نوازع الخجل والانطواء، فعندما يُمنح الطالب حرية الاختيار للمادة التي يقدمها، بعيداً عن القوالب الجاهزة والروتين الممل، فإنه يبدأ في ممارسة حقه في الخطابة والتعبير، وتنمو لديه القدرة على الحديث بجرأة ولباقة أمام الجمهور، إن الإذاعة الناجحة هي التي تعكس نتاج القراءات الحرة للطلاب، وتجعل من صوتهم صوتاً للمجتمع المدرسي برمته.
أما المعارض التربوية، فهي تمثل خلاصة لعمليات التفكير المعقدة، إن قدرة الطالب على تحويل نص أدبي رفيع أو معلومة جغرافية جافة إلى مجسم فني، أو لوحة تعبيرية، أو وسيلة تعليمية مبتكرة، فإن ذلك يجسّد ذروة الفهم القرائي والتمثل المعرفي. وهنا تبرز أهمية ربط هذه الأنشطة بنظرية الذكاءات المتعددة؛ فالمعارض تفتح باب العدالة المعرفية للطلاب الذين يمتلكون ذكاءات بصرية أو حركية أو فنية، وتوفر لهم جسراً للتميز قد لا يجدونه في الاختبارات التحصيلية التقليدية، وإن تحويل النص إلى مادة بصرية أو مجسم يربط التعليم بسياقات حياتية واقعية، مما يجعل المعرفة ذات معنى وأثر باقٍ.
إن هذه الأنشطة تخرج الطالب من حالة الانكفاء على الذات إلى حالة الفاعل النشط في إنتاج المعنى الثقافي، إنها تدربه على القيادة، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، وهذه الشخصية القوية والمتماسكة التي تبنيها الأنشطة والقراءة الحرة هي الضمانة الوحيدة للصمود في وجه التحديات الوجودية والسياسية الكبرى التي يفرضها الواقع، خاصة في سياق نضالي يتطلب من الفرد أن يكون مثقفاً ومقاوماً في آن واحد.
في فلسطين، لا يمكن اختزال القراءة في وظيفتها التعليمية البحتة، إنها اشتباك سياسي بامتياز وأداة نضالية وجودية لمواجهة محاولات الطمس الممنهج للهوية والذاكرة الجمعية، فقد تحول التعليم تحت وطأة الاحتلال إلى ساحة صراع على الوعي، حيث يصبح الفعل القرائي إعلاناً عن شرعية الحياة وإصراراً على الوجود في مواجهة آلة التغييب الثقافي والمادي الذي وصل إلى أعلى درجاته حيث أفعال الإبادة الجماعية.
وتتجلى فلسفة الصمود في إصرار المنظومة التعليمية الفلسطينية على ممارسة الفعل القرائي والكتابي رغم تدمير المدارس والجامعات، واستهداف الأكاديميين والمثقفين، فلا ينبغي أن يُنظر إلى هذا الصمود أنه بقاء بيولوجي وحسب، بل إنه استبسال معرفي يرفض التجهيل، فالقراءة هنا تهدف إلى دحض الروايات المهيمنة الكاذبة التي يحاول الاحتلال فرضها*، وتزويد الأجيال الشابة بالقدرة على صياغة السردية الوطنية الخاصة بهم بوضوح وقوة أمام الضمير العالمي، فالنصوص الأدبية والتاريخية في مدارسنا تعمل كدروع تحمي العقل من التدجين والاستلاب الثقافي، ويجب أن يدرك المسؤول السياسي والتربوي أهمية هذه المسألة عند بنائه للمناهج الدراسية، فلا ينساق وراء متطلبات الممول الأجنبي في التغيير والتبديل لتتوافق وأوهام التطبيع التربوي، طمعاً في تزييف وعي الأجيال القادمة.
بيد أن الطالب الفلسطيني يعيش حالة حادة من الانفصام التربوي؛ وهي الفجوة الصارخة بين ما يقرأه في نصوص حقوق الإنسان والمواطنة والقانون الدولي الواردة في بعض المقررات الدراسية، وبين الواقع المرير الذي يعيشه يومياً من حواجز عسكرية، واغتيالات ميدانية، وتدمير ممنهج للبيوت، والاستيلاء على الممتلكات، وهنا تبرز الوظيفة الفلسفية للقراءة في ترميم الهوية؛ إذ تساعد القراءة الواعية الطالب على فهم هذا التناقض الصارخ، وبناء موقف أخلاقي صلب يمنحه القدرة على تحويل مشاعر الغضب والإحباط واليأس إلى طاقة إبداعية وفعل نضالي مثقف، وربما ساعدته أكثر في المستقبل ليكون سداً منيعاً في وجه محاولات التغريب، ويعمل بالقوة على منعها ومواجهتها.
إن القراءة في هذا السياق هي التي تمنح الفلسطينيين شرعية الوجود الفكري، وهي الجسر الذي يربطهم بأمتهم العربية والإسلامية، ويعزز من انتمائهم الإنساني، لكنّ هذا النضال المعرفي لا يكتمل بصورته الفكرية الجافة بل يحتاج إلى المقاومة بالجمال؛ أي التربية الوجدانية التي تحافظ على إنسانية الفلسطيني ورهافة أحاسيسه في وجه قبح الاحتلال، وهو ما يقودنا إلى أهمية التربية الجمالية في المناهج.
إن التركيز المفرط على الجوانب العقلية المنطقية والمهاراتية التقنية في المناهج أدى تاريخياً إلى إهمال تربية القلب، مما خلق فجوة في البناء العاطفي للناشئة، ولذلك تبرز الحاجة الماسة لدمج النصوص الجمالية والوجدانية، بوصفها ضرورة تربوية استراتيجية لتهذيب أحاسيس الطلاب ومواجهة نزعات التزمت والانغلاق.
إنني أفند بكل ما أوتيت من حجة كل المبررات التي تقصي الشعر الوجداني المرهف من المناهج بدواعي الحياء المصطنع أو التزمت الاجتماعي؛ فهذا الإقصاء يمثل كارثة تربوية، لأنه يحرم الطالب من المحتوى التعليمي الأقرب لنوازعه الفطرية في مرحلة المراهقة، ويدفعه للبحث عن بدائل مشوهة وخالية من القيمة الفنية والأخلاقية خارج أسوار المدرسة، فالنص الجمالي الرفيع، بشاعريته وصدقه، هو الكفيل بصنع التوازن الضروري بين العقل والقلب، وهو المختبر الحقيقي لتدريب الطلاب على فهم ذواتهم ومشاعرهم وتوجيهها نحو السمو الإنساني والأخلاقي.
يعمل النص الجمالي كمرآة للروح، تتيح للطالب اكتشاف عوالم الحب والخير والجمال، وتدربه على احترام الآخر وتقديس الشراكة الإنسانية، إن قراءة الشعر الوجداني الراقي تساهم في تهذيب فورة الحب والشهوة لدى الشباب وتحويلها إلى تقدير للجمال واحترام للمرأة كشريكة وجودية لا كموضوع للاستهلاك، إنها أشبه بصلاة فكرية تعيد الاعتبار للإنسان في كليته، وتحول عملية التعلم من واجب ثقيل إلى تجربة ممتعة وشغوفة.
علاوة على ذلك، تساهم القراءة الجمالية في تحويل طاقات الغضب والإحباط الناجمة عن الواقع السياسي الصعب إلى طاقة إبداعية، فالمواطن الذي يمتلك ذائقة جمالية هو مواطن أكثر قدرة على العطاء، وأكثر تمسكاً بالحياة، وأكثر وعياً بقيم الحق والخير والجمال بوصفها قيما تعني وتساوي القيمة الإنسانية العليا ألا وهي الحرية، إن هذا البناء الوجداني الرصين هو ما يحمي الفرد من التشتت في العصر الرقمي، حيث السيولة المعلوماتية تهدد بتسطيح العواطف والأفكار على حد سواء.
يواجه الفعل القرائي في العصر الراهن تحدي الرقمنة المعرفية، وهو ما يفرض علينا بناء أبستمولوجيا مدرسية جديدة تميز بصرامة بين تدفق المعلومات وبين بناء المعرفة، إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد الأجيال الجديدة ليس في نقص المعلومات، بل في سطحيّتها؛ حيث تؤدي السيولة المعلوماتية الرقمية إلى تآكل القدرة على التركيز والتحليل النقدي، وهو ما يمكن تسميته تآكل الصبر القرائي.
لذا، تبرز الضرورة الاستراتيجية لتدريب الطلاب على القراءة السابرة؛ وهي القراءة التأملية السابرة التي تتجاوز العناوين البراقة لتغوص في المتون، وتفكك الخطابات المبطنة، إن دور المدرسة اليوم هو أن تكون درعاً إدراكياً يحمي دماغ الطالب من التشتت الناتج عن الخوارزميات التي تسعى لنمذجة وعيه وتدجينه رقمياً، ويجب تعليم الطالب كيف يفكّك شيفرات الخوارزميات وينقد المحتوى الرقمي، ليعرف متى يكون هو المستخدم للمعلومة، ومتى يكون هو المادة التي تستخدمها الشركات الكبرى، وبهذه الآلية الفعّالة يتبين المعنى المأمول لفعل التعليم بشكل عام، وكيفية استخدام أداواته ومنها القراءة.
إن التكنولوجيا، إذا ما استندت إلى فلسفة التعلم الذاتي والفكر الناقد، يمكن أن تكون نافذة عظيمة للتنوع الثقافي العالمي بدلاً من أن تكون أداة جديدة للتدجين الفكري، وإن استعادة هيبة الكتاب سواء أكان ورقياً أم إلكترونياً تكمن في قدرته على تحفيز السؤال وتوليد المعرفة الجديدة، لا في تخزين البيانات الصماء، إن المدرسة مدعوة لاستخدام الأدوات الرقمية لتعزيز الحوار التفاعلي والانفتاح على الآخر، مع الحفاظ على القراءة كفعل تأملي ينمي العقلية العلمية المنظمة.
هذه التحديات الرقمية تستدعي تقييماً نقدياً للمبادرات القرائية القائمة؛ فهل تخدم هذه المبادرات القراءة السابرة وبناء المعرفة الحقيقية، أم أنها تقع في فخ التراكم الكمي والسطحية التي يغذيها العصر الرقمي؟
على الرغم من انتشار المبادرات القرائية في الساحة التربوية، إلا أن الوقفة النقدية تكشف عن فجوة فلسفية كبيرة تتطلب تصويباً عاجلاً، إن المسابقات التي تركز بشكل مفرط على الكم مثل مسابقة تحدي القراءة العربي في بعض تجلياته، قد تسقط في فخ التربية البنكية الذي حذر منه باولو فريري؛ حيث يتحول الطالب إلى مودع للأفكار أو حافظ لملخصات الكتب من أجل الفوز باللقب، دون أن تُحدث هذه القراءات تحولاً حقيقياً في بنيته الذهنية أو وعيه القيمي، إن تخزين الكتب في الذاكرة لا يعني قراءتها، وما تتطلبه هذه القراءة من الهضم المعرفي، فهي إذاً ليست القراءة المقصودة في معناها الحقيقي الذي يطمح هذا الكتاب إلى شرحه وترويجه، ومن ثَمّ ترسيخه في مجتمع المدرسة، وفي المجتمع بشكل أعمّ.
في مقابل ذلك، تبرز تجربة جمعية "الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل"* كنموذج وطني ملهم للعمل التطوعي الذي يرفض التمويل المشروط وأجندات التدجين الثقافي، وإن استناد هذه الجمعية إلى التمويل الوطني مكنها من تنفيذ نشاطات أدبية وإرشادية ترتكز على فلسفة بناء جيل واعٍ بالأبعاد التاريخية والوطنية لفلسطين، إنها تحول الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى فاعل في إنتاج المعنى من خلال الكتابة الإبداعية والرسم والأنشطة التفاعلية الأخرى وإقامة المخيمات الصيفية والمشاركة في معارض الكتب المدرسية، كل ذلك يساهم بلا أدنى شكّ في تحقيق التنمية الثقافية المستدامة.
إن النقد الموجه للمبادرات الرسمية يهدف إلى الانتقال بها من الاستعراض الكمي إلى الجودة الكيفية، فلا يهم العاملين في الميدان التربوي عدد الكتب التي قرأها الطالب بقدر ما يهمهم الأثر الوجودي لتلك الكتب على سلوك الطالب، وتفكيره، وانتمائه، وإن التكامل بين وزارة التربية والتعليم وبين العمل التطوعي الوطني هو الضمانة الوحيدة لرعاية المواهب الحقيقية بعيداً عن صخب المسابقات الموسمية، وهو الطريق لضمان أن تكون القراءة فعلاً بنيوياً لا ينقطع يغير وجه المجتمع.
إن هذه الرؤية النقدية تقود المرء إلى صياغة الاستنتاجات الختامية التي تجمع كل هذه المحاور في استراتيجية شاملة تهدف إلى بناء مجتمع قارئ وحر.
وتتويجاً لما تقدّم ذكره من تحليل، تبرز الضرورة القصوى لتبني استراتيجية وطنية شاملة تنقل القراءة من حيز الواجب المدرسي الثقيل إلى حيز الشغف الوجودي المستمر، وإن بناء مجتمع قارئ يتطلب تكاتفاً عضوياً بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، ضمن رؤية ترى في القراءة أداة للتحرر وبناء الحضارة، وتتمركز هذه الاستراتيجية حول المحاور الآتية:
1. إعادة الاعتبار للمعلم والمكتبة: اعتبار المعلم قائداً فكرياً ومثقفاً حقيقياً، والمكتبة مركزاً للإبداع والفضاء الثالث للحرية، وتوفير الموارد اللازمة لتحويل المدارس إلى بيئات محفزة للبحث والتقصي.
2. الفن السقراطي في التوليد: تبني منهج التوليد السقراطي في حلقات القراءة؛ حيث تعدّ الطريقة السقراطية أداة فعّالة للتفكير النقدي، وتعزّز هذه الطريقة من منهجية الاستقصاء والتواضع الفكري والاستعداد للاعتراف بالجهل، مما يفضي إلى مزيد من التعلّم والفهم، إضافة إلى ذلك، تشجّع هذه الطريقة على اتخاذ القرارات بناء على الأدلة والنظر في وجهات النظر البديلة. لذا، تشكّل الطريقة السقراطية أداة مهمة لكل من يسعى إلى تطوير مهاراته في التفكير النقدي والمشاركة في حوار بنّاء.
3. توطين المبادرات: دعم العمل التطوعي الوطني، وضمان استقلالية الفعل الثقافي عن أي أجندات خارجية أو تجاذبات حزبية قد تسعى لتزييف الوعي الفلسطيني أو تقييد حرية التفكير.
4. التكامل الوجداني والمعرفي: دمج النصوص الجمالية مع النصوص العلمية والنقدية لبناء إنسان متوازن، يمتلك صلابة العقل ورهافة القلب، ويؤمن بقيم الحق والخير والجمال والحرية.
ليست القراءة في السياق المدرسي في فلسطين ترفاً معرفياً، بل معجزة للتواصل؛ تكسر عزلتنا، والجسر الذي ينقلنا من ضيق الواقع الرازح تحت وطأة الاحتلال والجهل إلى رحابة الاستشراف المبدع للمستقبل، إنها الفعل الذي يعلن شرعية فكرنا ووجودنا بوصفنا شعباً له تاريخ عريق، يطمح ليكون له مستقبل زاهر؛ فمن يقرأ يمتلك القدرة على الطيـران في عوالم مختلفة وتجاوز جدران الزنازين والحواجز، ومن يمتلك ناصية الكتابة يمتلك القدرة على تدوين التاريخ والمشاركة في صناعته.
إن القراءة هي "بيداغوجيا الأمل"* بوصف هذه البيداغوجيا فلسفة تعليمية تحويلية ترى في التعليم فعل حب وتضامن، وأداة ثورية تمنح الإنسان الوعي والشجاعة للحلم بمستقبل أفضل، والعمل الجماعي من أجل تحقيقه، إنها ببساطة التعليم من أجل الحرية والكرامة الإنسانية التي تؤمن بأن الإنسان القارئ هو إنسان لا يمكن استعباده، وأنه بالكلمة الحرة الواعية، نستطيع أن نبني صرح الحرية القادمة بإذن الله.
<!--[endif]-->
* معلم برازيلي وصاحب نظريات ذات تأثير كبير في مجال التعليم، من أهم كتبه: التعليم ممارسة للحرية، وتعليم المقهورين. (الويكيبيديا).
* يعدّ المعلم الصورة الأبهى لعمل المثقف الساعي إلى التغيير، ولذلك فهو يمثل "المثقف الحقيقي" كما طرحتها في كتابي "المثقف في صورة نبي".
* في هذا السياق، من اللافت للنظر أن حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة أنتجت مجموعة كبيرة من المؤلفات السردية والشعرية والبحثية التي كتب وطبع كثير منها خلال الحرب، وكلها تؤكد مبدأ المقاومة بالكتابة أولا ثم بالقراءة والتفاعل ثانياُ.
* كان مقر الجمعية بلدة بيتونيا/ رام الله، متخصصة بالعمل مع الأطفال في المدارس، وكانت تُصدر مجلتين هما: الزيزفونة والزيزفونة الصغيرة، وتنفذ الكثير من المشروعات الحاثة على القراءة في المدارس. حلت الجمعية نفسها وأنهت عملها على إثر التعثر المالي، وأصبح من غير الممكن ممارستها لعملها لعدم توفر الإمكانيات المادية المطلوبة.
* اسم كتاب لـ (باولو فريري).
من منـشورات صحيفة الحدث، فلسطين، العدد 194، أيار 2026



