مقدمة
لعل مصطلح أدب الإعاقة،مصطلح حديث النشأة،ظهر أخيرا مع تطور نظرة المجتمع نحو ذوي الإعاقة في شتى مجالات الحياة، وهو مصطلح تبنته مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية التي تسعى إلى تتبع كل ما من شانه العمل على الرقي بذوي الإعاقة علاجا وتعليما وانخراطا في الحياة و المجتمع، ومن هنا قامت هذه المؤسسة بتأسيس جائزة سنوية لأدب الإعاقة في السنوات القليلة الماضية كرست لهذا المصطلح الجديد الذي يختص فيما كتب عن الإعاقة وعن ذوي الإعاقة ،سواء من طرف الأدباء من ذوي الإعاقة أو من الأدباء الأصحاء ،بمعنى أن أدب الإعاقة يبحث تأثير الإعاقة وتوابعها في الصور الأدبية المستحدثة والتي يكون سبب وجودها أو نشوءها هو تداعيات الإعاقة.
ولسنا هنا نكرس انفصال الأشخاص ذوي الإعاقة عن مجتمعاتهم ،إذ يكفيهم انفصالا وتهميشا من طرف المجتمع، فهذا الذي يعيش في الدنيا بحواجز قد خلقها البشر لهم نتيجة ما يعانون من إعاقات..لا ينقصه أن توضع له حواجز جديدة حتى في مجال الأدب تتحول مع الوقت إلى عزلة لا إرادية،إنما هدفنا استجلاء تلك القيم والأحاسيس والصور الرائعة المستنبطة مما كتبه ذووا الإعاقة أو مما كتب عنهم،وهذا الهدف هو ما تسعى إليه هذه الورقة البسيطة التي تسلط الضوء على الجهود المباركة التي أسهم فيها ذووا الإعاقة ،فأحرزوا قصب السبق في ميادين العلم والأدب،ولمعت أسماؤهم في سمائه،فخلفوا لنا قدوة تقتدى،وطريقا ممهدا يبلغنا ما نسعى إليه في دفع إخواننا ذوي الإعاقة الآخرين،وكل أفراد المجتمع للتأسي بهم والسير على منوالهم .
وأدبنا العربي زاخر بأدباء مبدعين من التراث العربي الإسلامي وحتى أدبنا الحديث.. أدباء أبدعوا.. وتحدوا الإعاقة بإنتاجهم الأدبي، ولم تقف الإعاقة عائقاً أمام تقدمهم أو تنقص من مساواتهم بالآخرين الخالين من أي إعاقة،وقد لا نستطيع إحصاء العديد من هؤلاء المبدعين الذين اثروا الإنسانية بأعمالهم الأدبية أمثال: أبو العلاء المعري (صاحب رسالة الغفران)و بشار بن برد(الشاعر كان له قدرة عظيمة على الوصف برغم كف بصره بفضل حدسه الكبير)،والدكتور طه حسين (الذي احدث ضجة ورجة في ميدان الأدب في العصر الحديث بتأليفه التي اخترقت جمود مطلع القرن العشرين)ومصطفى صادق الرافعي(ذلك الأصم الذي ذاد عن الإسلام والعربية في أربعة عشر مؤلفا أهمها:تحت راية القران،وتاريخ الأدب العربي ووحي القلم) وعبد الله البردوني (الشاعر اليمني الضرير الذي وقف وقفة تحدي في وجه الإعاقة وفي وجه الظلم الذي كان سائدا مطلع الستينيات في اليمن أيام حكم الإمام،فكان منظر الثورة اليمنية آنذاك حيث كان للشعر دوره،وأيام لا وجود الفضائيات والفيس بوك)وفي الأدب العالمي لويس بورخيس الشاعر والروائي الأرجنتيني الكبير
وفي هذه الورقة البسيطة سوف نتطرق الى :
1-تعريف الإعاقة
2-التأليف في الإعاقة
3-الموضوعات الشعرية لأدب العربي الموسوم بأدب الإعاقة
4-خصائص أدب الإعاقة
اولا: تعريف الإعاقة
قبل أن نلج موضوع أدب الإعاقة لابد أولا أن نلقي نظرة سريعة حول مفهوم الإعاقة لغة واصطلاحا وثقافة عبر العصور إلى يومنا هذا، برغم انه لا يمكن لأي تعريف مهما كانت دقته أن يحيط بكل الحيثيات التي يتضمنها اصطلاح الإعاقة،اذ لا يمكن –حسب رائي-أن يختزل في بضع كلمات وجمل تجربة أو تجارب فريدة يعيشها كل شخص أصابته إعاقة،ومع هذا نحاول التعريف،فالإعاقة لغة وكما ورد في قاموس المحيط فإن كلمة(العوقُ) تعني الحبس والصرف والتثبيط ، ويقول صاحب مختار الصحاح : عوق ( عاقه) عن كذا ، حبسه عنه وصرفه.
وكان ذووا الإعاقة فيما مضى يسمون بالمقعدين ثم أطلقوا عليهم لفظ ذوي العاهات او ذوي الزمانة ،ثم مسمى العاجزين، ولما تطورت النظرة إليهم على أنهم ليسوا عاجزين، لأن المجتمع هو الذي عجز عن استيعابهم ،وعجز عن تقبلهم، وعجز عن الاستفادة منهم مما قد يزيد هوة عدم التعرف على مميزات أو مواهب أو صفات أو قدرات لديهم يمكن تنميتُها وتدريبها بحيث يتكيفون مع مجتمعهم رغم عاهاتهم ، بل ربما يفوقون غيرهم ممن نطلق عليهم تجاوزاً الأسوياء ، أي عندما أدرك المجتمع أنه هو الذي يصنع تلك العوائق التي تمنع ذوي الإعاقة من التكيف معه، غيّر نظرته اتجاههم ، عندئذ أصبحت المراجع العلمية والهيئات المتخصصة تسميهم المعاقون بمعنى وجود عائق يعوقهم عن التكيف مع المجتمع ، ثم أصبحوا يسمون بذوي الاحتياجات الخاصة،كونهم لديهم حاجات عامة يشبعونها كما الآخرين،وحاجات خاصة تخصهم وحدهم نتيجة لذلك الخلل الجسدي او الحسي او الذهني الذي أصابهم...ليأتي المصطلح الأخير الذي تبنته الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة لسنة2006 الموسوم بذوي الإعاقة،حيث جاء في ديباجة الاتفاقية: أن الأشخاص ذوي الإعاقة هم كل الأشخاص الذين يعانون من عاهات طويلة الأجل بدنية أو عقلية أو ذهنية أو حسية، قد تمنعهم لدى التعامل مع مختلف الحواجز من المشاركة بصورة كاملة وفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين"ومن هنا فأن الإعاقة تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين.
أما الإعاقة من وجهة نظري المتواضعة لها وجهان:
الوجه الأول: يتمثل في الإعاقة الداخلية،وهي إعاقة الإرادة والطموح،فالذي لا يملك إرادة المقاومة،يعتبر معوقا فعلا ،حتى ولو كان في كامل قواه الصحية والعقلية.
أما الوجه الثاني:فيتمثل الإعاقة الخارجية،وهي تلك الحواجز التي يضعها المجتمع في طريق الشخص ذو الإعاقة(حواجز معنوية)تتمثل في النظرة النمطية القاصرة اتجاه الإعاقة والمصابين بها،و(حواجز مادية)تتمثل في عدم الأخذ بعين الاعتبار ظروف ذوي الإعاقة في كل مراحل التخطيط العمراني والاقتصادي وغيرها من المجالات.
التأليف في ذوي الإعاقة:
إذا كان العلماء والمؤلفون والأدباء الأقدمون قد اغنوا مكتبتنا التراثية بالعديد من الكتب المتنوعة الثرية في مضامينها وموضوعاتها،فإنهم لم يغفلوا عن تناول اخص الخصائص الجزئية التي تبلور اتجاها أو تبدي ملمحا من الممكن دراستها،ولو ضربنا مثلا على ذلك في التأليف في الشعراء،لوجدنا كتبا شتى منها لفحول الشعراء،وللمؤتلف والمختلف من أسمائهم،ولكناهم وألقابهم ،ومن لقب ببيت قاله،ومن سمي باسم أمه،أو من تحزب إلى حزب...الخ من التصنيفات،ويبرز سؤال هام: إذا كان سلفنا قد تنبه إلى كل هذا،فهل اغفل التأليف لفئة امتحنت بالصبر،وابتليت بفقد حاسة أو عضو أو تشويه خلقي؟أم أنهم رعوها حق رعايتها....والمضطلع على ترثنا الزاخر يستجلي بوضوح المواقف الرائدة لهؤلاء العلماء الذين استطاعوا أن يجعلوا من الإعاقة وساما على صدور أصحابها،فهي دليل النبوغ والتميز والتفرد،وليست عيبا يوصم به الفرد،أو عارا يفضحه،ولعل(الجاحظ) هو أول من بحث عن الجدوى والقيمة الحقيقية لمثل هذه المؤلفات،لأنه يريد البحث عنهم ،والتأليف فيهم،وذكر أخبارهم وقصصهم،الرفع من شأنهم،وتوجيه الأنظار إلى مكانتهم،وإظهار أن هذه الإعاقة لم تحل بينهم وبين السيادة والريادة،ولم تكن حاجزا في بناء مجتمعهم،بل كانت حافزا إلى استنهاض هممهم،وتجميع قواهم لبلوغ غاياتهم في شتى المجالات،وبذلك يكون الجاحظ هو أول من خص مؤلفا تاما لهذه الفئة،فهو بتأليف كتاب(البر صان والمعرجان والحولان والعميان)يكون أول من فتح الطريق في هذا الميدان،ثم تلاه (الزمخشري) في كتابه(تسلية الضرير)،ثم يأتي(الصفدي) ليتفوق على من سبقه في الهدف والغاية والنهج والأسلوب،فالصفدي بحق يعد- بعد الجاحظ- الوريث الوحيد الذي استطاع أن يؤلف كتابين كبيرين الأول هو(نكت الهميان في نكت العميان)والثاني :(الشعور بالعور)،ومع هذا نلحظ بأن مكتبتنا العربية تفتقر إلى كتاب أدبي متخصص في الإعاقة ما عدا بعض البحوث والدراسات المتفرقة هنا وهناك ولم يسبق أن قام مؤلف بتخصيص بحث شامل في أدب الإعاقة،كما فعل الدكتور(عبد الرزاق حسين) في كتابه الشامل(الإعاقة في الأدب العربي)والذي أفادني كثيرا في هذه الورقة،كما ننوه بكتابات السيرة الذاتية حول الإعاقة كمثل (كتاب الأيام)للدكتور طه حسين،وكتاب مذاق الصبر للكاتب العماني محمد عيد العريمي.
الموضوعات الشعرية للأدب العربي الموسوم بأدب الإعاقة
تنوعت الموضوعات الشعرية التي تناولت الإعاقة ،ولم يتوقف تناولها عند الشعراء من ذوي الإعاقة فقط،بل تعدتهم إلى الأصحاء الذين توجهوا بهذه الموضوعات إلى نظرائهم من ذوي الإعاقة.
وإذا ما رحنا نبحث في الموضوعات ،فإننا نستطيع حصرها في الموضوعات الآتية:(الرثاء،والفخر،والوصف،والغزل،والمدح ،والهجاء)ولعل مثل هذه الدراسات الجديدة لهذا اللون من الشعر تظهرنا على جوانب عميقة مريرة،وتوقفنا على آثار رائعة تكشف لنا عن الجوانب النفسية وحركاتها الموارة،وتطلعنا على آراء ومواقف في الكون والحياة والنفس والناس،وتبهرنا بصورها الفنية،وألفاظها المبتكرة وأسلوبها المتميز،وسنتناول هذه الموضوعات بالترتيب مبتدئين بالرثاء
فإذا كان مفهوم الرثاء في الشعر العربي هو ندب الميت بإظهار التفجع والحزن والأسى ،وتأبينه بذكر فضائله ومناقبه،ثم التعزي والتأسي بمن سلف من الأمم الماضية،فان مفهوم الرثاء في الإعاقة يشمله ويضيف إليه من الجديد ما هو حري بالتقدير ،فهو في المفهوم العام كرثاء ذوي الإعاقة لنظرائهم أو رثاء الأصحاء لهم،أما في المفهوم الخاص فهو رثاء الأعضاء المفقودة،والحواس المتعطلة عن أداء عملها الذي يعد موضوعا جديدا في هذا الميدان.
إذ يكاد هذا الفرع من الرثاء يتعدد بتعدد الأعضاء المفقودة،فمنهم من رثا عينيه،ومنهم من رثا رجليه أو يديه،أو غير ذلك.
وباستعراضنا للباحثين الذين بحثوا في الرثاء فقد وجدنا الغالب على هذه البحوث رثاء للأموات، ولم تلتفت إلى موضوع حيوي لعله في جودته الفنية وإصابته الموضوعية،وصدق تعبيره عن التجربة الشعرية،اقوي واشد تأثيرا وتعبيرا،فالذي يعاني من فقد عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه،يترجم عن معاناة ويعبر عن مأساة،وهو حين يرثي إذ ذاك إنما ينقل إلينا الحالة التي عاشها ويعيشها،والألم بنوعيه :الجسدي والنفسي،وإذا كان الألم الجسدي ينقضي باندمال الجراح ،فان الألم النفسي قد يستمر مع المصاب في كل أحواله ،فالذي فقد حاسة أو عضوا قد يألم من رؤيته لغيره من الأصحاء أو عندما يشعر بالعجز عن استعمال هذه الحاسة أو ذلك العضو ،ومن هنا يستمر الألم وتستمر المعاناة ...والإحساس بالفقد مختلف عند هذه الطوائف ولذلك وجدنا تناولها أيضا مختلفا،فمنهم من أحس بعظم الرزء وفداحة المصيبة فبكى بكاء مرا،ومنهم من صبر وفوض أمره إلى الله،ومنهم من سار في طريق آخر فرأى أن ما حدث له إنما هو راجع لمكانته وتميزه،وهذا التنوع في العرض والتعبير يضفي على الموضوع جدة وحيوية وطرافة وثراء
رثاء العيون
البصر من النعم العديدة التي من الله بها على عباده، ولسنا هنا بصدد بيان أهمية هذه النعمة العظيمة التي يعلمها كل إنسان ،ولكننا نحاول تبيان اثر فقدها عند من ابتلي بذلك من الشعراء ،فندخل إلى عوالمهم ،ونتجول في مدارج نفسياتهم،ونقف على أعتاب مكنوناتهم ومشاعرهم،فتتضح لنا شخصياتهم وأفكارهم ،ومن خلال استعراضنا للعديد من نماذج رثاء البصر،وجدناها تسير في اتجاهين:(اتجاه الصبر والرضى واتجاه الشكوى والألم)
1
-اتجاه الشكوى والألم:
فالإنسان كما يخبرنا الله عز وجل(خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا)ومن هذا المنطلق راح الشعراء يطلقون آهاتهم في أنغام حزينة،يعبرون بها عن مصيبتهم وشدة إحساسهم بالفقد وهكذا غرقوا في بحر أحزانهم ودموعهم،كيف لا والموضوع هو فقد أغلى ما لدى الإنسان من حواس،فهذا الشاعر الأندلسي(أبو المخشي) الذي يتعرض لتجربة من اشد التجارب ألما ،كيف لا وهو الذي قطع بعض لسانه،وسملت عيناه،ومع أن لسانه قد صلح جزئيا،إلا أن عماه استمر به،فصور لنا محنة العمى ابلغ تصوير وأروعه حيث نقل لنا تلك المصيبة-لا كيف حدثت-وإنما صورها لنا بنتائجها،تلك النتائج التي لم تقتصر عليه،وإنما انسحبت على أسرته،فهذه زوجته المكفية المترفة تتكفف الناس،إذ عبر شاعرنا عن ذلك بكناية لطيفة حيث قال:
خضعت أم بناتي للعدا*******إذ قضى الله بأمر فمضى
وهو قبل ذلك يصور لنا حزن زوجته التي رأته بعد فقدان بصره،يدب على الأرض بعصاه فتبكي وجدا وتقول قولة تذهب مثلا،وتظل جرحا غائرا في قلب شاعرنا حيث يصب ألم محنته في هذه الأبيات:
ورأت أعمى ضريرا إنما ******مشيُه في الأرض لمْسٌ بالعصا
فبكت وجدا وقالت قولة*******وهي حرى بلغت مني المـــــدى
ففؤادي قَرحٌ من قولها*******ما من الأدواء داء كالعمــــــــى
وهذا الشاعر(صالح بن عبد القدوس)لم يترك كلمة عزاء ومواساة وثكل وحزن إلا أتى بها في قصيدة تكاد تكون نواحا في كل ألفاظها فيقول:
عزاءكَ أيها العين السكــــــوبُ*******ودمعك إنها نُوَبً تنــــوبُ
وكنتِ كريمتي و سراجَ وجهي*******وكانت لي بك الدنيا تطيبُ
فإن أكُ قد ثكِلتك فـي حياتــــي******* وفارقني بك الإلْفُ الحبيبُ
فكل قرينَةٍ لابُـــد يومــــــــــــا*******سيشْعَبُ إلْفَهَا عنها شعوبُ
على الدنيا السلامُ فمـا لشيـخٍ*******ضريرَ العين في الدنيا نصيبُ
يموت المرء وهو يُعَدُ حيـــا*******ويخْلفُ ظنُه الأمــل ُ الكـذوبُ
ويتساوى الموت والوجود والعدم في نظر(ناصر الدين شافع)إذا فقد الإنسان ناظريه فيقول:
أضحى وجودي برُغمي في الورى عدماً******إذ ليس لي فيهِمُ وردٌ ولا صَدَرُ
عَدِمْتُ عينـــي ومــا لـي فيـهِـمُ أثـــــــرُ******فهل وجـــودٌ ولا عينٌ ولا أثرُ
وإذا كان إحساس الشاعر الكفيف بأنه لا قيمة لوجوده إذ يعيش سجينا أو كالمقبور، وان هذه الحياة ظلمة متصلة،فكيف يكون شعوره وعلاقته مع الآخرين؟؟ فقد دفع بالشعراء المكفوفين ذووا الشكوى والألم مزاجهم الحاد إلى الوقوف من الآخرين موقف الشك والتوجس ،وأحيانا موقف السخط وعدم الرضا،ومن الشعر المنسوب إلى ابي (العلاء المعري )من السخرية بالناس ما فيه حيث يزعم خلو الحياة من الناس إذ يقول:
أبا العــلا يا ابن سليمانــــــا******إن العمى أولاك إحسانا
لو عاينَتْ عيناكَ هذا الورى******لم يرى إنسانُكَ إنسانـــا
ويشتط في المبالغة حتى يصب نقمته على كل شيء في هذه الدنيا،فلا يرى فيها ما يأسى على النظر إليه إذ يقول: قالوا العمى منظرً قبيحٌ****قلت بفقدانكم يهونُ
والله ما في الوجود شيً***تأسى على فقده العيونُ
ونتساءل عن السبب الذي افقد هذه الفئة من المكفوفين المتبرمين توازنها، فانعزلت وهي في أمس الحاجة إلى غيرها، فهل يرجع ذلك إلى المكفوف نفسه الذي أحس بالضيق والتبرم من عاهته؟ أم أن إحجام المجتمع عن تفهمه وتفهم عاهته هو ما أدى إلى آثار نفسية سلبية تحبط المكفوف وتضاعف أحزانه؟
ربما نكتفي بهذا القدر من النماذج من الشعر الحزين المتبرم لشعراء مكفوفين حاولوا أن يترجموا ذلك الوجع الذي يسافر في أعماقهم وهم يفقدون سراج حياتهم،ويفتقدون لمجتمع يحس بآلامهم وطموحاتهم،وطبعا هناك اتجاه ثان من الشعراء ذوي الإعاقة البصرية هم عكس ما أوردناه من الشعراء الذين أوغلوا في الشكوى والأنين ،فخرج شعرهم معبرا عن هذه الأحاسيس والمشاعر التي لونت نظرتهم إلى المجتمع والحياة والكون،ليأتي الاتجاه الثاني ويطلعنا على جانب آخر من جوانب النفس البشرية،جانب الحزم والفرح والبر والثبات ليسجل لنا تجارب أخرى ،تجارب مفعمة بالرضا والإيمان سوف نعرض لشعرها من خلال بقية المواضيع ومن خلال خصائص شعر الإعاقة.
وقبل أن نلج غرضا آخر من أغراض شعر الإعاقة،أقول بان رثاء الأعضاء لم يخص رثاء العيون فقط،بل هناك من رثى أطرافه من يدين ورجلين.
ومن الشعر المعبر الذي يضفي على هذا اللون من الشعر قيمة موضوعية وفنية،الشعر الذي ينهل من تعدد المصائب والعاهات،وبلا شك فان معالجة هذه التجارب بأدب فني بارع،ووضوح بارز للعاطفة،وتصوير جزئيات التجربة ،إلى جانب صدقها وتميزها عن طرائق الشعر المعروفة ،كل ذلك يؤكد لنا أن شعرنا العربي فيه من العالمية،وفيه من الشمولية والإنسانية ما فيه من الجديد دائما،فهذا(أبو راشد الضبي) يعرض لنا في ثلاث لقطات جوانب من محنته.
اللقطة الأولى: في كونه أعرج ثم عمي وفيها يعبر عن مرارته وسخريته من خلال رد على من أهدى له عصا بعد أن إصابته العاهة الأولى ،حيث يطلب المُهدي بإهدائه عصا أخرى تصلح للعاهة الأخرى إذ يقول:
وهبتَ عصا العُرجان عونا ومرفقا***** فأين عصا العُميان يا بن حبيبِ
فقد صرت أعمى بعد أن كنت أعرجا***** أنوء على عودٍ أصمً صليــــبِ
فلما اكتملت المحنتان لم يعد قادرا على المشي فاقعد ولما طال قعوده قال في لقطة أخرى:
أرى كلً داء فيه للقوم راحة******وداؤك مسمور الرِتاجِ عسيرُ
فصبرا فإن الصبر أجدى مغبة*****عليك وأنواع البلاء كثيـــــرُ
وفي قوله : وأنواع البلاء كثير ،كأنه كان يتوقع الكثير من الرزايا والمصائب،ومع انه دعا نفسه إلى الصبر إلا انه لم يستطع أن يكبح جماح خواطره وان يقد إحساساته وان يكتم مشاعره حين جفاه أهله وأصحابه وجيرانه،ولعل هذه اللقطة الثالثة من أروع اللقطات لأنها صورت حالته من جميع جوانبها الجسدية والنفسية ،فهو يبدأ بماضيه حيث كان يطوف الأرض براحلته شرقا وغربا،شمالا وجنوبا ،فلم يبقى منها مكان إلا ومر عليه،والآن تغير الحال وضاقت عليه حتى أصبحت كحباله الصائد،ويتحول أمره فجأة ،فهو يذكر الماضي في صدر بيت واحد وكأن هذا الماضي الطويل بكل مباهجه ومسراته وقوة الشباب مر كطرفة عين فاكتفى بصدر بيت واحد من الشعر،ثم يمضي في الأبيات العديدة من قصيدته يرثي لحاله ،ويصور الوضع الجديد،ويعرض لنا رأيه ،ثم يختم بالدعاء في أن يشرح الله صدره بشعر يسُم فيه هؤلاء الجفاة الذين تركوه وهو في أمس الحاجة إليهم،وحاجته بهم هينة ،فهو يريد فقط المؤانسة والمساعدة في بعض ما لا يستطيع عمله ،أما وقد اهملوه وجفوه وازدروه فهم يستحقون منه ان يعرض بهم على الرغم من عدم محبته لذكر اللئام،ولكنهم اجبروه على السير في طريق لا يريده اذ يقول:
قد كنت انضي الخافقين برحلتي***فصار جماع الأرض كفة حابل
أبول وأنجو في مكاني ومقعدي***وعندي عجوز ما تعين بطائل
وفي الموت للزمنى جمال وراحة**وفي القبر ستر للفقير المحامل
وما كل محتاج يجود بعرضــه****ويؤثر في الأقوام لؤم المداخل
كذاك وما للمرء صبر وحسبة****اذا ما ابتلي فيها بجوع مطاول
وليس بمعذور إذا طال صمته****فيهلك بؤسا من مخافة عاذل
وما ذاك من عزل ولا خور به***فيثني عليه لؤمه في المحافل
ولكنه مــا دام حيــا كميــــت****فلابد أن يحيا ببعض المآكل
يقيم ُحشاشات النفوس بمذقة****ويشرب غبا من فضول المناهل
ويشكو بطرف العين ايماض مشفق***إلى كل مجهول المناسب خامل
سأعرف قومي ثم اعرف جيرتي***وما أنا عن ذم القريب بغافل
ولا اشتهي ذكر اللئام تكلفا***فأصبح فيهم عارفا مثل جاهل
وأسال ربي أن ينشطني لهم***ويشرح صدري بالهجاء المذاحل
ويرزقني فيهم عروضا محببا***وصدق مقال غير قيل الاباطل
فيصبح وسمي لائحا بجلودهم***واعلم أني مدرك بطــــــــوائل
رثاء السمع:
إذا كان الله عز وجل قد قدم السمع على البصر،فذلك لما لهذه الحاسة من اثر عظيم في تنمية جميع جوانب النفس البشرية،علميا وثقافيا واجتماعيا،اذ هي النافذة الأولى التي تنفذ منها الأصوات لتدركها المشاعر ،ومن هنا نستطيع تفسير الآيات الكريمة التي قدمت السمع على البصر،كما نستطيع تفسير حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعوته لأمته بالآذان في أذن الطفل اليمنى بعد ولادته مباشرة،والإقامة في الأذن اليسرى،وكأني به عليه الصلاة والسلام يريد أن ينقش في صفحة الطفل البيضاء كلمة التوحيد ،فتكون أول ما نقش في قلبه وشعوره ووجدانه،كما لا يخفى علينا ارتباط السمع بحاسة النطق،هذا الارتباط المتلازم،فالصمم المبكر للأطفال يؤدي إلى فقدان النطق،وإذا فقد الإنسان حاسة النطق التي ميز بها عن سائر الخلق،فإننا ندرك أهمية السمع،أما إذا جاء فقد السمع نتيجة لمرض عضوي،او حادث من الحوادث بعد مرور الإنسان بمرحلة من عمره ،فانه بلا شك يفقد حاسة واحدة فقط ،إذ أن ذلك لا يؤثر على حاسة النطق،ولكنه يؤثر نفسيا واجتماعيا على الشخص نفسه ،فيصيبه الهم والغم،وتتناوشه الوساوس والأوهام،ولننقل هذه اللقطة المفعمة بالأسى ،المترعة بالحزن لشاعر فقد سمعه هو(خالد بن زيد الجهضمي) في قوله:
كفى حزَنًا أني أجالس معشرا ... يخوضون في بعض الحديث وأمسكُ
وما ذاك من عيٍ ولا من جهالة ...... ولكنه ما فــيً للصوت مسلك
فإن سُـد مني السمع فالله قـادر ... على فتحــه والله بالعبد أمـلك
الموضوع الثاني:الفخـــــر
الفخر بالعاهة شكل من أشكال التعويض وأسلوب من أساليب الترضي للنفس،ونوع من أنواع التخريج ورد الفعل،ولعله أيضا حالة دفاعية محضة استوجبتها إرادة الطموح والتصميم الجاد،واستنفرتها توقع الهجوم والشعور بالنقص ،فها هو (ابو العيناء)يتقدم لخطبة امرأة فترفضه فيقول مفتخرا: وشاطرة لما رأتني تنــــكرت****وقالت :قبيح أحول ما له جسم
فان تنكري مني احولالا فإنني*****أريب أديب لا غبي ولا فــــــــــدم(قليل الفهم)
وكما يقول (بشار بن برد):
عميت جنينا والذكاء من العمى****فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
كما تبين بان بعضهم عد ذلك نعمة من النعم،فهذا (ابو علي البصير)يرى اثر هذه النعمة بادية على (أبي العيناء)الكفيف فيقول في ذلك:
قــد كنتُ خِفتُ يــــــدَ الزمــــا*****ن عليك إذْ ذهب البصـــرْ
لـــم أدرِ أنـــــك بالعــمـــــــى*****تُغْنــــى ويفتقــــرُ البشــرْ
ويخطب (الأعرج الطائي) امرأة فتشكو عرَجَه إلى جارتها،فيدعوها إلى الموازنة بينه وبين الأصحاء الذين يساويهم بل ،وقد يرجًح عليهم ،وفي ذلك يقول:
تشكى إلى جاراتها وتعيبنـــــي***** فقالت معاذ الله أنكح ذا الرِجْـلِ
فكم من صحيح لو يوَازَن بيننا**** لكنـا سواء ولَــمَالَ بـه حِـــمْلـى
الموضوع الثالث الوصف
إذا كان الشعر في اغلبه يعود إلى الوصف-كما يرى ابن رشيق القيرواني-فان الشعر العربي قد ترك ذخيرة في هذا الغرض ضخمة ضخامة الموصوفات ،عميقة عمق أسرارها،جلية جلاء أشكالها،فيها من البعد للمتأمل،وفيها من القرب لمُشاهد العيان ما فيها من الدقة والرقة والشمول والإحاطة ،ولسنا هنا بصدد سبر أغوار هذا الغرض ،وإنما غرضنا أن نبين ميدانا جديدا لم ينتبه له الكثير من دارسي الشعر العربي،ألا وهو غرض الوصف للإعاقة نفسها ،فالوصف هنا ليس دراسة لما وصفه الشعراء من ذوي الإعاقة من مظاهر الطبيعة الصامتة والمتحركة،فهم كغيرهم في هذا الميدان ،وان كان لبعضهم التميز الذي قد نذكره عند حديثنا عن خصائص شعر الإعاقة ،وإنما هو ذلك الوصف الذي اختص بالإعاقة ،سواء أكان من شعراء من ذوي الإعاقة،او من الشعراء الأصحاء في وصف الإعاقة،وإذا ما تجلينا صورة هذا الوصف ،وأردنا تبيان قيمته الفنية قلنا: إنه وصف نهل من معين المأساة،واستمد من قوة التجربة ومرارة المعاناة،من الصدق الفني ،والبعد الإنساني،إلى جانب ما أبدعه من جديد الصور ورائعها،وما خلفه من طريفها وساخرها،فهذا الشاعر(الأسود بن يعفر النهشلي) يصف العمى بالظلام الدامس،والسد الذي يحول بينه وبين رؤية الاشياء فيقول:
ومن الحوادث لا أب لكِ أنني****ضُرِبتْ علي الأرض بالأسدادِ
لا أهتدي فيها لموقع تَلْعَــــةٍ****بين العراق وبين أرضِ مـرادِ
ولشدة الظلام والإظلام فقد وصفوا العمى بالقبر،لأن مقامهم كما يقول أحدهم(مقامي منه مظلم الجو قاتم) فهو كالمقبور سواء عليه ليله ونهاره:
فها أنا كالمقبور في كسْرِ منزلي****سواءٌ صباحي عندَه ومسائي
وها هو الخريمي يبين لنا بان العين لا تقدر بثمن اذ يقول:
لله عيني التي فَجِعْتت بهــا****لو أن دهرا بها يواتينـــي
لو كنت خيرت ما أخذت بها****تعميرُ نوحٍ في ملك قارونِ
إنها الجوهرة الناذرة حقا تلك التي تفضل على ألف سنة إلا خمسين عاما،وتلك التي يختارها على ثروة قارون الضخمة التي لا يستطيع حمل مفاتيحها إلا ذو القوة والبأس .
ولم يتوقف الوصف عند حد وصف الإعاقة وصفا جامدا،بل ها هم أولاء يصفون لنا حالاتهم التي يحيونها،فمن حالة بين الحياة والموت،إلى الموت المحقق إلى العدم والهباء،ونراهم بعد ذلك ينتقلون من الحركة الداخلية إلى الحركة الخارجية،فهذ(ابو المخشي)يصف مشي الكفيف وهو يضرب بعصاه الأرض على غير هدى،أو بقائد يقوده،يكثر من سؤال الناس ،وإذا ما سار معهم كان عبئا ثقيلا عليهم أو هكذا يقول: أبصرت مستبدلا من طرفه****قـــــائدا يسعى به حيث سعى
بالعصا أن لم يقده قائـــــد****وسؤال الناس يمشي أن مشى
ومن الطريف في الوصف ،وصف الأشياء بالعمى،ولعلهم رأوا في صاحب الحاجة انه يغمض عينيه عن كل شيء ،إلا حاجته،وقد يصيبه عمى القلب والضمير في سبيل الحصول عليها،يقول (ادريس بن عبد الله النابلسي الضرير):
صاحب الحاجة أعمى****وهْو ذو مال بصيرْ
فمتى يبصر فيـــــــها****رُشدَه أعمى فقيـــرْ
ويصف العباس بن الاحنف،النجم بالعمى فيقول:
والنجم في كبد السماء كأنه****اعمى تحيًـر ما لديه قائدُ
ويصف بشار بن برد الجهل بالعمى-وهو بالفعل العمى الحقيقي- فيقول:
شفاء العمى طولَ السؤال وانما****دوام العمى طول السكوت على الجهل
الموضوع الرابع :الغزل
غزل ذوي الإعاقة ذو نكهة خاصة،تهب نسائمه من أعماق النفوس المصهورة بالألم،وتنفجر ينابيعه من قلوب حرى يحذوها الأمل ،وأنت حين تصافحه تلمس فيه صدق المعاناة ،وحرارة التجربة،وجمال الوصف ،ـودقة الرصف،وحسن التعليل،وجديد التشبيه والتمثيل،ناهيك عن أساليبهم الطريفة،وألفاظهم المدغدغة للعواطف والأحاسيس،ولنقرا هذه الأبيات الجميلة حين يتغزل (ابن قزل) في فتاة كفيفة فيقول:
قالوا تعشًقْتَهَا عمياءَ قُلـتُ لهم****ما شانها ذاك في عيني ولا قدحـــــا
بل وزاد وجدي فيها أنها أبدا****لا تعرفُ الشيب في فوْدَيً إذ وضحا
إن يجرحِ السيفُ مسلولا فلا عجبٌ****وإنما أَعْجبْ لسيف مُغمَدٍ جرحا
كأنما هي بستــــانٌ خلوتُ بــــــه****ونام ناطورُهُ سكرانَ قد طفحا
تفتًح الورد فيه من كمائمــــــــه****والنرجِسُ الغض فيه بعدما افتتحا
فالشاعر بعد أن يرد على اللوام لومهم ،يعلل سبب حبه لها،فهو يرى أن العمى لا يشينها أو ينقصها في عينه،بل قد يعينه في الغض عن ضعفه ومشيبه ،ثم هو يعجب من تمكنها من قلبه كل العجب،اذ كيف استطاعت وهي على هذه الحال أن تصيبه بسهام الوجد والهيام؟ فمن الطبيعي الذي لا غرابة فيه أن تصيب المرأة البصيرة قلب الرجل ،ومن العجيب الغريب في عرف مجتمعاتنا أن تفعل فعلها فاقدة البصر،ولكن لا عجب ،فهي بستان ناضر اخذ عليه مجامع قلبه بهذا الورد المتفتح ،على الرغم من أن النرجس لا زال في كمائمه لم يتفتح.
ويزيد (ابن قزل) في ذلك ،اذ يرى أن العمى زاد في جمال محبوبته المكفوفة،فإذا كان الشعراء يتغنون بنرجس العيون الذابلة ،فمحبوبته-كما يقول:
أن الكمال أصاب في محبوبتي****لما أصاب بعينه عينيــــــها
زادت حلاوتها فصِرْتَ تخالُها****وَسْنَى وقد أسر الكرى جفنيها
وإذا ما تغير الحال فبدل أن تكون المحبوبة عمياء والمحب مبصر،فماذا لو كان المحب أعمى والمحبوبة مبصرة؟هل تتغير النبرة؟وهل يختلف الإحساس؟نعم فهذه كاعب تتعجب من هذا الضرير العاشق،فأنى يعشق وهو لا يرى؟ فيجيبها(العز الإربلي) قائلا:
وكـــــاعبٍ قـــالت لأترابهـــــا****يا قوم ما أعجب هذا الضريرْ
هل تعشقُ العينان ما لا تــــرى***فقلتُ والدمعُ بعيني غزيــــــرْ
إن كان طرفي لا يرى شخصَها***فإنها قد صُوِِرتْ في الضميـرْ
ولعل هذه الفكرة راودته من قول (بشار بن برد) في شعره المشهور:
يا قوم أُذْنى لبعض الحي عاشقة**** والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قــــالوا بمن تهذي فقلت لهـــــم*****الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وهم جميعا يبدؤون بإجابة سائل السؤال ،حتى إذا سئلوا هذا السؤال ،تكون الإجابة جاهزة،فهذا (مظفر بن إبراهيم الضرير) يصوغ الفكرة ذاتها فيقولك
قالوا عشِقْتَ وأنت أعمـــــى****ظبيا كحيل الطرف ألمى
وحـــــــــلاه مـــا عاينْتَهــــا****فتقولَ قد شغلَتك وهمــا
وخيالـــــــه بك في المنـــــا****م فما أطــاف ولا أَلَمًــــا
فأجبتُ إني مـــــوســـــــــو****يُ العشق إنصاتــا وفهما
ويدعو (عرقلة الكلبي) محبوبه لأن يرحمه،ويذكرنا بالحسن اليوسفي،ونصف الأعمى،لأنه كان به عور في إحدى عينيه فيقول:
أقـــــــولُ والقلبُ في هـــمٍ وتعذيبِ****يا كلِ يوسفَ ارحم نصف يعقوب
(ونلاحظ هنا كيف ابتكروا هذه الصور الجميلة المستحدثة يا كلِ يوسف (كناية عن الجمال البارع)ونصف يعقوب(كناية عن إصابته بالعور في عين واحدة)
ونختم باب الغزل بهذه الأبيات الغزلية الرائعة ،المؤلمة التي تدل على الأسى الغامر،وأكاد أسميها رثاء الغزل،إذ يعبر عن شعوره بالضيق،واليأس من الغواني بعدما لحقه من العرج،والحدب،والفقر، والذلة،ما ينفرهن منه،فهذا ذو الركبة الشاعر الأعرج يبين لنا سبب ابتعاد الغواني عنه ،وسخريتهن منه،اذ يقول: سَخَرَ الغواني أن رأَيْنَ مُوَيهِنا****كالنوء أكْلَفَ شاحبٍ منهوكِ
والركبتان مُفَارِقٌ رأساهمـــــا****والظًهرُ أحدبُ والمعاشُ ركيكُ
سئم الحياة ولاح في أعطافــهِ****قَشَفُ الفقيـــــر وذِلةُ المملوكِ
الموضوع الخامس:المدح
بين الفخر والمدح صلة قوية ،فالفاخر كالمادح يلتقيان عند مواطن التميز،ومظاهر التفرد،وعلامات السؤدد،ولعل مدح ذوي الإعاقة فيه من الصدق الواقعي الكثير ،اذ أن كثيرا ممن مدحوا لم يكونوا من ذوي السلطان فتُخشى صولتهم وبطشهم،او ذوي الجاه والمال لنيل عطاياهم،فيأتي المدح جافا،انما هو مدح شفاف وصادق ،فهذا (سيار بن رافع الليثي) يمد صديقه(أوفى بن موألة)فيقول:
رأيت ُأوْفَى بُعَيْدَ الشيبِ من كثبِ****في الدار يمشي على رجل من الخشبِ
جعَلْتَ للعُرْجِ مجدا لم يكن لهـــمُ****وللقصار مقــــالا آخـــــــــــر الحقـــبِ
وتولى أحد المكفوفين قضاء صعيد مصر،فأثنى على عدله وحسن قيامه على القضاء ،شاعر من شعراء عصره فقال:قالوا تولى الصعيدُ أعمى****فقلتُ لا بل بألف عينٍ
ويرسل ابو بكر بن سعيد عامل غرناطة الى الشاعر (ابي بكر المخزومي الضرير)دعوة لحضور مجلسه ومنتداه،ويثني عليه فيها قائلا:
يا ثانيا للمعــــري***في حُسن نظْم ونثْرِ
وفرط ظُرْف ونبلِ***وغوص فهم وفكـرِ
صِل ثم واصل حَفِيَا**بكل شكرٍ وبرِ
وليــــس إلا حــديثً**كما زها عقدُ درِ
بعض خصائص أدب الإعاقة
لن نتعرض هنا إلى خصائص أدب ذوي الإعاقة من الكتاب والأدباء،وإنما سنعرض لخصائص أدب أو شعر الإعاقة التي تبدت من خلال دراسة ألأغراض،ومن خلال متابعتنا لما ورد من شعر في هذا الموضوع،وقد ظهرت هذه الخصائص في ما يلي: تراسل الحواس،التعويض،تحسين القبيح،وحسن التعليل والتصوير.
تراسل الحواس
يدعي أصحاب المذاهب النقدية ان الشعر الحديث اعتد بالتصوير،واختلف أصحاب كل مذهب في الصورة المطلوبة،فهل هي تلك التي تناظر بين الطبيعة وحالات النفس كما هي عند الرومانسية؟ أم هي تلك الصور الموضوعية الحسية المجسمة البعيدة عن عواطف الشاعر كما هي عند البر ناسية؟ أم هي تلك الصور التي تتوافر لها الصفات الإيحائية باللجوء الى وسائل تضفي على اللغة الوجدانية كل جديد،وتضيف لها ما يعجز التعبير عنه،كما هي الرمزية؟
واذا قلنا :إن المذهبين السابقين قد وجدا بصورهما في كثير من الآداب،فالصور الذاتية والموضوعية هي قوام الأدب ،فهل من جديد أضافه الرمزيون الى الصورة ،بدعواهم الى اغناء الفكر،وإثراء الصور عن طريق بعض الوسائل،ومن هذه الوسائل(تراسل الحواس)أي وصف مدركات كل حاسة من الحواس بصفات مدركات الحاسة الأخرى،فتعطي المسموعات ألوانا،وتصير المشمومات أنغاما،وتصبح المرئيات عاطرة،كما تتبادل هذه الحواس وظائفها،فاليد ترى،والعين تشم،والأذن تحس،والأنف يسمع،والجلد يشم،وقد انطلق بعض النقاد من خلال هذه الرؤية لتقدير الصورة الشعرية،وعدوا ذلك فتحا مبينا في عالم الشعر والصورة معا.
ومما نعاه الناقدون المحدثون على أدبنا العربي القديم،هو أن صوره صور مجردة شكلية خارجية لا تعنى بالجوهر،ولا تنطلق إلى ذات الموصوف لتعبر عن حالاته،ولكننا نلاحظ في بعض الشعر الذي اختص بالإعاقة قد وجد فيه هذا الفن التصويري الموسوم بتراسل الحواس،فهذا بهذه أقوال بشار بن برد الشاعر العربي العملاق وهو يقول:
يا قوم أُذْنى لبعض الحي عاشقة**** والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قــــالوا بمن تهذي فقلت لهـــــم*****الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
ويقول مرة ثانية: فقلتُ دعوا قلبي وما اختار وارتضى****فبالقلب لا بالعين يُبْصِرُ ذو اللُبِ
فبشار يعلمنا أن الأذن والفؤاد والقلب تراسلت مع العين وأخذت وظيفتها في رؤية الأشياء ،ويقول (الأعمى التطيلي) موضحا هذه القضية بصراحة ووضوح،وفهم لتبادل وظائف الحواس:
فانظرْ بعقلك إن العين كاذبةٌ****واسمع بحسك ان السمع خوانُ
واذا كانت العين والأذن تتبادلان الوظائف في الحب،فإنها تتبادل هذه الوظيفة مع اليد،للتعرف على الأشياء،ومن ذلك قول(ابن العلاف): عيناي كفاي لا طرفٌ أَلَذُ به***وكيف يفرحُ من عيناهُ كفاهُ
الخاصية الثانية:التعويض
إن البيتين اللذين عبر بهما ابن عباس عن إصابته في عينيه ،يعدان أساس نظرية التعويض ،فابن عباس يمثل هذه القضية خير تمثيل في قوله:
إنْ يأْخُذِ اللهُ من عينَي نورَهما****ففي لساني وسمعي منهما نورُ
قلبي ذكي وعقلي غيرُ ذي دخلٍ****وفي فمي صارمً كالسيفِ مأثُور
وهذا ابراهيم التطيلي يرى ان ما يحمله في صدره يغنيه ويعوضه عن فقد بصره ،كما يقول:
إن نازعَ الدهرُ في ثِنْتَيْنِ من عددي****فواحدٌ في ضلوعي يبهرُ العددا
تُغْني عن الشُهُبِ في اجفانه مُقَلا****من كانتِ الشمسُ في أضلاعه خلدا
أما أبو علي البصير فيجد في سمعه الذي هو محبرته،وفي قلبه الذي هو دفتره ما يغنيه عن القراءة التي هي أسلوب طلاب العلم كما يقول:
إذا ما غَدَتْ طلابةُ العلم ما لها****من العلم إلا ما يُخَلًدُ في الكُتُبِ
غدوتُ بتشميرٍ وجدٍ عليهِــــمُ****ومحبرتي سمعي ودفترها قلبي
وابو علي المنطقي يستغني ببصيرته عن بصره كما يذكر:
إن يجرح الدهر مني غيرَ جارحةٍ ****ففي البصائر ما يغني عن البصر
الخاصية الثالثة:تحسين القبيح
ورد فيما عرضناه سابقا ان بعض الشعراء المكفوفين رددوا عبارات نفهم منها ان العمى افضل من البصر،فهذا ابو العلاء المعري لا يأسى على فقد عيونه:
قالوا العمى منظرً قبيحٌ****قلت بفقدانكم يهونُ
والله ما في الوجود شيً***تأسى على فقده العيونُ
وهذا آخر يسر بعماه ويرى في ذلك نعمة،لأنه لو نظر إلى الناس لاشتهى العمى،يقول المبارك بن سعيد النحوي: قد سرني دهري وما ساءني****بفقد عيني بل أنعمـــــا
لو كنتُ ذا عينٍ وعاينتهــــم****لكان أشهى ما إليً العمى
وقيل لقتادة:«ما بال العميان أذكى واكيس من البصراء،فقال: لأن أبصارهم تحولت الى قلوبهم »،ويعدد (ابو يعقوب الخريمي)فضائل العمى،تحسينا له وتجميلا،فيقول:«من فضائل العمى ومحاسنه:اجتماع الراي والذهن،وقوة الكيْس والحفظ،وسقوط الواجب من الحقوق،والأمان من فضول النظر الداعية الى الذنوب،وفقد النظر الى الثقلاء والبغضاء،وحسن العوض عن تراخي الوجد في دار الثواب»وفي ذلك يقول (منصور الفقيه): يا معرضا إذ رآني ****لما رآني ضريرا
كم قد رأيت بصيراً****أعمى وأعمى بصيرا
قل لي وان أنت أنصف***ت قلت خلقا كثيرا
الخاصية الرابعة:حسن التعليل
إذا كان الشعراء المكفوفون قد حسنوا العمى،فإننا نجدهم هم وغيرهم من ذوي الإعاقات ،قد أحسنوا التعليل في الرد على محاوريهم او أسئلتهم الداخلية،فهذا شاعر يعلل تعليلا جميلا سبب عور محبوبته،فهي لم تصب بالعور،ولكن عينيها لشدة وهجهما تحولتا الى ضرائر للشمس فكان ان غارت إحداهما: ضرائرُ صارتا فلا عجب****عليك إحداهما إذا غارتْ
وشاعر آخر يرى ان ذلك من لطف الله بالعباد ،وإلا فان سهام عينيه او عينيها سيكثر القتل في بني البشر: لُطفُ الله ردً سهْمَيْكَ سهْما****رأفة بالعباد فازددت ِ حسْنا
الخاصية الخامسة:التصوير
التصوير فن أجاده الشعراء ،ولكل شاعر طريقته التي تميزه من غيره،ومع دخوله مع عموم شعراء عصره في الخصائص العامة،ولكنك إذا ما صافحت شعر ذوي الإعاقة،او الشعر الذي قيل فيهم،فإنك ستلمس تأليفا جديدا في الصورة ،لا في الإطار فحسب،فقد جددوا شكلا ومضمونا،فصورهم تضج بمعاناتهم وآلامهم ،بأمانيهم وآمالهم ،فيها حدة الألم وطرافة السخرية،انها ضحك كالبكاء،وبكاء كالضحك،واذا ما رحنا نستعرض جوانب التصوير في شعرهم فان اول ما نلحظه تأليف الأعمى،فلعل الفطنة اوحت الى الشعراء هذه الصورة جعلتهم يتصرفون فيها،باستنباط أشكال متعددة منها،فهذا أعور العين اليمنى يساير صديقا له اعور العين اليمنى أيضا،ينظر في حاله وحال صديقه،فلم يسعه الموقف الا ان يقول: أَلَمْ ترانا إذا سرنا جميعا****الى الحاجات ليس لها نظيرُ
أسايره على يمنى يديــه****وفيمــــا بيننا رجل ضريـــرُ
والى جانب تلك الصور المؤلفة الجديدة،فقد وقعوا على وصف الحالات النفسية والاجتماعية،وصوروا حالات داخلية وخارجية عرضنا للكثير منها في حديثنا عن أغراض وموضوعات شعر الإعاقة.
الخاتمة
ونخلص أخيرا الى ان قيمة مثل هذه البحوث حول أدب الإعاقة تكمن أولا في الكشف على ان مكانة ذوي الإعاقة في مجتمعاتنا العربية القديمة والحديثة مكانة كبيرة،وأنهم منخرطون في الحياة العامة مثلهم مثل الآخرين ،وتكمن قيمتها ايضا في الرد على المقولات النقدية التي كثيرا ما تتجنى على أدبنا العربي،فمقولة ان ادبنا العربي ادب وصفي،يصف الظاهرة من خارجها ولا يتعمقها،تكاد تنقضها مثل هذه الأبحاث القليلة نقضا تاما،من خلال تلك النماذج الرائعة التي قدمنا منها القليل،والتي تتحدث عن شدة المعاناة في طرفيها النفسي والجسدي،كما اثبتت قدرة ادبنا العربي على تخطي الظواهر العامة،والعبور الى ادق التفاصيل في النفس الإنسانية،فتلك المشاعر التي سطرها شعراؤنا وأدباؤنا نحو الذات والمجتمع والحياة تؤكد هذا العبور وترسم ملامحه.
اما كون هذا الادب لم يتوقف عند غرض معين او طبقة مخصصة،كما يشاع عنه،بانه أدب الناقة والجمل،او شعر المديح والحكام،فان مثل هذه البحوث تظهر توجه أدبنا العربي الى فئات المجتمع المختلفة،فهذه الفئة التي ابتليت بمحنة الإعاقة ظهرت ظهورا جليا من خلال ما قالوا وما قيل فيهم،ومن خلال هذا التسلسل التأليفي الذي بدأ مبكرا مع ابن الهيثم،ثم الجاحظ،ومن تبعهما بعد ذلك.
وإذا كانت القضايا المطروحة قد ناقشت جوانب متعددة في الإعاقة،وألقت الضوء عليها من مختلف المناحي والزوايا،فان العبور الى نفوس ذوي الإعاقة والتعرف على آمالهم وآلامهم ،وتصورهم ورؤاهم ما كان ليتم الا بالتعرف على أفكارهم وآرائهم من خلال نتاجهم الأدبي ،ومن هنا كانت الموضوعات الشعرية هي البوابة العريضة التي أفسحت المجال لندخل الى ذواتهم،ونستقصي أحوالهم،ونستقرئ مشاعرهم.
النهاية



ساحة النقاش