كان إعلان الملك عبد الله الثاني عن نية الأردن البدء بتطوير مشروع وطني للطاقة النووية كثيرا ومفاجئا بحق، فلم تكن هناك حسب علمنا أية مخططات للتفكير بهذا البرنامج بالرغم من إعلان بعض الدول العربية نيتها في تطوير برامج طاقة نووية سواء في الخليج أو مصر أو المغرب وحتى اليمن التي بدأت خطوات فعلية بالتنسيق مع وكالة الطاقة الذرية.

في تفسيره المرافق لإعلان البرنامج قال الملك بأن الظروف قد اختلفت الآن عن السابق خصوصا مع تطور البرنامج النووي الإيراني ووجود البرنامج النووي الإسرائيلي التسليحي، مما يتطلب أن لا يكتفي العرب بالمشاهدة. وبناء على ذلك فإن الأردن بما لديه من قدرات علمية وتقنية يجب أن يكون طرفا في عملية تطوير البرامج النووية في حال كانت الحاجة ضرورية إليها.

إعلان الملك أكد بأن الأردن يريد برنامجا نوويا سلميا لأغراض الطاقة، وهي رد فعل طبيعي على ارتفاع أسعار النفط العالمية والحاجة إلى برامج طاقة بديلة، منها الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، واستخدام الغاز الطبيعي وأخيرا الطاقة النووية. ولكن هل يملك الأردن القدرة على تطوير برنامج للطاقة النووية، وما هي الفوائد التي يمكن أن نحققها من هذا البرنامج وما هي المخاطر المترتبة على ذلك؟

 

في بداية الأمر فإن تطوير أي برنامج للطاقة النووية يحتاج إلى موارد مالية وفنية ذاتية، وبيئة قانونية ومالية دولية تساعد على ذلك. مشكلة الأردن هي في الموارد المالية الذاتية وإذا ما تم تجاوز هذه المشكلة لا شئ فنيا يمنع من تطوير هذا البرنامج. من الصعب أن يتمكن الأردن من تخصيص موارد مالية للطاقة النووية وهو الذي يعاني من ميزانية ذات عجز كبير وحاجة ماسة إلى دعم برامج مكافحة الفقر والبطالة. أن تكلفة إنشاء محطة للطاقة النووية هي 1500 دولار لكل كيلو واط، وهكذا فإن تكلفة إنشاء محطة بقدرة ألف ميغا واط هي 1.5 بليون دولار وهو مبلغ ضخم. وعلى كل حال المصادر الخارجية قد تكون موجودة في عدة اشكال.

 

يمكن للأردن الدخول في شراكة مع دولة نفطية مثل السعودية لاستثمار رأس المال السعودي في بناء محطة طاقة نووية مشتركة تنتج طاقة كهربائية للأردن والسعودية معا بحيث يمكن للأردن أن يشارك في المشروع من خلال توفير موقع المحطة النووية في منطقة قدريبة من مصادر الفوسفات المحتوي على نسبة يورانيوم قابلة للاستخدام في المحطة إضافة إلى والقدرات الفنية. ويمكن ايضا تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في بناء محطة طاقة نووية تبيع الكهرباء لعدة دول في المنطقة. ولكن هل تحتاج السعودية اصلا إلى الطاقة النووية وهي تعتمد على طاقة النفط الأوفر، إلا إذا كان هذا المشروع المشترك يرتبط بمحطات تحلية لمياه البحر.

 

دوليا، يمكن للأردن الدخول في البرنامج الذي أعلنته الإدارة الأميركية مؤخرا بعنوان "الشراكة العالمية للطاقة النووية" وهو برنامج يهدف إلى دعم إنتاج الطاقة الكهربائية من محطات نووية في الدول النامية، ولكن هذا البرنامج يشترط عدم تخصيب اليورانيوم إلا في دول محددة وهي دول المنظومة الغربية وروسيا والصين والتي تقوم بتخصيب اليورانيوم في بلادها ونقل التكنولوجيا مستوردة إلى الدول النامية. بناء على هذا النظام، تقوم الدولة النامية الراغبة في تشييد محطات للطاقة النووية بالتوقيع على اتفاق مع "التحالف النووي الدولي" للحصول على الوقود النووي اللازم لتشغيل المحطات ولكنها في المقابل لا تقوم ببناء أية منشآت لتخصيب اليورانيوم أو تصنيع الوقود النووي أو إعادة تصنيع الوقود المستنفذ وعليها أن ترسل هذا الوقود المستنفذ إلى دول التحالف النووي التي ستقوم بإعادة تصنيعه.

 

الهدف من هذه الخطة هو السيطرة على انتشار الطاقة النووية في العالم النامي وفرض الوصاية التكنولوجية عليها بل حتى التحكم في اسعار الوقود النووي وطرق نقله، ولكن بعيدا عن الأبعاد السياسية لهذه المبادرة فإنها تبدو فرصة مناسبة للأردن لحصول على تمويل دولي لبناء محطة نووية، فنحن لسنا بحاجة بالفعل إلى أسلحة نووية بل بحاجة إلى مصادر طاقة جديدة تأخذ تدريجيا مكانة المشتقات النفطية.   بدأ الأردن التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة النووية في هذا السياق وفي الزيارة الأخيرة لكندا ناقش الملك عبد الله إمكانية التعاون في نقل التكنولوجيا النووية الكندية النظيفة إلى الأردن، ومن الواضح أن كل السبل الممكنة يتم العمل على استكشافها.

 

من المعروف أن الطاقة النووية أرخص من بقية أنواع الوقود في إنتاج الكهرباء، خاصة في حال تقليص الكلفة الرأسمالية لبناء المحطة والحصول على الوقود. ولكن مشكلة الطاقة النووية الأساسية هي الحاجة إلى نظام صيانة عالي المستوى بحيث يتم استخدام أفضل التكنولوجيا المتوفرة في الصيانة واستخدام افضل الخبراء للعمل في المحطة، وليس بالطيع أشخاص يتم توظيفهم بناء على اسلوب الواسطة الدارج في الأردن!

 

محطات الطاقة النووية إما أن تكون مصدرا اساسيا للتنمية والطاقة النظيفة المعتمد عليها أو أن تتسبب في كارثة والحد الفاصل هو في كفاءة القائمين على إدارتها. إذا ما قررنا بناء محطة طاقة نووية في الأردن فإن مصلحة 5 ملايين مواطن تقتضي وجود قاعدة في تعيين الأفضل والأكفأ في هذ المحطة للتعامل مع الصيانة والإدارة وليس الواسطة التي يمكن أن تتسبب في تعيين أشخاص غير أكفياء وبالتالي حدوث كارثة لا سمح الله في تسرب إشعاع نووي أو حتى إنفجار.

 

مصدر الخطر الثاني هو في المخلفات المشعة والخطرة الناجمة عن المحطة النووية. لا يمكن إنشاء أو تشغيل محطة نووية بدون بناء نظام إدارة ممتاز للمخلفات المشعة والخطرة يؤدي إلى التخلص من هذه المخلفات بطريقة آمنة بيئيا وصحيا. هذا يتطلب تحسين البنية التحتية في مكب سواقة للنفايات الخطرة ليصبح جاهزا لاستقبال المخلفات النووية. وعلى كل حال، فإن الشراكة العالمية للطاقة النووية التي سبق الحديث عنها تتضمن نظاما لإعادة تدوير واستخدام والتخلص من المخلفات المشعة والخطرة.

 

ضمن هذا السياق الوطني والدولي يمكن القول بأن فرص إنشاء برنامج نووي أردني ليست أسطورية بل إمكانية تحقيقها واردة في حال تم التعامل بطريقة محترفة مع الظروف الدولية. ولكن الواقع الأساسي يشير بأن الأردن بحاجة ماسة إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة الذاتية مثل الشمس والرياح. وبالرغم من أن  هذه التكنولوجيا لا زالت غير مجدية اقتصاديا حاليا ولكن التوقعات تشير إلى أن تصبح تكنولوجيا الطاقة الشمسية والرياح والغاز الحيوي مجدية خلال عشر سنوات. في نفس الوقت فإن التحول نحو الغاز الطبيعي يسير بطريقة ممتازة ولا توجد اية مشاكل باستثناء زيادة اسعار الغاز الطبيعي مستقبل أو تردد الإمدادات من مصر. وإذا ما طور الأردن برنامج للطاقة النووية وخاصة للكهرباء فإنه من الممكن أن يعتمد الأردن في العام 2025 على المشتقات النفطية بنسبة 50% فقط وهذا يعني التخلص التدريجي من إدمان البترول وأسعاره الهائلة في السوق العالمي.

 

ليس من المستبعد ابدا أن يتمكن الأردن من الاعتماد على الطاقة النووية والشمسية والغاز بنسبة 50% في العام 2025 هذا بدون التفكير في إمكانية تطوير تكنولوجيا لاستخلاص الطاقة من الصخر الزيتي بطريقة مجدية اقتصاديا ونظيفة بيئيا وهذا ما لم يتم حتى الآن. المطلوب فقط هو تجاوز أو تقليص الكلفة الرأسمالية لبناء المحطة والعمل بجدية على تطوير مصادر طاقة بديلة وفتح كل مجالات الإبداع الوطني في التحول إلى طاقة بديلة ومستدامة.

 

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 567 مشاهدة
نشرت فى 26 أغسطس 2007 بواسطة fekrty

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

42,553