فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

نصّ مفتوح ومتخيّل:

ما لم يقله محمـود درويـش عن ريتــا

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود في تلك الزوبعة التي تعرفونها.

هل غضب زوج ريتا وناح على شرفه المهدور في سرير العرب؟ ربّما لا، بل أغلب الظنّ لا، فلا شيء ينفي عن الجنين هُوِيّتَه، ما دام أنّه نبت في رحم ريتا، لا يهمّ من أيّ ماء جاء، اليهوديّ لا يقف عند هذا التفصيل الثانوي، اقرأوا إن شئتم حوار والتر ليفي مع ابنته أورانيت في مسرحية "المستوطتة السعيدة"، أمّها خانته كثيـراً وكثيراً، كان يعلم، ولم يتأثّر؛ لأنّ ذلك لن يؤثّر في يهوديّتها، ستظلّ دماء اليهود تجري في العروق.

لم يكن درويش ليقلق كلّ هذا القلق على المصير الوجوديِّ له لو كانت المرأة ذات الجنين عربيّة في رسالته لسميح القاسم، الرواة الثقاة احتفظوا بهذا السرّ، وسرّبوه بعد حدوث الحمل بسنوات، ريتا ليست قلقة، إنّما عملها أن تصطاد الأجنّة من بين أصلاب الرجال وقُضُبهم المنتصبة مثل الألف الفارقة التي تفرّق بين الممكن والمستحيل، ليأخذ التأويل شكلاً دائريّاً، ويتّسعَ الخيالُ.

في البندقيّة اختطفت ريتا البروة والأرض والتاريخ والأسماء والشهداء وقطعة الغيم والمعنى، وفي القصيدة اغتالت تلك الحقيقة نفسها، واللغة والوطن المجازيّ المحتمَل، وفي المضاجعة اغتالت حيوانات درويش المنوية، وصنعت منها بندقيّة أخرى لزمن جديد. لم تقلق ريتا، بل سعت لتورّط الشاعر وتكسب منه ابنة تقاتله بها إلى الأبد، ليواجه بعضاً منه في معارك المصير الوجوديّ المشترك في الحفرة المشتركة.

رحل الشاعر حتّى لا تنمو ابنة يهوديّة بين ناظريه، ولا يستطيع تبنّيها أو مقاومتها، مع أنّه لم يكن يرغب بغير السلام الشيوعيّ الجميل الذي أذهب عنا البلاد، وأبقى لنا القصيدة في الوطن، والوطن اللغوي البغوي الآسر الفتّان والفتّاك.

رحل؛ لأنّه لا يرغب في أن ينجب عدوّاً من صلبه، لكنّه أنجب آلاف الأعداءِ رغماً عنه. درسٌ لم يتعلَّمْه الفلسطينيون وكانوا أوفياء لفكرة إنجاب الأعداء بفعل مائهم الحيوي الذي طالما أهرقوه في أرحام اليهوديّات فصاروا "دراويش الجماع السياسيّ"، حدّث عن ذلك ولا حرج، حتّى السجّانة في زمن آخر في بقعة مُسَيّجَةٍ من الأرض المغتصبة تسمى السجن تفعل مثل ريتا، وتنجب مقاتلاً مدجّجاً بالأيديولوجيا القاتلة من صلب سجين عربي!

كثير من المجنّدين الآن أبناء عرب، لكنّهم يهود باعتبار دمغة المصنع والرحم والتربية! يقتلنا أبناؤنا إذاً ونقتل أبناءنا بلا شكّ، كلّ ذلك لأنّهم أبناء أمّهات يهوديّات.

ماذا كان يريد درويش أن يكتب لريتا لو لم يكتشف أنّها حامل، وقد أوقعته في الشِّرْك الأنثروبولوجيِّ، وفي الشرَك؟ ربما وجد الرواة هذا النصّ المدجّن المعجون بالنثر والإيقاع معاً، أيّهما كان النثر؟ وأيّهما كان الشعر؟ هل النثر أنثى مثل ريتا؛ تُضاجع وتحبل وتنجب القصائد، والشعر فحل وذكَر، والفحل صاحب إيقاع، لكنّ الإيقاع هنا مكسور بفِعْلة التاريخ الأعوج المكتظّ بالموتى وصوت الدم.

القصيدة إذاً أيّها الرواة والثقاة والقرّاء خدعتنا زمناً طويلاً بالحبّ والشعر ورائحة الإناث في مواسم زهر اللوز، بقيت لريتا صورتها الصبيّة مع درويش النحيل الذي شابَ على ما شبّ عليه، وشبا على جسد الحبيبة:

لها رمّانتان لذيذتانِ، شهيّتان، وساقان ملساوان، سمراوان، وعجيزة تعجز اللغة عن تصوّرها.

في الليل بعد أن تتنحى البندقيّة قليلاً في المسافة الفاصلة بين عيني ريتا ومحمود، لا تنسى المرأة أصلها، والشاعر يصبح خاوياً من التاريخ، والجغرافيا ولا يفكّران سويّة إلّا بما يجعل التسوية في السرير ممكنة الحدوث.

هنالك في تلك البقعة المقدّسة من أسرار الهيكل العظميّ واللحميّ والعصبيّ للمرأة المتّقدة، يصبح الإنسان ذئباً ومتّقداً كذلك، ويخلع كلّ أعضائه الثكلى ليفرغ ما فيها من التقوى على فخذين ناعمتين مشربتين كأس الخمرة النهديّ، تنفرجان، وتفصحان عن وردة ناعمة صغيرة بحجم قُبلةِ فَم، ويبدأ التاريخ يمحو نفسه بفعل هذا الحدّ.

ألا أيّها الليل الطويل ألا أستطلْ، وأطِلْ ذراعَيْ عاشقين يلتفّان مثل جذعَيْ شجرة، يدخل الشرقيُّ في الغربيِّ، وتتّقد الحجارة تحت أقدام السرير الهارب من جحيم الحرب في أرض الجنوب.

يا صبحُ نمْ نوماً طويلاً هادئاً لا تطلُعَنْ، واغسل هواجسك القديمة بالجسد الشهي، ريتا تفرّغت من محتواها العدائيِّ وصارت زنبقة، أو زئبقة، أو ريماً على القاع بين حيفا والجليل، أو توتة ناضجة بين الشفتين تختلطان بالشعر المحلّى بقوة الأيروس، ويقتلان معاً جنون الوقت في التابوت.

ريتا في السرير الآن، تقوم على ألف، وتنام في جنب فحلٍ محترف، وشاعر وجد البلاد، وما تبقّى من بروة في الجليل على سُرّة البنت التي احتملت حماقة التلمود في التوصيف، واغتسلت بموج البحر.

ريتا الآن تبدّل للشاعر جلده، ليصير أفعواناً يداعب أفعى، وتبني مع الشاعر الحيويّ وطناً بديلاً في القصيدة والحبيبة واللغة، فالمرأة منفى، وملقى، وملفى، وملهى، ومنسى، ومجرى، وآلاف الحروف تنوح على تلك الرواية في الرواية.

ريتا تفتّش بعد عمر عن قناعتها، وتأخذ للبندقيّة زينة أخرى من الدم المخمّر بالرصاص، وتحمل عدّة الحرب الثقيلة والطويلة والسريعة كي تنام على سرير الشعر والشعراء والبسطاء والأشجار، وتسرق الوطنَ اللغويَّ، تفكّك المعنى تماماً، وترمي ما تبقى من عظام الكلْبِ لجنديٍّ مصاب بالكلَب، وتعيد أغنية السذاجة الأولى:

"بين ريتـا وعيوني بندقيّة،
والذي يعرف ريتـا، ينحني
ويصلّي
لإلهٍ في العيون العسليّةْ ".

وتضحك في وجوه الموت والموتى وتستلقي على متن تلبّد بالنبيذ، وصار السرد أسطورة لا تُعَرّفُ أو تُحارب.

وقف الجميع أمام هذا الشيء حيرى!

27 فبراير 2026

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 89 مشاهدة
نشرت فى 27 فبراير 2026 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

977,862

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.