المعطيات التي تدفع حزب الله إلى استبعاد تجرؤ أي طرف خارجي على مهاجمة سوريا
إبراهيم بيرم - "النهار"
بعد انقضاء الشهر الثامن على اندلاع الاحداث في سوريا، والصمود الذي يبديه النظام هناك، رغم تعدد فصول الضغط عليه وتلونها، صار في مقدور المطلعين على اجواء "حزب الله" ان يخرجوا بمعادلة جوهرها امران:
الاول: ان على نظام الرئيس بشار الاسد ان يستمر في "ملحمة" الصمود التي بدأها وابلى فيها، شهرين آخرين فقط وبعدها ثمة وضع اخر ومرحلة جديدة على مستوى الداخل في المنطقة عموما.
الثاني: ان كل الضغوط الخارجية سواء منها الاجنبية او العربية على هذا النظام هي مجرد تهويل، ومحاولة فرض "هيمنة نفسية"، و"هزيمة معنوية" لأن احتمال حرب تعدها قوى خارجية على سوريا يكاد يكون معدوماً.
لا ريب ان "حزب الله" ينطلق في مقاربته للمسألة السورية منذ بدايتها من مسلمة اساسية هي ان ما يتعرض له هذا البلد، سببه تنكّبه لخيارات سياسية حازمة وحاسمة باتت معروفة، وهو واسطة العقد في محور الممانعة الذي يضم ايران والعراق من جهة ولبنان والمقاومة في فلسطين من جهة اخرى.
ولا تخفي دوائر المتابعة والتحليل في الحزب، حاجة النظام في سوريا الى ولوج حقيقي لباب الاصلاح المفضي الى تطوير العلاقة وتوسيعها بين النظام من جهة، والشعب السوري من جهة اخرى.
"ولكن بعدما اعلن نظام الرئيس الاسد التزامه العملي بالاصلاح المنشود، وشرع فيه، وبعدما رفض المعارضون الدخول في ورشة الاصلاح، وظهرت مجموعات التخريب والارهاب على الارض، وبعدما ارتفعت وتيرة الضغوط من جانب انظمة عربية ارتضت ان تكون مخلب القط ووكيل المهمات القذرة، اخذت الامور منحى آخر، وترسخ الاقتناع لدى الدوائر عينها بأن ثمة من يستهدف سوريا ونظامها بحرب شبيهة من حيث الاهداف والادوات الى درجة الشراسة بحرب تموز 2006، وباتت المعركة التي يخوضها النظام في سوريا، معركة مصيرية واستحال صراعا من اجل الخيارات السياسية الكبرى التي تريد اعادة رسم خريطة المنطقة، في ضوء 3 امور:
الاول: توجيه ضربة كبرى الى محور الممانعة.
الثاني: ملء الفراغ الذي سيحدث حتما بعيد الجلاء العسكري الاميركي الوشيك والحتمي عن العراق.
الثالث: اعادة خلط الاوراق في المنطقة والالتفاف على الثورات العربية المنجزة والحيلولة دون بلوغها مراحل ومستويات معينة تكون لقضية الصراع العربي - الاسرائيلي الاولية فيها".
انطلاقا من كل هذه المعطيات التي تراها تلك الدوائر في الحزب في "الحرب" المتوالية فصولا والمتنوعة الحلقات والاوجه على سوريا، فإن الدوائر عينها تجد اوجه شبه بينها وبين استهدافات حرب تموز 2006 وان اختلفت الادوات وتغيرت قائمة الاهداف.
وأبعد من ذلك، تعتبر الدوائر ذاتها ان خروج نظام بشار الاسد من هذه المعركة المفروضة عليه حاليا يماثل الى حد بعيد صورة الحزب، وقد خرج في 23 ايلول عام 2006 من تحت ركام الاحياء المدمرة في الضاحية الجنوبية ليرفع اشارة النصر.
المسافة الزمنية لبلوغ هذه اللحظة المنشودة لا تتجاوز الاسابيع القليلة، وتحديدا لا تتعدى الشهر الاول من السنة المقبلة، حيث ان محور الممانعة الذي صمد طوال الاعوام الممتدة من عام 1982 وحتى اليوم، وراكم انجازات معينة، من حقه ان يحتفي بلحظة خروج الاميركي من العراق، بعدما امضى فيه نحو ثمانية اعوام، لأن له بعد ذلك تصوره لوضع المنطقة عموما ولموازين القوى فيها ولمآل الاوضاع.
لذا كان الكلام الذي تطلقه الدوائر عينها عن ضرورة ان يبقى النظام السوري على صموده وممانعته، وان يحافظ على منطق السيطرة والتحكم في ادارة المواجهة على كل المستويات، وهو ما اتقنه وبرع فيه طوال الاشهر الثمانية، على حد ما وصلت اليه هذه الدوائر من استنتاجات وقراءات.
والذي يرصد عن كثب كيفية مقاربة "حزب الله" لملف الحدث السوري بعد انفجاره في منتصف اذار المنصرم، لاحظ تدرجا منهجيا مدروسا، الى ان افصح قبل ايام وبلسان امينه العام السيد حسن نصرالله عن الرؤية الذروة وعن بعض معالم الاحتمالات القاسية اذا ما تجرأت جهة ما وفكرت في فتح ابواب الحرب المباشرة او التدخل في سوريا.
في البداية يركز خطاب الحزب على امرين اساسيين: الاول الدعوة الى ترك الامر السوري للسوريين انفسهم وعدم الرهان على تراكم ما يؤدي الى اسقاط النظام في سوريا لأن طبيعة الوضع فيها، تختلف عن سواها، فالنظام هناك شريك اساسي في عملية المواجهة لاسرائيل ولمخططاتها، وفي صلب دعم محور المقاومة للكيان الصهيوني.
ولاحقا ارتفعت وتيرة مطالبة الحزب بالتجاوب مع الطروحات الاصلاحية التي عرضها النظام السوري، والدخول في عملية الحوار الوطني حول كل الامور والملفات المطروحة، وخصوصا ان النظام هناك فتح ابوابه وصدره لكل المطامح الاصلاحية بما فيها الاستعداد لاحداث تحول جذري في طبيعة النظام وماهيته بعدما اعلن استعداده لمناقشة فكرة "الحزب القائد" التي تشكل جوهر النظام وركيزته.
وفي الخطابين الاخيرين للسيد نصرالله ومع ارتفاع وتيرة التلويح والتهويل بحرب على سوريا او بعمل ما على المنطقة العازلة من جهة الحدود التركية، تكشفت اكثر فأكثر توجهات الحزب، اذ اعلن السيد نصرالله صراحة ان سوريا ليست ليبيا لأن على تخومها كيان اسمه اسرائيل، وان الحرب لو فتحت ابوابها فهي تنطوي على احتمال ان تتدرج.
وهذا الكلام اذا ما ترجم عمليا، معناه ان اي حرب تطاول سوريا فإن اسرائيل لن تكون بمنأى عنها اطلاقا.
ومعناه ايضا ان الحرب اياها التي تستهدف دولة بعينها، فإن ثمة قوى في المنطقة وفي مقدمها الحزب يعتبرها حربا ضد هذا المحور التي تشكل سوريا واسطة عقده، وهو وضع من شأنه ان يدخل المنطقة كلها في المجهول كتجسيد عملي لصورة ذاك التحالف الذي ظهرت صورة رموزه جلية في ذات يوم من شباط عام 2010، في قصر المهاجرين في قلب دمشق، وبالتالي فإن الحرب التي يمكن ان تبدأ بالمفرق تحمل في طياتها احتمالا كبيرا وجديا في ان تصير حربا بالجملة لأن محور الممانعة الذي افصح عن نفسه مرارا ابلغ من يعنيهم الامر أنه موجود وان عليهم ان يحسبوا دوما حسابه في كل حساباتهم للمنطقة، وسيأتي حين من الدهر سيتعين عليه ان يثبت ذلك بالملموس لادراكه ووعيه التام بانه اذا ما سقطت حلقة منه، فلن تترك بقية الحلقات لشأنها.
لهذا فإن المحور اياه مضطر الى ان يواجه وان يربح. اما مسألة محاصرة سوريا سياسيا وعسكريا واقتصاديا فذاك شأن آخر وله حسابات اخرى.
المصدر: ابراهيم بيرم / النهار
نشرت فى 22 نوفمبر 2011
بواسطة fauze
fawzi fawzi
أقسام الموقع
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
154,709

