كلمة حب ووفاء في الشاعر الراحل
عبد الناصر صالح ذلك الشاعر المحبّ

فراس حج محمد| فلسطين
في غمرة نشوتنا وقد انتهينا من توقيع كتاب "احتمالات بيضاء- قراءات في أدب الحرية الفلسطيني" للصديق حسن عبّادي مساء الأربعاء 4/2/2026، ونحن نقف متجمهرين في بهو منصّة التوقيع في متحف محمود درويش أمام قاعة الجليل، أجد الشاعر جمعة الرفاعي بجانبي، فمال عليّ وأخبرني أنّ ثمّة خبـراً سيّئاً؛ "رحل عبد الناصر صالح"، ولاحظت مدى تأثّره الشديد الذي بدا في عينيه وقد اغرورقتا بالدمع.
تعود علاقتي بالشاعر عبد الناصر صالح إلى أيّام عمله في وزارة الثقافة الفلسطينيّة وكيلاً للوزارة، افتتح وشارك مع "منتدى المنارة للثقافة والإبداع" العديد من الأمسيات الشعريّة والفعاليّات الثقافيّة، إمّا شاعراً وإمّا ممثّلاً للوزارة، وقد التفتَ إلى ما ألقيْتُه من شعر في "مهرجان المنارة الثاني للشعر" الذي عقدناه في منتـزه جمال عبد الناصر في نابلس يوم الخميس 28 تموّز 2016، لقد اكتشفتُ أنّه كان يسمعني باهتمام، وقد ألقيت قصيدتين غزليّتين بين يدي "شهرازد" التي كانت حاضرة معنا وبيننا، لقد تجلّيتُ بالفعل؛ إذ كنت ألقي وأنا أحسّ أنّني ألقي الشعر بحضرتها ولها فقط، وإذ بالشاعر عبد الناصر صالح يثني عليّ عند مصافحته بعد النزول عن المنصّة. إنّ هذا الثناء بالنسبة لي "صكّ اعتراف بالشاعريّة"، فيومها حصلت على شهادة شعر جديدة ولقب شاعر من أحد أعمدة الشعر، ليس شعر المقاومة، أو الشعر الفلسطيني وحسب، وإنّما الشعر العربي المعاصر أيضاً، لم يطل الوقت حتّى عدنا والتقينا على منصّة "ملتقى رجال الأعمال" في نابلس بتاريخ: 20/10/2016، لألقي- وبجانبي عبد الناصر صالح- قصيدة "ظلاميّون" من ديوان "مزاج غزّة العاصف".
تـأتي كورونا وتجلّل وجه العالم بالخوف، يأخذ الشاعر الإنسان ذو الحسّ المرهف على عاتقه أن يطمئنّ علينا دائماً، وبشكلٍ يومي، ويطلب منّا أن ننتبه لحالنا، ويدعو لنا بالسلامة، لم يكن يخاطبنا إلّا بوصف "حبيبـي"، أنا وكلّ الأصدقاء، ولم يكن يبخل علينا كذلك بما يصله من مطبوعات عربيّة، وخاصة الجرائد والمجلّات التي راجت إلكترونيّاً في تلك الفترة، لنظلّ على تواصل مع العالم الذي يصارع من أجل البقاء بكلّ ما أوتي من عزم وقوّة وإصرار، كما لم تنقطع عنّا أشعاره التي كان يكتبها يوميّاً وينشرها في الصحف المحلّيّة والعربيّة، وخاصّة صحيفة الحياة الجديدة.
أعرف عبد الناصر صالح شاعراً منذ أيّام الجامعة، إلّا أنّني لم أدرس أيّ نموذج شعريّ له في بحث الماجستير "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم"، لعلّي لم ألاحظ ما لديه من سخرية، لكنّني كنت على اطلاع بأنّه كتب شعراً في المعتقل في فتـرة الانتفاضة الأولى، حيث زُجّ به مع كثير من الشعراء والمفكّرين والكتّاب إلى السجون، فتنقّل في العديد منها، وكتب ديوانه "المجد ينحني أمامكم" في المعتقل، هذا الديوان الذي يهدينيه في واحد من لقاءاتنا مع ديوان والده "مرافئ العمر" بنسخة مصوّرة، لا شكّ في أنّـني فرحت بهذه الهديّة القيّمة، وأشرت إلى ديوانه هذا في تضاعيف كتاب "تَصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، وكان كثيراً ما يثني على ما أكتبه من نقد.
عبد الناصر صالح شاعر معتدّ بتاريخه، وبإنتاجه، وبموقعه في حركة الثقافة الفلسطينيّة، وكلّنا يعرف هذا الموقع، وظهر ذلك جليّاً في التحقيق الصحفي الذي نشرته صحيفة القدس في عددها الصادر يوم السبت 7/2/2026، وشارك فيه نخبة من الكتّاب والسياسيّين الفلسطينيّين، إذ أجمعوا على أنّه"برحيل الشاعر الكبير عبد الناصر صالح يتأكّد حضوره الوارف وبموته يترك فراغاً يصعب ملؤه".
لم يكن يسمح الشاعر المجدّ والمناضل السياسي بأنْ يتجاهله أحد، ولذلك رأيته يدافع بقوّة المنطق التاريخي بشواهده التي لا تموت عن دوره في أدب السجون على هامش ندوة أقامها معرض فلسطين الدولي للكتاب (2023)، ومَن تحدّث حينها مِن المنتدين عن أدب السجون لم يعطه حقّه، فقد كان من أوائل من كتب في هذا الأدب في ذروته في الثمانينيّات، وأدخله الباحث مفيد أبو عرقوب في دراسته التي بعنوان "شعر الأسرى الفلسطينيّين (1967- 2000)"، فدرس له ديوانين وهما "الفارس الذي قُتل قبل المبارزة"، وقد صدر في مطلع الثمانينيّات، وديوان "المجد ينحني أمامكم" وقد صدر في أواخرها.
عدا دراسة أبو عرقوب، أعدّت الباحثة الفلسطينيّة أسماء حمد أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه في مصر، وصدرت في كتاب عام 2024 عن دار الربى للنشر والتوزيع تحت عنوان "فلسطين بين النزف والعزف: التناص في شعر عبد الناصر صالح"، وغير هاتين الدراستين أصدر اتّحاد الكتّاب الفلسطينيّين كتاب "مدارات الشعر المقاوم في شعر عبد الناصر صالح"، ويضمّ الكتاب ثمانية فصول، تناول فيها سبعة نقّاد ظواهر من شعر الراحل، على مدى أكثر من (460) صفحة من القطع الكبير، هذا عدا ما كتبه صديقنا الطليعي رائد الحوّاري، متناولاً في تحليله النقدي العميق والممتدّ العديد من أعمال الشاعر المطبوعة أو قصائده المنشورة على الفيسبوك.
يتوّج هذا العطاء بإدراج إحدى قصائد عبد الناصر صالح في مقرّرات اللغة العربيّة، الصفّ التاسع الأساسي الجزء الثاني، وهي قصيدة "رسالة من الزنزانة- إلى أمي"، ولي مع هذا الدرس/ القصيدة موقف عجيب؛ ففي واحدة من الزيارات الإشرافيّة يصادف أن تكون حصّة اللغة العربيّة هذا الدرس، وخلال المناقشة البعديّة التي رأيت فيها أنّ المعلّمة لم تُعطِ القصيدة حقّها في الشرح والربط مع الواقع، ولم تهتم بالبعد الاستشرافي في النصّ حيث يقول:
"الموكب الموعود شقّ طريقه عبر البحارْ
وسرى... تعانقه النسائم والمحارْ
ورأيتُ طلعتكِ النديّة من بعيدْ
مثلتْ أمامي مثل طيفٍ لا يحيدْ"
فقد تراءت لي في القصيدة ملامح من قول القرآن الكريم "والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً"، حيث "من صبّح القومَ في الغزو فإنّه فأل نصر"، وربطتُّ تلك الأسطر من باب الاستطراد المناسب للمعنى العام لما حدث يوم السابع من أكتوبر عام 2023، تلك العمليّة التي انطلقت في الصباح الباكر، معلنة الحرب، لتقرع الجرس وتدقّ جدران الخزّان، ليصل صداه إلى العالم أجمع بعد أن صمت وقتاً طويلاً.
كان هذا النقاش شفويّاً، لم أدوّنه في تقرير الزيارة الصفّيّة، لأنّني لا أريد أن أفرض وجهة نظري وفهمي الخاصّ على المعلّمة، لم ترض المعلّمة بتوصيات الزيارة وأصرّت عبـر الشكوى التي رفعتها ضدّي أننـي أنظّر لأمور غيـر تربويّة وسياسيّة، وادّعت أنّني قد تجنّيت عليها في تلك التوصيات التي كان لها سياق مختلف تماماً، يدور في أساليب التدريس وكيفية تحليل النصوص الأدبيّة في السياق المدرسي.
لقد مرّ هذا الموقف بسلام، إلّا أنّه قدّم لي دليلاً على الفهم المحدود لبعض المعلّمين للنصوص الأدبيّة، وأنّهم لا يمتلكون القدرة على أن يروا في الأدب وجه الواقع، سلباً وإيجاباً ويتعاملون مع النصوص بوصفها سلاسل لغويّة جامدة، وينزعون فتيلها، ويحوّلونها إلى تدريبات إعرابيّة في أحسن الأحوال، لقد كانت رسالة عبد الناصر صالح إلى أمّه، نموذجاً لأيّ أمّ، ابنها يعيش غربة السجن وعذابه.
وعندما تحلّ الكارثة على غزّة، لم يصمت الشاعر، وأشرع يراعه ليناصر هذا الشعب المذبوح والمجوّع أمام كاميرات العالم، فكتب أشعاره المدجّجة بالحزن والمرارة، فقد أوجعتني هذه القصيدة على نحو شخصي لما فيها من ألم الجوع، والعجز الذي يكبّل اليدين والأرواح:
لئلّا يُقالْ
أنثُروا القمحَ فوقَ رؤوس الجبالْ
لئلّا يُقالْ
جاعت الطيرُ تحتَ عُذوقِ الهلالْ
يا عُمَرْ
جاعت الطيرُ في غزّةَ الجرحِ
واحترقَ الزرعُ والناسُ
والبيتُ
والولَدُ المُنتَظَرْ
وتلاشى الأثَرْ
يا خليفتَنا العادلَ المُرتَضى
يا عُمَرْ
هل أتاكَ الخبَرْ؟
أبو خالد رجل دمث، وشاعر رقيق، لكنّه أنتج نصّاً ثائراً ويغصّ بالمرارة والوجع والرفض؛ احتجاجاً على ما آلت إليه أحوالنا السياسيّة، وظهر معارضاً لكلّ ذلك الخوَر السياسي في الساحة الفلسطينيّة وسجّله في أشعاره، وكان دائماً ما يصرّ على تعريته قبل غزّة، وخلال هذه الحرب الشرسة التي لم تبق ولم تذر.
عُرف عن (أبو خالد)- رحمه الله- أنّه لا يحبّ الدعة، فرغب بعد أن تقاعد من عمله الرسمي؛ وكيلاً لوزارة الثقافة أن يخدم الكتّاب والوسط الثقافي بموقع جديد لا يخضع لمعايير العمر، فعقد النيّة على الترشّح لانتخابات اتّحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، هذا الاتّحاد الذي كان من مؤسّسيه، لعلّه يتولّى الأمانة العامّة، لقد فاز عبد الناصر صالح في تلك الانتخابات (2018) بأعلى الأصوات، لما يتمتّع به من تاريخ شعري وثقافي ونضالي كبير، عدا المحبّة التي كان يحظى بها بين أوساط الكتاب الفلسطينيّين، هذه المحبّة التي رأيتها في سيل النعوات الصادقة من الفعاليات الرسميّة والشعبيّة والكتّاب والمثقّفين العرب والفلسطينيّين، مودعة أبا خالد بعبارات المحبّة والأسى.
لم يحظَ الشاعر المحبّ عبد الناصر صالح بمنصب الأمين العامّ نتيجة الطريقة غير العادلة التي تمّ فيها تحديد هذا المنصب ليذهب في تلك الدورة إلى غيـره، لكنّه بقي مناضلاً على جبهة الشعر وحيداً، لا يأبه بأيّ منصب، مهما كان، وظلّ يحظى بمحبّة الجميع، وعندما مُنح جائزة فلسطين في الآداب عام 2023، بادرتُ بالاتّصال به مُعْلِماً إيّاه بالخبر السعيد، ومباركاً له، إذ إنّه يستحقّ مثل هذا الفوز، بل إنّ الجائزة هي التي تتشرّف به، لتكون أكثـر عدالة عندما يفوز بها من يمنحها شرعيّة العدالة في بلاد تُنتقص من أطرافها ومن أواسطها، لتبقى جمهوريّة الشعر بشعرائها جميعاً الأعلى منارة، وليظلّ أبو خالد علامة بارزة في سجّل الخالدين الذين لم يمرّوا مرور "الكلام العابر" على صفحاته، وستظلّ أشعاره تحدّث عنه أخبارها وأخبار هذا الوطن الحالم بالحرّيّة، فإنّا وإيّاك يا أبا خالد "على انتظار" حتّـى يتحقّق الأمل الموعود بالموكب الذي "يفوح بالانتصار"، ومهما يكن من أمر، لا يحقّ لنا أن نتنازل عن هذا الهدف.


