انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.. ما لها وما عليها

 

 

أنصار لحركة حماس يتسلقون مبى المجلس التشريعى للتعبير عن فرحتهم

لا يعني إجراء الانتخابات الثانية لمجلس سلطة الحكم الذاتي بالضفة وغزة، المعروف بالمجلس التشريعي الفلسطيني، وضع حد للتناظر المحتدم حول صلة الاحتلال بالديمقراطية، ولا يقدم إجابة نهائية عن السؤال المتعلق بأيهما أولاً: الاستقلال أم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي؟.

فبعد الانتخابات سيظل هناك من يشكك في مدى شرعية ومشروعية وسلامة هذا الإجراء، على اعتبار أن الانتخابات كركن من أركان النظام الديمقراطي، تقتضي وجود المواطن الحر في وطن حر. كما سيبقى من جانب آخر من يدفع بأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وأن الاحتكام للانتخابات بين يدي سلطة تمارس بالفعل بعض صلاحيات الحكم والسياسة والإدارة أفضل بكثير من أية آلية أخرى لتصعيد من يضطلعون بهذه المهمات. ويقينا تنطوي كل واحدة من الرؤيتين في حد ذاتها على قدر كبير من الصواب؛ الأمر الذي يبرز تعقيدات الحالة الفلسطينية وحيرة المعالجات الجادة التي تتطلع إلى تكييف عقلاني مقنع لدور الانتخابات التشريعية الماثلة في تحقيق أو معاكسة الهدفين الساميين للحركة الوطنية الفلسطينية: الاستقلال والتطور الديمقراطي.

في غير هذه الحالة، أثبتت التقاليد والسوابق أن الاحتلال والديمقراطية ضدان لا يلتقيان، وأنه لا يمكن غشيان الانتخابات النزيهة في أي كيان يخضع للاستعمار بمعزل عن تأثير القوى الاستعمارية؛ إذ تستحوذ هذه الأخيرة على مداخل ومسارب لا حصر لها، تملك بها التدخل على خطوط التنافس بين المشاركين المحليين وإمكانية ترجيح الموازين الانتخابية لصالح تيار بعينه أو آخر، تعتقد أنه الأقرب إليها ولمصالحها مودة ورحمى سياسيا.

ومن المعلوم بالوقائع الدامغة أن الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي لم يشذ عن هذه التقاليد وهو يقارب قضية الانتخابات الفلسطينية؛ بل ولعل هذا النموذج الاستعماري سجل لنفسه مقاما متقدما بين نظائره التاريخية، عندما جاهر إلى مستوى التواقح الفج بتدخله في الحدث الانتخابي الفلسطيني، بأن حاول تحديد من يحق له المشاركة من عدمها على صعيد القوى السياسية (حين استثنى حماس) وعلى صعيد المناطق (حين استثنى القدس)، وكذلك بحديثه عمن يقبل ولا يقبل كمفاوض وشريك في التسوية لاحقا.

وإذا كان من الصحيح أن إسرائيل فشلت في إملاء شروطها في هذا الإطار، فإنه من الصحيح وزيادة أنها ستحتفظ لنفسها بمبدأ التدخل المباشر وغير المباشر على مضمار العملية السياسية الفلسطينية، ولن تعجز عن ابتداع الوسائل اللازمة لذلك في أي وقت تراه مواتيا لها. هذه حقيقة لا تعارضها قوة إسرائيلية تذكر بغض النظر عمن يعتلى منها سدة الحكم في الربيع المقبل.

انتخابات منقوصة

انطلاقا من هذه التفصيلات ونحوها، يحق الاقتناع بصحة رؤية المرتابين في بلوغ الانتخابات لغاياتها المرجوة فلسطينيا، ما دام الاحتلال قائما. ثم إن هذه الرؤية تكتسب صدقية كبرى إذا ما استطردنا إلى سلبيات أخرى اعترت هذه الانتخابات، كاقتصار المشاركين فيها على أبناء الضفة وغزة والقدس، بما يعني استبعاد زهاء 5 ملايين فلسطيني صميم يعانون اللجوء في جهات الدنيا الأربع، وذلك للمرة الثانية منذ نشوء سلطة الحكم الذاتي. وكان من المحتمل التساهل مع هذه النقيصة في وجود شرطين: الأول هو إحياء دور منظمة التحرير ولاسيما مجلسها الوطني، كمؤسسة مرجعية للسلطة الوطنية. والثاني، امتناع السلطة ومجلسها التشريعي عن الزحف على صلاحيات المنظمة (المرجعية) والتوقف عن المساهمة في إحالتها إلى الاعتكاف والهجران، ورد الاعتبار لميثاقها الوطني.

فهذان الشرطان كانا في الأصل الضمانة التي طرحت يوم نشأت السلطة؛ لأجل صيانة وحدة الكينونة السياسية الفلسطينية وصفتها الجامعة للفلسطينيين في الوطن والملاجئ. ونحسب أن غيابهما من بيئة الحدث الانتخابي وتواتر هذا الغياب، مرة عام 1996 ومرة في العام 2006، لا يطمئن العاطفين على هذه الوحدة ويثير المخاوف من تعدد المصائر بين الداخل والخارج!.

على أن هذه الدفوع والمحاذير القوية، لا تنفي حكمة الرؤية والرأي الآخرين المنحازين إلى إيجابية الأخذ بالانتخابات وعدم نبذها بالمطلق، وبخاصة في ضوء الخصائص التي ميزتها هذه المرة، ومنها: مشاركة قوى المعارضة المستعصمة بخيار المقاومة بكل أنماطها وعلى رأسها حركة حماس، ووجود ضغوط شعبية ونخبوية تدفع باتجاه دمقرطة السلطة وشدها أكثر إلى الخيارات والثوابت الوطنية وتطهيرها من الفساد والمفسدين، وضرورة الاستجابة لنداء الديمقراطية الخارجي درءا لفكرة أن إسرائيل هي واحة الديمقراطية الوحيدة في "الشرق الأوسط"، وإثباتا لجدارة الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال، ووفاءً ببعض استحقاقات عملية التسوية مع الحذر من الانجرار إلى الأجندة الخفية لهذه الضرورة التي تبغي تصعيد نخبة مطواعة للتسوية المملاة إسرائيليا.

ويمكن الذهاب مع أصحاب هذا التقدير إلى أبعد من هذا؛ وهو أن ترجيح وقوع سلبيات الانتخابات على إيجابياتها ليس قدرا مقدورا؛ إذ ما زالت الفرص متاحة لتفعيل قضية إلزام السلطة ومؤسساتها بمرجعية منظمة التحرير، والدعوة إلى تجديد شرعية المجلس الوطني للمنظمة بالانتخابات في الملاجئ، وبيان مخاطر القطعية بين الداخل الفلسطيني والخارج على الدول المضيفة للاجئين، التي ستعاني من انفلات ملايين اللاجئين على المجهول إذا ما تكرست مثل هذه القطيعة، وإمكانية ترميم السياج الدستوري الفلسطيني الجامع عبر إحياء ميثاق المنظمة في ضوء المستجدات.

مكونات المجلس الثاني

بغروب شمس "المجلس التشريعي" الأول، ذهبت إلى غير رجعة وحدانية سيطرة حركة فتح على الأغلبية النيابية، وهى الخاصة التي لازمت العملية السياسية الفلسطينية في المنظمة ثم في السلطة الوطنية. وكانت هذه السمة قد أضرت بكل من فتح والنظام الفلسطيني، كونها أدت إلى تكلسهما وجمودهما فكريا وحركيا.

وإجمالا، فإن النتائج الانتخابية أدت إلى تطعيم المجلس الجديد بدماء قوية يافعة تنظيميا، أثبتت جدارتها الوطنية الثورية وانضباطها الخلقي، وطهرية أياديها وسلوكياتها على نحو أهلها للثقة الشعبية. وبالتالي أضحت حماس وأخواتها -من قوائم التيار الثالث- من الحركات التي انتقلت من مشاغبات المعارضة إلى جوف النظام بصفتهم القوى والأكثر فاعلية داخل المجلس. على أن ذلك لن يمر دون أن يترك تداعيات إيجابية على أعضاء فتح الجدد، الذين لم يعودوا القوة الأولى من حيث الحجم والتأثير مقارنة بالقوى الوافدة، ما سيدفعهم إلى تحسين الأداء تزكيةً لأنفسهم ولحزبهم.

تغير إذن المشهد في الهيئة النيابية للسلطة بحيث أمسينا أمام كتلة كبيرة تمثلها حماس (76 مقعدا من أصل 120) وكتلة كبيرة نسبيا تمثلها فتح (43 مقعدا)، وثالثة أقل حجما قوامها لفيف من الحركات الصغرى من الفصائل اليسارية والتجمعات الديمقراطية والمستقلين (13 مقعدا).

لقد ذهبت المرحلة التي تمكنت فيها فتح مطولا من رقبة الحياة التشريعية السياسية الفلسطينية والحكومة وصناعة القرار، وأصبحت حماس للمفارقة هي المؤهلة لمثل هذه المكانة.

وضمن هذا المستجد ستعثر كل الرؤى والاجتهادات الوطنية على من يتحدث باسمها ويعبر عنها رسميا وعلى الملأ. وسينتهي (جدلاً) عهد اتهام هذه القوة أو النخبة أو تلك بالمزايدة أو المناقصة على النظام من خارجه دون تحمل المسئولية، وقد يتحول مفهوم "شركاء في الدم شركاء في القرار" إلى حقيقة سياسية بعد أن كان شعارا تعبويا يلهب الحماسة من خارج النظام. هذا إذا لم تأخذ حماس مكانة فتح من حيث الحجم والمكانة... وكذا من حيث السلوك الذي أوردها موارد التراجع والانحسار الجماهيري!.

الشواغل والملفات

لكثرة ما سيجد النواب الجدد أمامهم من ملفات متراكمة لقضايا عالقة ومرجأة وأخرى مستجدة ملحة، قد يستشعر بعضهم أنهم بصدد أعباء وهموم فوق الطاقة، وأن تمثيل الشعب هو بالفعل تكليف قبل أن يكون تشريفا... ولأهداف إجرائية تتصل بتسهيل التأمل في انعكاسات أعمال المجلس، يمكن تصور هذه الأعمال وقد انصبت على معالجة ثلاثة ملفات ثقيلة تتعلق بقضايا الاستقلال والتحول الديمقراطي والتنمية الشاملة.

وإذا أحسنا الظن بالتعامل مع هذه القضايا في ضوء المستجدات وإفرازات الانتخابات التي غيرت مشهد تراتب القوى والمكانات ووضعت من هم أقل خبرة عموما من مختلف الأطياف في موضع المسئولية الأولى، فسوف نلاحظ أنه على صعيد الهم التحرري، سيوفر المجلس للقيادة الفلسطينية معارضة شرعية تسعفها أمام الضغوط الخارجية متعددة المصادر؛ فنظرا لقوامه التعددي سيحتضن المجلس ممارسة سياسية تحدد صناعة السياسة والقرار وتضبطهما أو تقيدها بالمداولات الشاملة، وعمليات الجرح والنقد والجدل بين الحكم والمعارضة. ومن المقدر أن تفلت السياسة الفلسطينية من زمن وسيطرة الحزب الواحد والتصورات أحادية الجانب، وتقترب بمسافة معقولة من مبدأ تلاقح الأفكار واصطكاك الآراء وإخراج القرارات بعد تدبر معمق، مع تحسب القيادة للرقابة والمحاسبة الحقيقيتين.

في غمرة مشهد كهذا، يستطيع المفاوض أو المقاوم الفلسطيني الاستعاذة بمواقف الهيئة النيابية كلما اشتدت عليه الضغوط من لدن شركاء التسوية الإسرائيليين ومناصريهم الدوليين. وكشرط ضروري لأداء من هذا القبيل قد يتعين على قوى النظام الفلسطيني التوافق على أهداف حركتهم التحررية ووسائل اجتراحها، ووضع خطوط حمراء وخضراء لما ينبغي وما لا ينبغي إتيانه على صعيدي التفاوض والمقاومة، وربما تيسر لهم ذلك أكثر بعد انغماس الجميع تقريبا في الشراكة النظامية.

وعلى جبهة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، فمن المؤكد أن البنية التشريعية الجديدة، حيث التعددية التنظيمية، ستمنح رموز الإصلاح والغيورين على محاربة الفساد فرصا أوسع للحركة والفعالية. مثلاً، سوف لن يسمح الوضع بالتغطية على قضايا الفساد المالي والإداري والاقتصادي بالترضيات الداخلية التي طالما لاذت بها مراكز قوى السلطة أو الحزب الحاكم الواحد!. فثمة من هم معنيون، خارج هذه المراكز وحزبهم، بفضح هذه الألاعيب والتشهير بالقائمين بها أمام الرأي العام، بل وربما سوقهم إلى القضاء. وفي المناسبة، يفترض أن تتعمد رهبة السلطة القضائية باعتبارها الحارس على القانون والنظام، بمعزل عن هيمنة الحزب الواحد التي نزعت هيبتها مطولاً.

ولا يستبعد على صعيد مهم آخر أن تنعكس هيكلية المجلس التشريعي وما يتصل بها من إعادة ترتيب المكانات بين القوى السياسية على المجال التنموي. وهنا يصح أن يثار احتمالان: أولهما متشائم، خلاصته إمكانية التضييق على المجتمع الفلسطيني جراء تقليل مستوى الدعم الاقتصادي من قبل الدول المانحة، ومخاوف المستثمرين من إلقاء ثقلهم في ساحة قد تتعرض لهبوب مزيد من رياح التوتر. إن خطاب حماس الأكثر صلابة على محور المقاومة ربما أسهم في ذلك، على محمل أن شراكة هذا الخطاب وأصحابه ستقود إلى تسخين الأجواء السياسية، بما لا يدع مجالاً لتوقع الاستقرار المناسب لتدفق الاستثمارات. والثاني أكثر تفاؤلاً، انطلاقاً من احتمال خضوع الموارد الفلسطينية الداخلية للرقابة والضبط وحسن الإدارة والتوجيه، فضلاً عن الفرص الأنسب للشفافية المالية والتصدي للفساد الذي طالما أهدر هذه الموارد في مسارب وذمم مالية سيئة السمعة. ثم إن المشهد السياسي الجديد قد يشجع الاستثمارات على عكس المتوقع؛ ذلك بالنظر إلى أن موارد فلسطينية (وعربية) أحجمت من قبل عن التوجه إلى الأسواق الفلسطينية لعدم رغبتها في الانصياع لإملاءات الفاسدين في الإدارة والخضوع لابتزازاتهم.

الشاهد إجمالاً أن الداخل الفلسطيني يودع "مجلسا تشريعيا" ويستقبل آخر، وما زالت كياناته السياسية والجغرافية في طور التشكل والمداولة دون أن يستقر لها قرار. وستكون جدارة هذه المؤسسة الأهم في رحاب سلطة الحكم الذاتي، وهي الأهم جدلاً لدى أي نظام للحكم، مرهونة بقدرتها على إبداع أدوات ومداخل تخوض بشعبها غمار تحديات جسام، فتنتقل به من رقبة الاستعمار إلى آفاق التحرر، ومن الاعتمادية إلى الاستقلال، ومن السلطوية والشخصانية والحزب الواحد إلى الديمقراطية والمأسسة والتعددية السياسية. كل ذلك ونحوه في إطار محددات وشروط قد لا تكون مواتية، لكن منذ متى أقلعت حركة التحرير الفلسطيني في رياح طيبة؟! وما لزوم التدبر السياسي وتحري البدائل المناسبة للحركة لو كانت الرياح طيبة من الأصل؟!.

  • Currently 40/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
12 تصويتات / 741 مشاهدة
نشرت فى 4 نوفمبر 2006 بواسطة eyesrash

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

138,175