من يرسم سياسة أميركا تجاه العالم، والعرب خصوصاً؟ .. بقلم : د. فراس فرزت القطان


إن ارتباط بعض الأنظمة العربية بالمشروع الأميركي بشكل مطلق لم يعد من الأمور التي يتم كتمانها شعوراً بالعيب، أو من القضايا التي يُلمَّح عنها أو يُرمّز لها إحساساً بالخجل، بل أضحى أولى السياسات التي تفخر بها علناً هذه الأنظمة وتقدم لها المبررات والحجج وتحارب لأجلها بكل ما تملك وتستطيع. واليوم تستشهد وترحب هذه الأنظمة وجامعتها وقنواتها الإعلامية بأي تصريح أو قرار يصدر عن الخارجية الأميركية، مؤكدة من خلاله ضرورة إسقاط النظام في سورية، كي ينال الشعب السوري ديمقراطيته، هذا المطلب الذي أبكى أميركا ليل نهار «خوفاً» على الشعب السوري، وجعلها تستنفر لهدف تحقيق مطامح السوريين ومصالحهم!.

ويبرز هنا السؤال المهم، من المستنفر في الأصل حباً بهذا الشعب ومن المتباكي الحقيقي عليه، ومن ثم الموجّه الأساس للأطراف الدولية والإقليمية (وأخص تركيا وبعض أنظمة الخليج)؟.
يبدو من البدهي بالنسبة لأي إنسان – حتى ولو لم يكن على قدر عالٍ من المعرفة السياسية- الترابط الوثيق والمصالح المشتركة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية.

لكن قد يحدث أحياناً خلط عند البعض حول مَن منهما يوجه ويأمر الآخر ويرسم سياسته الخارجية، وإلى أي حد يتمّ هذا؟
ولكي تتجلى الصورة بشكل واضح، لابد من الخوض في طبيعة العلاقة وشكل التأثير، ولو بشيء من الاختصار.

فما دور اللجان الصهيونية، ووسائل الإعلام اليهودية بكل أشكالها داخل أميركا، فضلاً عن تأثير اللوبي الصهيوني في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمراحل الدراسية المختلفة في أميركا، إضافة للدور الذي يلعبه هذا اللوبي في نجاح المرشح لرئاسة الولايات المتحدة، ومن ثم في توجيهه بعد نجاحه في رسم سياسات أميركا الخارجية، وفي التأثير على أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ؟

بالنسبة للّجان اليهودية نلاحظ منها مثلاً، لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) التي تأسست منذ عام 1954، وتعتبر من أهم القوى الصهيونية المؤثرة في السياسة الخارجية والإستراتيجية الأميركية في الوطن العربي والمشرق الإسلامي، من خلال علاقاتها مع الكونغرس الأميركي، إذ تنفق عشرات الملايين من الدولارات لدعم أو لإسقاط الشيوخ والنواب، كما أن لديها شبكة قوية تراقب كل موقف يتعلق بإسرائيل وبصفقات الأسلحة للدول العربية، وتقود حملات الضغط من أجل دعم مواقف الحكومة الإسرائيلية وتقوية التحالف الصهيوني الأميركي، ومنع قيام تحالفات بين الولايات المتحدة والعالم العربي يمكن أن تضر بإسرائيل، ويلجأ الرؤساء الأميركيون لهذه اللجنة كلما أرادوا الحصول على موافقة الكونغرس بشأن أي أمر يريدون تمريره.

أما المنظمة الأخرى فهي مؤتمر رؤساء الجمعيات اليهودية الأميركية الكبرى، والتي تركز على نشر فكرة مفادها «أن أمن وقوة إسرائيل يمثل مصلحة كبرى للسياسة والإستراتيجية الأميركية».

وتعدّ جمعية بناي بيرث من أنشط المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية في مجال ملاحقة العناصر المؤيدة للعرب والفلسطينيين، ولها نشاطات كبيرة فيما يتعلق بالاستيطان اليهودي في فلسطين.

ولا يقتصر الأمر على هذه المنظمات، فهناك المؤتمر الوطني للدفاع عن اليهود، وأيضاً المجلس الاستشاري لعلاقات المجتمع اليهودي الوطني (نكراك)، واللجنة اليهودية الأميركية، وكذلك الحركة الصهيونية الأميركية التي تأسست عام 1993 وغير ذلك…، وكل هذه المنظمات تتصل برجال الكونغرس وتؤثر في صانعي القرار السياسي في أميركا، كما ترتبط هذه المنظمات بالمراكز والمعاهد السياسية والإستراتيجية الأميركية، كمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ومركز فريمان للدراسات الإستراتيجية في تكساس، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، ومعهد الدراسات السياسية والإستراتيجية المتقدمة، و….

أمّا فيما يتعلق بوسائل الإعلام، فاليهود يسيطرون سيطرة شبه كاملة على كل ما يمتُّ بصلة إلى صنع الأفكار وتسويقها في أميركا، من الجامعات إلى مراكز الأبحاث إلى وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ففي مجال الصحافة يسيطر اليهود سيطرة كاملة على أكثر من 200 (صحيفة يومية ومجلة أسبوعية أو شهرية أو دورية ووكالة أنباء) وتعتبر صحيفة نيويورك تايمز في المركز الأول وهي التي تكثر من نشر آراء الصهيونية، وتأتي صحيفة الواشنطن بوست في المرتبة الثانية من حيث خضوعها للسيطرة الصهيونية ويكثر انتشارها في أوساط الأجهزة الحكومية الأميركية التي تتحكم في رسم سياسات أميركا، كما يسيطر اليهود على الديلي نيوز، وستار ليدجر، وصن تايم، وعلى مجلة تايم، والنيوز ويك، وبزنس ويك…

وعلى صعيد السينما، فإن اليهود يستولون بشكل شبه مطلق على شركات الإنتاج السينمائي، كشركة فوكس وشركة غولدوين، وشركة مترو، وكذلك شركة خوان وارنر، وشركة برامونت، كما أن أكثر من 90% من مجموع العاملين في الحقل السينمائي الأميركي إنتاجاً وإخراجاً وتصويراً ومونتاجاً هم من اليهود. وبالنسبة لشبكات التلفزيون الأميركية يسيطر اليهود عليها سيطرة شبه تامة مثل (إي بي سي – إن بي سي – سي بي سي)، فضلاً عن سيطرة اليهود سيطرة خالصة على أكثر من 50% من دور النشر والطباعة كشركة راندوم هاوس التي تعد من أشهر دور النشر في العالم.

إضافة لاهتمام اليهود بالكتب المدرسية والجامعية، إذ تعمل على ترويضها بما يخدم أهداف ومخططات الصهيونية، ومثال ذلك إجبار طلاب مدارس الولايات المتحدة ـ التي تسيطر عليها الصهيونيّة – على دراسة الكثير من الكتب ومنها كتاب «كيف نما الشعب اليهودي» الذي يؤكد حق اليهود التاريخي والعقائدي في فلسطين.
وفي مجال الاقتصاد يلاحظ النشاط الفائق للرساميل اليهودية في مختلف قطاعات الاقتصاد الأميركي، كقطاع الإنتاج الحربي، والطاقة والبنوك والنفط والمناجم والكيمياء و…

إن كل المزايا السابقة التي يمتاز بها اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة سيكون لها تأثير كبير جداً إذا ما أضيف لها الدور الرئيسي الذي يقوم به هذا اللوبي في التأثير على المرشح لرئاسة أميركا، وكذلك في التأثير على أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ، وأيضاً في توجيه الرئيس الأميركي بعد انتخابه، فعلى صعيد انتخاب المرشح الرئاسي في أميركا نجد أن 76% من اليهود الأميركيين يعيشون في ست ولايات رئيسة هي (نيويورك – كاليفورنيا – بنسلفانيا – ألينوي – أوهايو – فلوريدا)، ولا يمكن لأي مرشح الفوز في الانتخابات دون أن يكسب أصوات ولاية نيويورك أو كاليفورنيا على الأقل. 

إن الانتخابات لرئاسة الولايات المتحدة تعتبر فرصة مناسبة لنشاط اللوبي الصهيوني، الذي يدعم بالمال والأصوات المرشح الذي يؤيد سياسة إسرائيل، وبمجرد الحصول على تأييد اللوبي اليهودي فإن المرشح يكون قد حصل على 60% من أمل النجاح، ولا يتوقف دور هذا اللوبي عند فوز المرشح، بل يفرض عليه تعيين مساعدين له في مناصب (كتّاب دولة- سفراء….)
إضافة لتأثير اللوبي على الهيئة التشريعية، وكذلك الضغط على الإدارة الأميركية لتقديم المساعدات السياسية والاقتصادية والعسكرية لإسرائيل..

وما أكثر الأمثلة على ذلك…!؛ ألم يكن رئيس أميركا كارتر عام 1976وطاقمه بالكامل (من وزير خارجيته سايروس فانس، إلى مستشاره لشؤون الأمن القومي زبغينيو بريجنسكي، وغيرهما من باقي الإدارة) قد انتقدوا سياسات الإدارات الأميركية السابقة المنفذة للأجندات الإسرائيلية؟، وكم أعلن كارتر لرئيس الوزراء الإسرائيلي رابين أنه سيخرق كل قواعد العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، وأنه سيتخذ مبادرات حول «الشرق الأوسط» دون الاستئذان من تل أبيب… ولكن ماذا كانت النتيجة، إلا قيام كارتر بعد عدة أعوام بتنفيذ مخطط رئيس وزراء إسرائيل بيغن الذي خَلَف رابين، فراح كارتر يروّج لعقد معاهدة مصرية – إسرائيلية، كما حذف من جدول أعماله كل ما وعد به.
ولماذا اغتيل الرئيس الأميركي جون كنيدي بعد أن خرج قليلاً على السياسات الإسرائيلية؟.

وبعد ذلك، ألم يقل الزعيم الجمهوري والمرشح الرئاسي الأميركي باتريك بوكانن أثناء الحرب على العراق: «إنها حرب دولة وحرب زعيم، لكنها بالتأكيد ليست حرب أميركا والجمهوريين وبوش، بقدر ما هي حرب إسرائيل والليكود وشارون»؟

واليوم تشن الخارجية الأميركية حرباً معلنة على سورية تنظم لها الصهيونية بشكل سرّي أحياناً ومكشوف أحياناً أخرى، محاولة تمزيق سورية من الداخل وتفتيتها وإشغالها عنها، عن طريق أدوات تابعة لها من أنظمة عربية تموّل وتسلح وتقتل، متباهية بكل تصريح وإعلان وعقوبات تأتي على لسان الإدارة الأميركية ضد الشعب السوري.

———

فراس فرزت القطان - صحيفة الوطن السورية

مدرس جامعي
دكتوراه في العلوم السياسية

fauze

فوزي أحمد

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 56 مشاهدة
نشرت فى 2 أكتوبر 2012 بواسطة fauze

fawzi fawzi

fauze
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

154,734