هذه المقالة زودنا مشكورا بها الأستاذ وائل حميدان المدير التنفيذي لـ IndyAct، وهي رابطة دولية تضمّ ناشطين بيئيين وثقافيين واجتماعيين ووضعت تغيّر المناخ على رأس أولوياتها وهي في طور تنظيم حملة المناخ في العالم العربي، وكان السيد حميدان سابقا هو منظّم حملات غرينبيس في العالم العربي منذ 2003 الى 2006  

وائل حميدان

 

بعد التشخيص آن أوان العمل:

 

اجتمع أكثر من 200 ناشط بيئي واجتماعي من كافة أنحاء العالم في لندن يوم 12 و13 مايو/ايار لمناقشة الحملة الدولية حول تغيّر المناخ. ولم يتناول النقاش أهمية الموضوع أو الحاجة الى العمل عليه، إنما كيفية الحدّ من آثار تغيّر المناخ بأسرع الطرق الممكنة.

فقد أنهى المشاركون في هذا المؤتمر مناقشة أهمية تغيّر المناخ منذ فترة طويلة. وارتكز اهتمامهم الآن على كيفية التخفيض السريع لانبعاثات غاز الدفيئة التي أنتجت هذه المشكلة، لاسيما ثاني أكسيد الكربون الناجم عن الوقود الحجري مثل النفط والفحم.

وقد حضر المؤتمر أعضاء برلمان من الحزب الديمقراطي الليبرالي وأحزاب البيئة والعمل في بريطانيا ودول أوروبية أخرى. كما شاركت فيه منظمات دولية مثل منظمة أصدقاء الأرض وغرينبيس ومنظمة المساعدات المسيحية (ChristianAid).

ويبدو جلياً لكل من حضر المؤتمر أن الشغل الشاغل للمشاركين هو تغيّر المناخ. وهم ليسوا وحدهم. فمئات الآلاف من الأفراد والمعاهد في العالم يتشاطرون الاهتمام نفسه. وذكر إعلان الألفية لأمم المتحدة أن تغيّر المناخ من بين أسوأ المخاطر التي تهدّد الانسانية. وحتى أن بريطانيا اعتبرت ان تغيّر المناخ يأتي على سلّم أووياتها قبل مكافحة الارهاب. كما أن معاهد البيئة العالمية أعطت الاولوية لتغيّر المناخ قبل أي مشكلة أخرى تعمل عليها.

ولمَ لا؟  فمن المتوقع أن يتسبّب تغيّر المناخ بأكبر الاضرار في الاقتصاد والزراعة وأمن المياه في العالم. كما سيتخطى عدد اللاجئين من جراء تغيّر المناخ وارتفاع مستوى مياه البحر 200 مليون شخص، أي أكثر من عدد اللاجئين السياسيين. في مصر وحدها، سيصل العدد الى 14 مليون لاجئ مناخ. وتتوقّع الأمم المتحدة أن يعاني حوالى 4 مليار شخص، أي بمثابة ثلثي سكان العالم اليوم، من النقص في المياه بحلول العام 2080 و يعود السبب بمعظمه الى تغيّر المناخ. واعتبرت منظمة الصحة العالمية أن حوالى 150 ألف شخص يموتون سنوياً من جراء آثار تغيّر المناخ. وفي العالم العربي، سيتأثّر عشرات الملايين بشكل مباشر ومئات الملايين بشكل غير مباشر تغيّر المناخ. كما أن المناخ المتغير سوف يؤثر على زراعتنا ومواردنا المائية النادرة أصلاً.

 

الاستعداد ليوم التظاهرات العالمي:

هذا وقد تخلّل المؤتمر الدولي حول المناخ الاستعداد ليوم التظاهرات العالمي حول تغيّر المناخ الذي سيُنظّم يوم السبت 8 ديسمبر/كانون الأول 2007. ويتزامن هذا اليوم العالمي الذي يُعقد للمرة الثالثة مع محادثات الأمم المتحدة حول المناخ، بروتوكول كيوتو (COP13/MOP3) في بالي، اندونيسيا من 3 الى 14 ديسمبر/كانون الأول 2007. وكان الناس من كافة أنحاء العالم في العام السابق قد نزلوا الى الشوارع بالآلاف يطالبون قادة العالم بأخذ التدابير الطارئة والصارمة لتفادي آثار تغيّر المناخ الكارثية. وفي المملكة المتحد وحدها، شارك أكثر من 20 ألف شخص في التظاهرة، بينما نزل 75 ألف متظاهر الى شوارع أستراليا. ولم تشارك أي دولة عربية في الحدث.

ويُتوقّع أن يشارك عدد أكبر من الحشود في تظاهرات هذا العام. وبدأ الوقت ينفذ. وتعتبر لجنة الخبراء الدولية حول تغيّر المناخ أن أمامنا 8 سنوات فقط للتحرّك بشكل ملموس. وإلاّ فإن القيام بما يلزم سيكون مكلفاً وصعباً للغاية على الاقتصادات الدولية. وحسب التقديرات، نحن بحاجة، بما في ذلك الاتحاد الاوروبي، الى تخفيض 20% من انبعاثات غاز الدفيئة بحلول العام 2020 و50% بحلول العام 2050، إذا ما أردنا إبقاء ارتفاع الحرارة في العالم ما دون 2 درجة مئوية وتفادي تغييرات المناخ الكارثية. وهذا يعني أنه، إذا لم يتّفق قادة العالم في غضون 3 سنوات على عملية جديدة وحازمة لما بعد كيوتو (الذي ينتهي في العام 2012)، فإن الدول لن تتمكّن من المصادقة عليها في الوقت المحدّد.

ويشعر كل من الأفراد والحكومات والاحزاب والمنظمات في كل مكان بضيق هامش التحرّك. في كل مكان، باستثناء الدول العربية. فالعرب لم يشاركوا في أي من اليومين العالميَين السابقين للتظاهر ضد تغيّر المناخ. لمَ يبقَ العالم العربي متخلّفاً عن مكافحة تغيّر المناخ؟ قد تكثر الأجوبة على هذا السؤال.  فربما تعيق الدول الغنية بالنفط النقاش حول تغيّر المناخ في جامعة الدول العربية. أو ربما لدى المنطقة أولويات أخرى تقلق بشأنها، بدءاً من الصعوبات الاقتصادية مروراً بالوضع السياسي غير المستقرّ في الشرق الاوسط.

 

لماذا يتردد العرب؟:

لا يمكن أن نسمح باستمرار هذا الأمر.  تفوق مشكلة تهديد التغيّرات المناخيّة والحاجة الملحّة لإيجاد حل لها أيّة مشكلة أخرى لأنّها تضاعِف مشاكل الفقر والأمن المائي، ولا جدوى من العمل على حلّ هذه المشاكل من دون معالجة المشكلة الأساسيّة أوّلاً. فعلى سبيل المثال، ستؤثّر التغيّرات المناخيّة في دولنا العربيّة على مواردنا المائيّة وأراضينا الزراعيّة بشكلٍ خاص. وبما أنّ الزراعة تشكّل القطاع الإقتصادي الأوسع في منطقتنا وهي أكثر منطقة في العالم تعاني من الشحّ في المياه، فلم يعد بالإمكان تجاهل هذا الخطر بعد اليوم.

وقد يحمّل البعض مسؤوليّة هذه المشكلة للدول المتقدّمة التي بنت صناعتها واقتصادها على مدى مئتي سنة على حساب حرق الوقود الأحفوري وبالتالي أصبحت مسؤولة عن انبعاثات غازات الدفيئة في الجو، ممّا تسبّب بالتغيّرات المناخيّة. وبالرغم من هذا الواقع فهذا لا يعني أنّه ليس علينا أن نشعر بالقلق إزاء مسألة تهدّد اقتصادنا ومستقبلنا.

إذاً لمَ لا نطالب الدول المتقدّمة بالتحرّك لحلّ هذه المشكلة خصوصاً أنّ التأثيرات ستغدو أخطر في البلدان النامية؟ وماذا عن دور الدول النفطيّة؟ فعادةً إذا وُجِدَ مُنتَج يؤذي المستهلك، يتحمّل المنتِجون مسؤوليّة بضائعهم. فلماذا في حالة التغيّر المناخي لا تتحمّل الدول النفطيّة وتحديداً منظّمة الدول المصدرة للبترولالمسؤوليّة وهي التي تربح بلايين الدولارات من خلال النفط؟

وتجدر الإشارة إلى أنّ إحدى عشر دولة من الدول العربيّة الثلاث والعشرين تُنتج النفط، وتقع أربعة منها بين الدول العشر الأكثر تصديراً للنفط في العالم، ما يجعل من التغيّرات الحراريّة وانخفاض استعمال الوقود الأحفوري موضوعاً بغاية الحساسيّة بالنسبة لجامعة الدول العربيّة.

ومع ذلك، فإنّ معالجة التغيّرات المناخيّة لا تعني أنّ البلدان الغنيّة بالنفط في المنطقة ستخسر جميع مواردها. فأوّلا،ً ستكون تهديدات التغيّر المناخي أكثر تكلفة لاقتصادنا من فوائد النفط. فستخسر مصر، على سبيل المثال، أكثر من 30% من زراعة الحبوب، وسيصبح 20% من دلتا النيل تحت الماء إذا ارتفع مستوى سطح البحر الأبيض المتوسّط متراً واحداً، كما يمكن أن تختفي 75% تقريباً من مياه نهر النيل بسبب التغيّرات المناخيّة. وبما أنّ الاقتصاد والمجتمع المصري قائمان على القطاع الزراعي، وعلى دلتا النيل ونهر النيل، فلن تتمكّن الأرباح من النفط والغاز أن تعوّض تلك الخسارة الكبيرة.

ثانياً، رغم أنّ نفط العالم العربي يساهم بشكل رئيسي في التغيّرات المناخيّة لكن المنطقة قادرة على حل المشكلة بنفسها بسبب امتلاك منطقتنا أهمّ قدرة على الطاقة المتجددة في العالم. ويمكن لتكنولوجيا الطاقة المتجدّدة التي تشكّل البديل عن استعمال النفط والفحم والحل الوحيد لمشكلة التغيّر المناخي أن تصبح النفط المستقبلي. فإذا استهلكنا فقط 5% من الصحاري لبناء محطّات مركّزة لتوليد الطاقة الشمسية  يمكن أن نلبّي إحتياجات الطاقة في العالم بأسره. كما يمكننا تصدير هذه الطاقة مجدّداً للخارج ولكن هذه المرّة ستكون طاقة نظيفة ومتجدّدة. يبدو الأمر كالحلم ولكن الكثيرين يعملون على إنجاحه وتحويله إلى حقيقة. فقد أجرت ألمانيا وبلدان أوروبيّة أخرى دراسات حول كيفيّة الحصول على الطاقة الشمسيّة من شمال أفريقيا إلى أوروبا. وهناك مشاريع قيد التطوير إلاّ أنّها ليست كافية وتحتاج الى دعم من حكوماتنا.

ثالثاً، إنّ حل مشكلة التغيّرات المناخيّة لا يعني أنّه علينا أن نكف عن استعمال الوقود الأحفوري بشكلٍ كامل، فنحن بحاجة فقط إلى التخفيض من استعمال النفط والفحم بنسبة 50% بحلول العام 2050، ولكن حاجتنا إلى النفط لن تنتهي أبداً. والنفط مورد محدود وسيأتي يوم ونفقده نهائيّاً في المستقبل. فإذا خفّضت البلدان النفطيّة من استعمال النفط سوف تُطيل حياة مواردها وبالتالي تستفيد من استقرار اقتصادي على المدى البعيد. ولا يسعنا إلاّ أن نستفيد من المعالجة الجديّة للتغيّرات المناخيّة بما أننا سنخسر كل شيء إن لم نحرّك ساكناً. فالعالم العربي بحاجة إلى أن يوحّد كلمته وقراره والبدء بإظهار اهتمامه بشأن الخطر المناخي الذي يهدّد المنطقة والعالم. ولا يبقى لنا سوى أن نأمل أن يصل صوت الشارع العربي وقلق آلاف العرب خلال يوم التظاهر العالمي لحل أزمة التغيّر المناخي في كانون الأوّل/ديسمبر المقبل

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 609 مشاهدة
نشرت فى 26 أغسطس 2007 بواسطة fekrty

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

42,552