فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

authentication required

مباركة بفوزها بجائزة محمد عياش ملحم:

في حضرة صفاء أبو خضرة

فراس حج محمد| فلسطين

أعلنت رابطة الكتاب الأردنيين أمس؛ 31 آذار 2026 عن الفائزين بجوائزها بحقل الأدب والدراسات، وكم سعدتُ بنبأ فوز الروائية والكاتبة صفاء أبو خضرة بـجائزة الراحل محمد عياش ملحم في مجال سرديات المقاومة في فلسطين، في حقل الأدب، عن روايتها "اليركون"، هذه الرواية التي استطاعت أن تلفت أنظار النقاد والكتّاب، فتلقوها بالقبول والاحتفاء اللازمين، فتناولوها بالتفكيك والتحليل، والحوار، وكان لي وقفة تحليلية مع الرواية والروائية ضمن كتابي المعدّ للنشر "ملامح من السرد المعاصر- أصوات روائية".

تعود علاقتي بالكاتبة إلى أكثر من ستّ سنوات، عندما أصبحنا أصدقاء في العالم الافتراضي، يقرأ أحدنا للآخر، وكنت معجباً بأسلوبها السلس الذي تصنعه بخبرة نسّاجٍ يعرف موقع كل حرف وكلمة في معماره الفني. عرفت خلال ذلك أنها ذات أصول فلسطينية، وحدثتني عن الجريشة وجدتها التي طال عمرها، ولم تفقد الذاكرة قبل أن تكتب قصتها في رواية اليركون.

تمتاز صفاء بأنها تلتقط الحكايات والأفكار، لتصنع رواية، إنها تظلّ مهمومة للبحث عن فكرة طريفة، كتلك التي وقعت عليها في روايتها الأولى "أنيموس"، تخاف مثلها مثل الكتاب الجادين الكبار من مأزق الورقة البيضاء، لا تكتب إلا بعد أن تتأمل، وتأخذ مدى أبعد في التفكير، فلا تشتغل على الفكرة مباشرة، إنما تكتبها مرات عديدة، لن أنسى تلك الرواية المخطوطة التي أنجزتها قبل "اليركون"، ثمة من أعطاها رأياً سلبياً جداً في الرواية، فلم تتردد، وتخلّصت منها دون أن يرفّ لها جفن، يا للؤم أفكارها الصائبة! تثق بالخاطر الأول لدى أصدقائها، وربما هذا ما جعلها مقلّة في الكتابة الإبداعية، وكذلك في الكتابة عن الكتب.

لا تكتب صفاء أبو خضرة المقال النقدي الأكاديمي، إنما تكتب المقال الأدبي، بصفتها كاتبة، وروائية وشاعرة، لذلك عندما تغوص في الأعمال الأدبية كانت تذهب نحو الصنعة الأدبية، وتتأمل أعمال الآخرين، لأنها- على ما يبدو- تريد أن ترى نفسها على هَدْيٍ من نور هؤلاء ونارهم، كثير من الكتب التي كانت يبعث بها إليها الأصدقاء لم يكن يعجبها أسلوب كتّابها، ولم تكن ترضى عن الصنعة التي نُسجت على منوالها. تحسّ برهبة تجاه الشعر، ونادراً ما كتبت مراجعة نقدية في ديوان، للشعر عندها مكانة خاصة، أما السرد؛ قصة ورواية فالأمر أكثر واقعية وأوسع مجالا لتقول فيه ما تريد قوله.

إن صفاء تحسن القراءة كما تحسن الكتابة، وأي كاتب لا بد له من هاتين الحسنيين، فإن غابت إحداهما سقطت الآخرى تلقائياً، هكذا علمتني الكتابة، وهكذا هي في حقيقة أمرها، ولذلك تجدها تستخلص "شيار العسل" من كتب الكتّاب وتبرزها، بل ربما رأيتها أحيانا مفتونة ببعض التعابير والتراكيب الأدبية التي تستهويها، فتحتفي بها كمن وجد لقية غالية الثمن.

أظل على تواصل عن بعد مع صفاء، وأحبّ أن تقرأ لي كتبي بأسلوبها الأدبي، فكتبت عن كتاب "نسوة في المدينة"، وعن كتاب "متلازمة ديسمبر"، وفاجأتني- بتأمر لطيف مع صديقي الحيفاوي حسن عبادي-  في حفل توقيع ديواني "على حافة الشعر: ثمة عشق وثمة موت"، بكلمة قصيرة أطلقت عليّ فيها لقب "أبو الحروف" لكثرة النصوص التي أهديتها في الديوان لنساءٍ، لم تواتني الشجاعة لأكتب أسماءهن كما هي، فأشرت إليهنّ بالحروف، كما تشرّفت بأن كتبت مقدمة كتابي "تصدع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، لأنها من الكتاب الذين كانوا مهتمين جداً بأدب الأسرى الفلسطينيين، وكانت تتابع بألم قضايا الأسرى، والإضراب عن الطعام، وعندما انطلقت مبادرات الصديق حسن عبادي حول الأسرى الكتّاب كانت من أهم المشاركين في هذه المبادرات وما نتج عنها من فعاليات ثقافية في الأردن، فقرأت كتب الأسرى، وكتبت عنها مراجعات رائقة، واستفادت من تلك الكتابات في روايتها "اليركون"، وشاركت في بعض الحلقات التلفزيونية للحديث عن إنتاج الأسرى الفلسطينيين لتكون في صلب هذا النقاش السياسي الأدبي، والثقافي الوطني.

صفاء ابنة فلسطين البارة التي تشتاق لأن تزور أرضها، وتقبّل ترابها، وتغمس قدميها في بحر يافا وعكا وحيفا، وتشتمّ عبيـر أزهار الربيع المهفهف في سهولها، وأن تسجد في ساحات الأقصى، إن أمنيتها في تحرير فلسطين يفوق أمنياتها الشخصية، ولذلك رأيتها في الحرب الأخيـرة على غزة يصيبها ما أصابنا من هوس الانشغال بالأخبار، والغرق في وجع الترقب، والتمزق الداخلي على مرأى الأشلاء الممزقة، لقد أصابها ما أصابنا من اكتئاب وجنون وبلاء، تختفي، وتلوذ بالصمت، ولم يعد أحد يدري أين هي، انقطعنا عن التواصل، وانقطعت عن الكتابة والظهور في الفيسبوك، واختارت العزلة؛ لأن شيئاً في روحها أصابه العطب. إنها تلك الحرب المجنونة التي اشتعلت منذ السابع من أكتوبر وإلى الآن لم يخفت لها أوار ولم تنقطع ألسنة لهيبها، وأظنها لن تنقطع عن قريب.

أنجزت صفاء أبو خضرة رواية اليركون التي تحتفي بها رابطة الكتاب الأردنيين، فتتوج بالجائزة، هذه الرواية التي تشرفت بأن أهدتني مبدعتها نسخة موقعة، ممهورة بخط يدها، وبتلك الأنامل الماهرة في صناعة نسيج الحكايات كتبت: "إهداء،،، إلى الصديق فراس حج محمد/ من الماء إلى الماء نسبح في عرجون الحلم/ صفاء..../ كل التحية والتقدير 20/7/2024"، كما أنني سعيت بأن أوصل لها كتبي مع الأصدقاء الذاهبين إلى الأردن، فحمل قسما منها الأديب الراحل الصديق زياد الجيوسي، وبالطبع قسم آخر مع الصديق حسن عبادي الذي يتردد كثيرا على الأردن للمشاركة في الأنشطة الثقافية المتنوعة ما سهّل وصول نسخ من كتبي إلى مكتبتها، لأحظى بقراءتها ومنافشتها معها كلما وجدتْ ضرورة لمثل هذا النقاش.

لقد كانت "اليركون" أكبر من رواية، لأنّ فيها ما هو جدير بالملاحظة حيث العمل على لبّ الصراع مع اليهود، صراع الأسماء واللغة والتاريخ الذي هو أهم من الصراع على الجغرافيا، وما الصراع على المكان إلا لأنه الظرف الطبيعي الحضاري لاحتواء الإنسان والثقافة واللغة، لذلك فإن رواية اليركون بهذا المنحى الفلسفي العميق تستحقّ أن تُدْرس، وأن تُقرأ، وأن تُحلل، وأن تحصل على الجوائز.

إن أهم من الجائزة من وجهة نظري لأي كاتب فلسطيني مشغول بالهم الوطنيّ العام هو القدرة على الاستمرار في الكتابة، لأن "من يكتب حكايته يرث أرض الكلام، ويملك المعنى تماماً"، وصفاء أبو خضرة امتلكت ذلك المعنى تماماً في اليركون وفي غير اليركون، وحتى لا يأخذ الأعداء منا الحكاية واللغة كما استولوا عل الأرض في غفلة من الزمن لا بد لنا من الكتابة، لأنّ "مصير الحكايات التي لا نكتبها تصبح ملكاً لأعدائنا"، ولْنكتب ولْنواصل السرد وإعادة التشكيل، فمبارك الفوز عزيزتي صفاء، وليكن مجدك الأدبيُّ خالداً ومخلّداً.

 

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 101 مشاهدة
نشرت فى 1 إبريل 2026 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

990,005

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.