فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

من منشورات صحيفة الأيام الفلسطينية:

"حروف من ذهب" في الميزان الوجداني والإبداعي

فراس حج محمد/ فلسطين

هذا الكتاب هو الكتاب الثاني للكاتب الأسير قتيبة مسلم، هذا الأسير المولود كاتباً في المعتقل، ولعلّه بهذه الصفة التي يشترك فيها مع آخرين، تشكل حالة خاصة من حالات الأدب الفلسطيني المقاوم. ويكتسب الحدث رمزيته العالية على أكثر من صعيد، وتثير فيّ السؤال الجدليّ: هل قتيبة مسلم أسير كاتب أم أنه كاتبٌ أسير؟ يبدو أنني سأرجح الخيار الأول، فهو أسير كاتب، لعدة اعتبارات أراها منطقية وقوية في دلالتها؛ وأول تلك الحجج، أن قتيبة لم يُعرف كاتباً قبل السجن، وتمتدّ تجربته في الاعتقالات المتكررة لأكثر من ثلاثين عاماً منذ 1984 وحتى اليوم، فقد قضى أكثر من نصف عمره البالغ (53) عاماً في المعتقلات الإسرائيلية.

لقد كان قتيبة نشيطاً سياسياً، أيام الدراسة في جامعة النجاح الوطنية في أوائل التسعينيات، وكنت مطلعاً على نشاطه الطلابي حينها في حركة الشبيبة بحكم الزمالة. وليس له أي مشاركات حسبما أعرف في مجال الكتابة خارج السجن قبل الاعتقال، وعليه، فهو كاتب ولد في السجن بفعل تجربة السجن، وما تجرّه عليه من أثر. فالاعتقال هو شرطها الموضوعي الأساسي.

هذا أمر مهم حقيقة ومدخل ضروري لقراءة أدب الأسير قتيبة وغيره من الكتّاب الذين أولدهم السجن، فصاروا فيه وبفعله كتّاباً، ولعلّه من الضروري الالتفات إلى هذه الظاهرة وتوسيع البحث فيها، ودراستها جيدا، لعلها تساعد الدارسين في اكتشاف خصائص ومميزات لما أنتجته هذه الفئة من الكتاب.

أمر آخر يجعلني أقدّم صفة الأسير على الكاتب لاعتبارات الموضوع الذي يكتب فيه قتيبة، إذ يظهر أنه منغرس بكليته، فكرا وشعوراً في تجربة الاعتقال، فحسب ما اطلعت على ما كتب الأسير قتيبة يتبيّن ما يأتي:

لقد نشر أول كتاب له، وهو بعنوان "آخر قبلة في السجن" صدر عام 2011، ثم كتاب "حروف من ذهب"، ليليه رواية "زنزانة وأكثر من حبيبة" الصادران في 2021 خلال أسبوع واحد، وكذلك كتابان مخطوطان الأول وقد اطلعت عليه مؤخّرا بعنوان: "بقايا زنزانة"؛ يتناول فيه التجربة الاعتقالية من ناحية تنظيمية، وكتاب آخر مخطوط أيضا بعنوان "لأني أسير"، وهذه الكتب كما هو واضح من عناوينها ما عدا "حروف من ذهب" كلها تتخذ من الاعتقال ثيمة رئيسية، بل إن المعتقل/ المكان مكوّن أساسي من أساسيات العنوان، فقد تجلى المكان في ثلاثة منها (السجن مرّة، والزنزانة مرّتين)، وصفة الأسير بارزة في كتاب "لأني أسير".

ماذا تقول هذه الخريطة الإبداعية؟ وما علاقتها بالأسير الكاتب، وهو الوصف الذي أنحاز إليه في التعريف بقتيبة مسلم؟ إن الدالّ الأصلي في تلك العناوين الذي ينحلّ في مدلولات ودوالّ كثيرةٍ داخل النص الإبداعي نفسه تشي بمركزية التجربة الاعتقالية وسيطرتها على ذهن الكاتب، وليس هذا غريبا أو اكتشافا مذهلا بالمناسبة، هو فقط مجرد لفت نظر؛ تحقيقا لمسألة نقدية مهمة تقول إن الكاتب ابن وفيّ لبيئته وظروفه حسب ما يقوله أتباع النقد الاجتماعي، وهذا ما تحقق في تلك الكتابات جميعها، فلم يخرج قتيبة عن عوالم السجن والاعتقال، وبثّ في كتبه تلك، مفردات الأدب الاعتقالي والتجربة الاعتقالية اللغوية بشكل مكثف، ما يجعل هذه الكتابات ومثيلاتها مصادر حقيقة لدراسة اللغة ومفرداتها، وأهميتها في تدشين معجم لغوي اعتقالي أدبي وفكري وتنظيمي مهمّ. فأدب الأسرى الكتاب فيه هذا النسغ الحيّ للغة في تربتها الأصلية، فقد نبتت في أرض المعتقل، وعاشت وترعرعت في فضاء المعتقلات، ولهذا فإن تلك الكتابات تكتسب أهمية خاصة فيما يعرف "بالصدق الفني" المتصل اتصالا كبيرا بالصدق الواقعي، بل ومعتمدا عليه باندماج كامل، ففي مثل هذه الكتابات لا شيء خارج التجربة، بل إن الأسرى يمررون كل شيء بنهر تجاربهم، فيذوّتونه، ويخرجونه على طريقتهم المثلى.

لذلك؛ وبناء على هذا التأسيس النقدي الضروري، يجد القارئ في نصوص "حروف من ذهب" التجربة الاعتقالية ببعدها الوطني المنبثق من التجربة الذاتية نفسها، فكأن الكاتب- وهذه مسألة تولد طبيعياً- يذوّت التجربة العامة، ويراها من منظاره الخاصّ، وبلغته هو، وبصوره وأحاسيسه، لأنه ببساطة ليس مؤرخاً. بل يصح أن يصف الدارس أدب المعتقلات بأنه رؤيا شخصية لأحداث التاريخ الخاصّ والجمعي على حدّ سواء.

وفي نصوص الكتاب "حروف من ذهب" البالغة الثمانية والستين نصاً يرى القارئ حضور الذات دائما، عبر الحالة النفسية للكاتب، أو من خلال علاقتها بالآخرين من شهداء ومناضلين وأسرى زملاء وأحداث داخلية وخارجية، عائلية وغير عائلية، ولولا هذا البعد الشخصيّ الذاتي جداً لن يكون هناك فرادة وتميز للأسرى في كتاباتهم، فعلى الرغم من أنهم جميعا ينهلون من البئر ذاتها، إلا أن البعد الشخصي الذاتي يجعل كل تجربة ذات مذاق مختلف، ودلالة تمتاز عن غيرها بما فيها من هذا البعد، وبالتالي يُكسبون تجاربهم أهمية مضاعفة، فكل أسير يروي الحكاية ذاتها بلغته التي ينسلها من عقله ووجدانه، ويجدلها بأسلوبه، فكأنه يمنحها حياة أخرى على هيأة ما. هذا ما يحدث في كل كتابات الأسرى، فعلى كثرة تلك الكتابات في الآونة الأخيرة إلا أن البعد الذاتي يجعلها غير مملة في الأعم الأغلب.

لقد منح قتيبة لنفسه فرصة أن يتأمل ذاته في فضاء المعتقل، ليساعد الذات على التخلص من الأسر الحسي إلى فضاءات محلّقة خارج الأسوار والقضبان، لذلك تراه يرتد في "حروف من ذهب" إلى الذكريات، فثمة حنين طاغٍ في كثير من النصوص، ليمتح الكاتب من ذكرياته ليؤثث نصوصه ويبنها من لحم التجربة الحي، لتنبض بالحياة وتكاد تتخيلها ماثلة أمامك.

وعلى صعيد آخر لغويّ أيضاً، فإن اللغة التي اتكأ عليها الكاتب في العنوان يستلّ من مخزونها هذه الحروف الموصوفة بأنها من ذهب. لعل هذا العنوان ليس بعيدا عن القول الشائع في لغتنا وكلامنا نحن الفلسطينيين عندما نريد وصف الكلام ونعلي من شأنه فنقول إن فلانا كلامه من ذهب، والحروف بنات اللغة، فمن كانت حروفه من الذهب فكلامه قطعا من الذهب، فالفرع يتبع أصله ويسايره ويأخذ منه صفاته. وكما يقول النحاة في توصيف حرف الجرّ في العنوان فإن "من" هنا بيانيّة؛ أي أنها تبيّن نوع هذه الحروف، عدا عن سيميائية الذهب ومكانته في حياة الفلسطينيين، فكل شيء ممتاز عندنا، نصفه بأنه "ذهب"، إنه لفظ يغني عن كثير من الكلام. فكأنها الكلمة الفصل.

لعلّ الأسير الكاتب هو أكثر من غيره احتياجا للغة، ففيها يحيا، ويريد أن يُدخل الآخرين إلى عالمه باللغة، إنها ليست مجرد ناقل للفكرة عند الأسير الكاتب؛ إن للغة مفعولا أشد من كونها أداة تواصل أيضاً، لذلك ترى الأسرى الكتاب- ومنهم قتيبة- يهتمون بتفاصيل الكلام والعبارات، واللغة عندهم ذات مدلول نفسي عميق الدلالة على حالتهم النفسية الوجدانية التي يطمحون أن تصل إلى القارئ بهذه الحرارة التي كتبت فيها، إضافة إلى ما تحمله هذه النصوص أيضاً من بعد اجتماعي ضروري انسجاما مع قول المتنبي: "فليسعد القول إن لم يسعد الحال"، فالأسرى عموما حاضرون بحروفهم مع ذويهم في مناسباتهم الحزينة والسعيدة، وعلى ذلك يمكن للدرس النقدي أن يفسر النصوص التي قيلت في الشهداء على هذا النحو؛ لتكون أكثر من نصوص مناسباتية، فترتقي لتكون نصوص مشاركة وجدانية حقيقية، تغني عن الحضور الفيزيائي للأسير الكاتب. وكذلك يفعلون عندما يرسلون رسائلهم إلى الأصدقاء والأحباب.

في "حروف من ذهب" يحسّ القارئ أن النص عالم كاملٌ متكامل، بغض النظر أكان طويلا ممتدا أم كان قصيراً، فالنصوص معتمدة على ذاتها ومستقلة عن غيرها، لكنها بمجموعها تحدث انسجاما موضوعيا وإيقاعيا مهما، ما جعل الكتاب يبدو وحدة واحدة على الرغم من أن هناك أكثر من شكل لتلك النصوص. فالذي يوحد بين تلك النصوص؛ تعددها وشكلها هو لغتها الموحدة وإيقاعها المنساب المتسق ومحورية التجربة الذاتية.

لكل هذه الأسباب يبدو كتاب "حروف من ذهب" كتاباً مشغولة نصوصه بأناة وتَؤُدة وتؤدي أغراضها الوجدانية النفسية في الإعلان عن حالة الأسير الذي يحيا بنشاط وتوهّج فكري وعاطفي خلف القضبان، بوصف ذلك أيضا بأنه فعل مقاومة؛ لا يقل أهمية عن أشكال المقاومة الأخرى، قبل أن تكون هذه النصوص مجرد نصوص أدبية، فالأسرى في اعتقادي- ومنهم أبو حمدي- لا يكتبون ترفاً، ولا قتْلاً للوقت، إنما يمارسون الممكن المتاح من وقتهم، ليعشوا في لغاتهم ونصوصهم ليقولوا للعالم أجمع إننا هنا باقون وأحياء، نفكر ونشعر ونكتب، بل نتفوق على الآخرين بالكتابة والإبداع، فمن يكتب لا يُنسى له ذكر. وها هو يصنع له حضوره الخاص بين أهله ومحبيه ومعارفه. فالكتابة في مثل هذه الحالة فعل وجود حقيقي، تعلن عن نفسها بتجدد كلما قرأنا شيئاً من تلك الكتابات.

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 83 مشاهدة
نشرت فى 26 أكتوبر 2021 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

276,964

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.