 |
|
التطبيق العملي أهم مشكلات التعليم الطبي بمصر |
سمعت وقرأت كثيرًا -بل عايشت- المستوى المنحدر الذي وصلت له الحالة التعليمية في مصر، ولكني كنت أتصور إلى وقت قريب أن التعليم الطبي بمنأى إلى حد ما عن هذا التدهور.. فمنذ صغرنا ومناهج التعليم تغرس في عقولنا أن الطبيب المصري له سمعة طيبة عربيًّا ودوليًّا، ولكن للأسف حتى هذا الاستثناء الذي كنت أسعد به لم يَعُد موجودًا، ودخل التعليم الطبي ضمن منظومة التعليم الفاشلة التي تهدد مستقبل هذا البلد.
هذا الكلام لا أقوله تشاؤمًا، ولكني لمسته عن قرب من خلال تجربة كان شقيقي الأصغر الذي يدرس في السنة النهائية بكلية الطب هو أحد أبطالها، وإليكم التفاصيل:
دخل شقيقي على غير عادته المنزل حزينًا وكأن هموم الدنيا كلها تجمعت فوق رأسه.. سألته: ماذا بك يا محمود؟
قال والدموع تترقرق في عينيه: اضطررت إلى اقتراض مبلغ مالي على غير عادتي من أحد الزملاء.
هدأت من روعه وقلت له: وما المشكلة في ذلك؟ كلنا معرضون لهذا الموقف، فلا تكون مفرطًا في الحساسية.
ولكنه ما لبث أن قال لي: مشكلتي ليست في الاقتراض، ولكن في السبب الذي اقترضت من أجله، ثم تابع قائلا: تصور أني اقترضت حتى أنجح في الامتحان، فحتى أجتاز امتحان العملي لا بد أن أقوم بالكشف على بعض مرضى الحالات المزمنة والنادرة لأكتب تقريرًا عنها، وهؤلاء المرضى لا يقبلون أن يكشف عليهم أحد إلا إذا دفع مبلغًا من المال لا يقل عن 50 جنيهًا!.
ابتسمت قائلا: إذن ما جسّده الممثل المصري عادل إمام في فيلمه "على باب الوزير" عن هذه الظاهرة صحيحًا.
من يدفع كثيرًا.. ينجح
نجحت كلمتي هذه في إخراجه من حالة الاكتئاب، فابتسم قائلا: لا لقد تجاوز هذا الأمر بكثير وتحول هؤلاء المرضى إلى سلعة رائجة هذه الأيام، فلا يُطلبون من الكليات فقط، ولكن من مراكز الدروس الخصوصية أيضًا، فيدفع لهم الطالب مرتين، مرة في المركز، ومرة أخرى في الكلية، وكل مريض منهم له تسعيرة لا يقبل بأقل منها، فمن يملك التسعيرة يجد تعاونًا من هؤلاء المرضى، والغريب أن هذا التعاون لا يعني أن الطالب ستترك له حرية الكشف على المريض، ولكنه يقتصر على قيام المريض بإعطاء الطالب تفاصيل حالته لكتابة التقرير، فمن كثرة تردد المريض على الامتحانات استوعب حالته وعرف تفاصيلها باللغة الإنجليزية.
إذن، فالمسألة أشبه بتمثيلية؟ قلتها، وأنا أكاد أبكي.
فأجابني: للأسف نعم، ولكنها تمثيلية رديئة؛ لأن السيناريو صار محفوظًا، فالكلية تعلم تمامًا أن هؤلاء المرضى لا يتحدثون إلا بالنقود، ونحن نعلم أننا لن ننجح إلا إذا دفعنا هذه النقود.
مرضنا.. مصدر دخلنا!
إلى هنا انتهى حديثي مع شقيقي، ولكن حكايته استفزتني، فقررت إعداد تحقيق صحفي عنها، فطلبت منه عناوين بعض مراكز الدروس الخصوصية حتى أتمكن من لقاء بعض هؤلاء المرضى فذلك سيكون أسهل بتلك المراكز عن الذهاب إلى الكليات والدخول في دوامة بعض الإجراءات الأمنية.
انتابت شقيقي عاصفة من الضحك، وفوجئت به يخرج من جيب قميصه مجموعة من الكروت الشخصية، قائلا: لست بحاجة إلى الذهاب إلى المركز.. فهذه أرقام هواتفهم وزعوها علينا بعد الامتحان، يمكنك الاتصال بهم.
لم أنتظر طويلا.. قمت على الفور بالاتصال بأحدهم، فسألته متعجبًا عن السبب الذي يدفعه إلى المتاجرة بمرضه.
فقال لي: سؤالك إجابته أظنك تعرفها، ثم أردف قائلا: الحاجة إلى المال قطعًا، فأنا كنت أعمل بإحدى شركات القطاع الخاص، ولكنهم استغنوا عن خدماتي بسبب مرضي، وهذا هو مصدر دخلي الوحيد.
وقال لي مريض آخر: أعمل بائع بأحد المحلات، وفي اليوم الذي تطلبني فيه الكلية أتغيب عن عملي، فطبيعي أن أحصل على أموال تعوضني عن هذا الغياب.
وقال ثالث: كل شيء في مصر أصبح بالنقود، واختفت كلمة "مجانًا" من قاموس حياتنا، فنحن لسنا شواذ عن المجتمع الذي يبيع أي شيء.
أسلوب غير أخلاقي
حملت هذه التفسيرات التي قدمها المرضى وعرضتها على د. إسماعيل شلبي أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق، فأكد أن هذه الظاهرة منشؤها نسبة الفقر التي زادت بشكل كبير في المجتمع المصري؛ بسبب التباطؤ الاقتصادي، حيث وصل عدد الفقراء وفق تقرير التنمية البشرية إلى 34 مليون مصري.
ولكن رغم ذلك، فإن د. شلبي لا يوافق على اتباع هذا الأسلوب الذي يصفه بأنه غير أخلاقي للحصول على المال والذي حوَّل المرض إلى ما يشبه السلعة القابلة للتداول في السوق.
ويضيف: لو بررنا لهؤلاء المرضى سلوكهم، فبالمثل ينبغي أن نبرر أيضًا للسارق لجوءه للسرقة، بحجة الظروف الاقتصادية الصعبة.
دروس عملية في الكذب
وتتفق د. سهير عبد العزيز عميدة كلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر مع الرأي السابق في عدم قبول أي مبررات لهذا المسلك، قائلة: إنه حوَّل امتحانات العملي في كليات الطب إلى تدريبات عملية في الكذب والخداع.
وتساءلت: هل الطبيب الذي نجح بهذا الكذب والخداع، يمكن أن نأمنه على حياتنا؟!.
وأكدت أن المشكلة ستظل قائمة طالما بقي نظام تقويم الطلاب قائمًا على نظام الامتحان الواحد الذي يخسر معه الطالب كل شيء، إذا لم يوفق، وبالتالي يتحايل الجميع لاجتياز هذا الامتحان، وسمح ذلك بنشأة هذا "البيزنس" الذي عانى منه الطالب المتميز وغير المجتهد على حد سواء.
ولذلك طالبت د. سهير بضرورة وجود أكثر من امتحان، وأن توجد آلية تسمح للأستاذ بوضع تقدير خاص للطالب المتميز خلال العام الدراسي بصرف النظر عن نتيجة الامتحان، فقد يكون الطالب متميزًا ولكن يتعرض لظروف ما قبل الامتحان تجعله لا يؤدي جيدًا، ولكن هذا يحتاج كما أكدت د. سهير إلى وجود علاقة بين الأستاذ والطالب، ولن يتحقق ذلك بالطبع إلا إذا انخفضت أعداد القبول بالكليات، وهذا يحتاج إلى تغيير في منظومة التعليم ككل منذ المرحلة الابتدائية حتى الجامعة.
الإمكانيات مشكلتنا
ومن جانبهم، اعترف عمداء كليات الطب بهذه الظاهرة، ورأوا أن الحلول السابقة غير عملية، وقال أحدهم -رفض ذكر اسمه- إن مشكلتنا الوحيدة في الإمكانيات، فالتعليم الطبي بالخارج يعتمد -حاليًّا- على نماذج صناعية يدرس عليها الطالب كل شيء، فإذا توفرت لنا هذه الإمكانيات، فاسألونا بعد ذلك عن أي تقصير.
إذن، فالقضية لها جانب يتعلق بنظام التعليم، وآخر يتعلق بالإمكانيات، وتبقى حقيقة أن هناك مشكلة تحتاج إلى علاج. |
ساحة النقاش