انسا موقع لكل جديد وستجد ماتريد من خلال موقعنا نرحب بك فى اى وقت تشاء

أسماؤها :التسمية الأشهر "سورة النبأ" لقوله تعالى (عن النبأ العظيم). وسميت في بعض المصاحف وفي صحيح البخاري "عم يتساءلون" للآية الأولى فيها، وسميت سورة "عَمَّ" في بعض المصاحف والكتب وسماها العلماء سورة التساؤل أخذاً للمصدر من الفعل في قوله (عم يتساءلون). وتسمى سورة المعصرات لقوله سبحانه وتعالى (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا)

التعريف بالسورة :

سورة مكية بإجماع أهل التفسير

سورة من المفصّل .

عدد آياتها 40 آية وقيل 41 آية.

ترتيبها الثامنة والسبعون في ترتيب المصحف .

نزلت بعد سورة المعارج .

بدأت بأسلوب استفهام (عَمَّ يتساءلون) ولم يذكر فيها لفظ الجلالة.

محور مواضيع السورة :

يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ إِثْبَاتِ عَقِيدَةِ البَعْثِ بعد الموت الَّتِي طَالمَا أَنْكَرَهَا المُشْرِكُونَ.

سبب نزول السورة :

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما بُعث النبي جعلوا يتساءلون بينهم فنزلت (عمَّ يتساءلون (1) عن النبأ العظيم)

مقصدها العام: استنكار تكذيب المشركين بالقيامة والبعث والجزاء، وإثبات ذلك بالأدلة والبراهين، رداً عليهم وتوعداً لهم، وتأنيساً ووعداً للمؤمنين.

والسورة تأكيد وإتمام لسورة المرسلات، فكلاهما في إثبات القيامة والبعث من جهة، لكن المرسلات ركزت غالباً على إثبات الوقوع، وعم ركزت غالباً على إثبات الجزاء

ولهذا قال في المرسلات {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين} في إثبات القدرة على الجمع، وفي عمّ قال {إن يوم الفصل كان ميقاتا للطاغين مآبا} في إثبات موعد الجزاء. وقال في المرسلات {إنما توعدون لواقع} إثباتاً لوقعه، وقال في عمّ {إنا أنذرناكم عذابا قريباً} إثباتاً للعذاب فيه.

قال البقاعي:" مقصودها الدلالة على أن يوم القيامة الذي كانوا مجمعين على نفيه وصاروا بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في خلاف فيه مع المؤمنين ثابت ثباتا لا يحتمل شكا ولا خلافا بوجه " مصاعد النظر 3/151.

قال الصابوني:" محور السورة يدور حول إثبات عقيدة البعث التي طالما أنكرها المشركون" إيجاز البيان في سور القرآن ص275

قال في بيان النظم في القرآن:" محور السور اختلاف الناس في قوع القيامة مع أن كل الدلائل العقلية والدنيوية تشير إليها، ولا بد من يوم تفصل فيه المظالم والحقوق ويظهر الحق من الباطل"  ص273.

مواضيع السورة:

تساؤل المشركين عن النبأ العظيم (الآيات 1 - 5)

لفت النظر إلى الآيات الكونية - براهين وأدلة البعث بعد الموت (الآيات 6 - 16)

من أحداث يوم القيامة (الآيات 17 -19)

جزاء الكافرين المكذبين (20 - 30)

جزاء المتقين (الآيات 31 - 40)

المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمتها

افتتحت السورة بالاستفهام الإنكاري للمكذبين على إنكارهم واستبعادهم لذلك اليوم العظيم الذي هو يوم الفصل واليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين كانت خاتمة السورة (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا ﴿٣٩﴾ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴿٤٠﴾)

المناسبة بين خاتمة سورة المرسلات وافتتاحية سورة النبأ

سورة المرسلات اشتملت على إثبات القدرة على البعث الذي كذّب به الكفرة

ختمت سورة المرسلات بتساؤل (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)) والحديث فيها عن القرآن وافتتحت سورة النبأ بتهويل التساؤل عنه والاستهزاء به (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾)

تناسب بين السورتين في أسلوب الاستفهام ففي سورة المرسلات (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)) (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)) (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)) وفي سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6))

ذكر يوم الفصل في السورتين ففي سورة المرسلات قال تعالى (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴿١٢﴾ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿١٣﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾) وفي سورة النبأ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) فيها يوم الفصل المُجمل ذكره فيما قبلها

تأملات في السورة تفسيراً وتدبراً

لكل سورة من سور القرآن الكريم شخصيتها وقضيتها ومواضعيها ولكل سورة شبكة من العلاقات.

سورة عمّ أو سورة النبأ فاتحتها استفهام (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) إذن هذه من السور التي تفتتح بالاستفهام والاستفهام كَثُر في القرآن المكي وجُلُّ سور هذا الجزء قرآن مكي. موضوع الجزء برمّته تقريباً عقيدة الآخرة أو البعث، هذا الركن العظيم من أركان الاعتقاد الذي أعتبره والإيمان بالله وجهان في قضية واحدة. هذا الإيمان إن غاب عن حياة الإنسان تحول إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف فلا بد من الاعتقاد بالآخرة فجاء هذا الجزء الكريم المبارك يقوي هذه العقيدة أو يؤسس لهذه العقيدة عقيدة البعث. إذن الاستفهام فاتحة هذه السورة أو مجموعة من السور المفتتحة بالاستفهام أول سورة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) الإنسان) (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) النبأ) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) الغاشية) (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) الشرح) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) الفيل) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) الماعون) هذه مجموعة السور المفتتحة بالاستفهام. ثاني سورة مفتتحة بالاستفهام في الجزء بحسب ترتيب السور في المصحف هي سورة عمّ. هذه السورة وكل سورة في القرآن لن نتكلم عن الجرس والإيقاع لأنه ليس لدينا وقت لكن لو كان لدينا وقت تكلمنا عن الجرس والحروف ولماذا بدأت سورة النبأ بـ(النون) ثم تحولت إلى حرف الألف. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) المقطع الأول انتهى بالنون والميم القوية. المقطع الثاني لأنه يتحدث عن النعم كانت فاصلته الألف الممدودة (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) ما بين الآية 6 و16 مقطع وآيات قصيرة من كلمتين أو ثلاثة ستجد 13 حرف (جيم) في هذه الأسطر القليلة وفي الصفحة كلها 18 حرف (جيم) وحرف الجيم حرف انفجاري قوي (ج) إذن هذا الجرس أو الإيقاع الموسيقي للكلمات.

السورة تدلنا على مقاطعها بدون اجتهاد. إذن المقطع الأول (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) وكثر في هذا الجزء (كلا) وهو ليس حرف نفي وإنما حرف ردع وزجر وقد تكرر حرف (كلا) في بعض السورة القصيرة ثلاث مرات (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾ التكاثر).

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) وهو الآخرة. هل جواب (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) هو (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)؟ أعتقد لا، إنما (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) وترك الجواب ليبتدئ بحديث النعم الدالة من وجه من الأوجه أنها نعم من نعم الله عز وجل والدالة من الوجه الآخر على قدرة الله عز وجل الذي خلق السموات والأرض وخلق الشمس الذي جعل الخلق أزواجاً الذي رزقكم النبات، هذا الخالق العظيم أليس بقادر على بعثكم وإنشائكم من جديد؟!! إذن حديث النعم ليس مفصولاً عن فاتحة السورة، بالعكس إنه جواب عنها لكن جواب غير مباشر، هذا المقطع الثاني حديث للنعم.

يبتدئ المقطع الثالث (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) لم نتكلم عن شبكة العلاقات، لي نظرية هي التوأمة بين السور، كأن كل سورة وسورة يشكلان توأمين، تجد بينهما تشابهاً في الطرح وفي الكلمات وفي الموضوعات بشكل شديد وهائل. على سبيل المثال بين سورة المرسلات وسورة النبأ حوالي عشرين نقطة من التشابه نشير إلى بعضها:

  • موضوع سورة المرسلات "القيامة" وسورة النبأ موضوعها القيامة، اتحاد الموضوع
  • المرسلات تنتهي (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)) استفهام، والنبأ تبدأ بالاستفهام (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ)
  • ذكر يوم الفصل في المرسلات (لِيَوْمِ الْفَصْلِ 13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)) (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38)) ويوم الفصل في النبأ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)
  • المتقين ذكرت في السورتين (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41)) في المرسلات و(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) في النبأ
  • الكلام عن السماء في المرسلات (وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9)) والسماء في النبأ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا)
  • الكلام عن الجبال في المرسلات (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)) (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ (27)) والجبال في النبأ (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)) (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ (20))
  • الحديث عن الأرض (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) في النبأ وفي المرسلات (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25))
  • الاستفهام في سورة المرسلات (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)) (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)) والاستفهام في سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6))

أما العلاقات مع سورة النازعات فهناك تشابه بين السورتين على سبيل المثال:

  • سورة النبأ بدأت بالاستفهام (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) وسورة الذاريات ختمت بالاستفهام (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42)).
  • في سورة النبأ ذكر الجبال (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)) وفي سورة النازعات ذكر الجبال (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32))
  • ذكر الأرض في سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)) وفي النازعات (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30))
  • ذكر في النبأ إنزال الماء وإخراج النبات (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)) وذكر في النازعات اخراج الماء والمرعى (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31))
  • ذكر نعمة خلق الليل والنهار في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)) وذكرهما في سورة النازعات (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29))
  • ذكر رفع السماء في سورة النبأ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)) وفي سورة النازعات (أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28))

سورة (عمّ) مقسّمة إلى مقاطع ولكن هذه المقاطع كمفاصل الجسم فيها انفصال لكن فيها أيضاً اتصال كمفصل اليد يربط بين أجزائها.

(عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) سؤالهم ليس سؤال استعلام وإنما سؤال استنكار واستهجان واستغراب وسؤال كِبر واستعلاء. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) القرآن ينقل الصورة عن هؤلاء. النبأ هو الخبر المهم وليس هناك خبر أهم من خبر يوم القيامة، لن يسمع البشر بخبر أخطر من خبر بعثهم يوم القيامة ولن يواجهوا في حياتهم كلها شيئاً أصعب عليهم من ذلك اليوم فعلينا أن نستعد له كما ينبغي أن يُستعد له ولذلك سماه القرآن (النَّبَإِ الْعَظِيمِ).

(الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) بعضهم منكر، بعضهم يشكّ، بعضهم جاحد تماماً، البعض آمَن، البعض وصل درجة اليقين، إذن البشر في هذا اليوم مختلفون قسم وصل حد اليقين (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) البقرة) وقسم مُنكِر (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (22) النحل) وجاحدة تماماً وقسم (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) الجاثية) وهناك شرائح متعددة وأصنافاً من البشر متعددة جداً ما بين اليقين وبين الشك والجحود لخّصها القرآن (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) حتى شريحة الكفار ليسوا كلهم على مستوى واحد في الكفر، معنى غزير جداً.

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) تهديد، (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ). (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) هذا تهديد، يعلمون عندما يواجهون الحقائق سيعلمون أن القيامة حقّ عندما يرون الصراط والميزان والنار وجهنم والزبانية وصنوف العذاب سيوقنون أن القيامة حقّ وأن الرسل صدَقتهم فيما قالت لهم إن القيامة حقّ، لكن الوقت متأخر جداً! هذه فاتحة السورة.

انتقل الحديث إلى المقطع الثاني (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) الأرض ممهدة لك كمهد الطفل. أنت تركب في طائرة تسير بسرعة هائلة لكن هذه الطائرة ثابتة. الله سبحانه وتعالى مهّد الأرض لك من حيث الجاذبية من حيث الأكسجين، مهيأة لك من حيث المناخ كله والحرارة في تحمل جسمك، البرودة فيما تحمله، كمهد الطفل. لو حصل عطل في الطائرة أو نقص في الأكسجين ستشعر كم كانت هذه الطائرة المنطلقة في الفضاء مكيّفة لك! عبّر القرآن الكريم عن هذا كله بقوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا). (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) هذه الجبال الغائصة في أعماق الأرض وتصل إلى عمق ومركز الأرض هذه الجبال ما يبدو منها الثُمُن تقريباً والبجال أوتاداً تثبت صفائح الأرض وتثبت الغلاف الغازي بجاذبيتها لهذا الغلاف وعبّر القرآن عن كل هذه المعاني بقوله (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا). (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) عجيب هذا الإنسان! الذكر والأنثى الفرق بينهما (23 كروموزوم من الأب و23 كروموزوم من الأم في كلا الصنفين) فكيف يكون هذا ذكراً وهذه أنثى؟! معجزة في الخلق! لكن البشر يمرون على آيات الله وهم عنها معرضون! آيات عجيبة ومليئة بالمعاني فيها زخم شديد ويستمر حديث النعم على الإنسان تذكيراً له أن هذه الإله الذي أنعم على الإنسان بكل هذه النعم انتبه لها وانتبه لقدرة هذا الإله العظيم ولرحمة هذا الإله العظيم ولتسر حياتك على منهج هذا الإله العظيم. ثم لفت أنظارنا إلى السبع الشداد وهي السموات ثم لفت أنظارنا إلى السراج الوهاج الشمس متقدة أربع ملايين سنة ونصف والعلماء يقدّرون لها ممكن أن تعيش أربع بليون سنة وتصرف في كل ثانية أربع مليون ونصف من الطاقة والوقود، عبر القرآن عن كل هذا بقوله (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) وهناك شموس أكبر من شمسنا بخمسين ألف مرة شمسنا بالنسبة لها كحبة الحمص! كلام كثير يحتاج أن نقف عنده. (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) انتهى المقطع، حديث النعم.

ثم يبدأ مقطع جديد (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴿١٧﴾ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ) لاستقبال الوفود (فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾)

ثم يبتدئ مقطع جديد (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) كأن شخصاً يقعد في منطقة رصد كامن ينتظر الفريسة أو الصيد لما صار في مرمى النيران، هذا معنى مرصاداً، يعني جهنم تنتظر زبائنها (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) نسأل الله السلامة ونعمل ونستعد لمثل هذا اليوم لنكون بإذن الله من اصحاب الجنة بصبحة سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم

بعد أن يتكلم عن جهنم (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ﴿٢٢﴾ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾) لماذا؟ (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾) (كِذَّابًا) لم ترد إلا في هذه السورة وسنجد أن كل سورة متميزة بمجموعة من المفردات لم ترد إلا في هذه السورة، كل سورة هكذا حتى سورة الإخلاص على قصرها فيها كلمات لم ترد في القرآن كله إلا في هذه السورة.

ثم يبتدئ مقطع آخر (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾) تكلم عن نعيم أهل الجنة وكل هذا النعيم الذي تكلم عنه (جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا) تعبير عجيب! أجزاء أم عطاء؟ لو أن أحداً رفع لك شيئاً من مكان إلى مكان يتوقع أن تعطيه بضعة قروش لكنك أعطيتك عشرة دنانير! ولله المثل الأعلى، نحن عملنا قليل جداً ولولا هذا العمل القليل ليس هناك جزاء لكن أهو جزاء يساوي عملنا؟ لا والله! إذن جُلّ هذا النعيم في الآخرة عطاء وقليل منه جزاء. هو جزاء وعطاء في ذات الوقت.

ثم عرّفنا بالله سبحانه وتعالى لتتيقن أن هذا العطاء اللامحدود الذي يفوق ما يستحق الإنسان على عمله هو من رب له هذه الصفات وهذه العظمة والقدرة والقوة (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) حتى الملائكة المقربون من الله عز وجل في صمت مطبق فما بالك ببقية الخلائق؟!

تختتم السورة (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) كل ما عمل من خير أو من شر من سوء أو من حسن سيجده حاضراً أمامه (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف). (وَيَقُولُ الْكَافِرُ) متحسراً (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) يتمنى أن يكون تراباً مواتاً عدماً يتمنى الموت فلا يحصّله كما قال المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياً      وحَسْبُ المنايا أن يكنّ أمانيا

يوم القيامة إما خلود في النعيم أو خلود في الجحيم نسال الله تعالى أن نكون من المخلدين في النعيم نتفرج على الكافرين الذين يتمنى الواحد منهم أن يكون تراباً تدوسه الأقدام مقابل الاستكبار الذي كانوا فيه.

مفردات سورة النبأ:

كلمة (النبأ) لم ترد في القرآن إلا في سورة النبأ (ولعل هذا سبب تسميتها بهذا الاسم تحديداً)

وصف الأرض بأنها مهاد لم يرد إلا في سورة النبأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6))

وصف الجبال بأنها أوتاد لم يرد إلا في سورة النبأ (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7))

وصف النهار بأنه معاش لم يرد إلا في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11))

وصف السماء أنها سبعاً شداداً لم يرد إلا في سورة النبأ (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12))

لم يرد وصف الشمس أنها سراجاً وهاجاً إلا في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13))

وصف السحب بالمعصرات لم يرد إلا في سورة النبأ (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ (14))

وصف ماء المطر النازل من السحاب بأنه ثجّاجاً لم يرد إلا في سورة النبأ (مَاء ثَجَّاجًا (14))

وصف الجنات أنها ألفافا لم يرد إلا في سورة النبأ (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16))

وصف يوم القيامة يوم الفصل أنه كان ميقاتا لم يرد إلا في سورة النبأ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) وورد في سورة الدخان (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40))

وصف السماء أنها فتحت فكانت أبوابا لم يرد إلا في سورة النبأ (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19))

وصف الجبال أنها سيرت فكانت سرابا لم يرد إلا في سورة النبأ (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20))

وصف جهنم أنها كانت مرصادا لم يرد إلا في سورة النبأ (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21))

وصف مدة لبث الكفار في النار أنها أحقابا لم يرد إلا في سورة النبأ (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23))

وصف جزاء أهل النار أنه وفاقا لم يرد إلا في سورة النبأ (جَزَاء وِفَاقًا (26))

انفردت سورة النبأ بذكر كلمة (كذّابا) فيها مرتين ولم ترد في أي موضع آخر في القرآن (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) (لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35))

وصف جزاء المتقين أن لهم مفازا لم يرد إلا في سورة النبأ (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31))

وصف كأساً دهاقا لم ترد إلا في سورة النبأ (وَكَأْسًا دِهَاقًا (34))

وصف عطاء الله للمتقين يوم القيامة أنه حسابا لم يرد إلا في سورة النبأ (جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا (36))

كلمة (خطابا) لم ترد إلا في سورة النبأ (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37))

كلمة (صوابا) لم ترد إلا في سورة النبأ (وَقَالَ صَوَابًا (38))

كلمة (مآبا) لم ترد إلا في سورة النبأ مرتين (لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (22)) (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39))

 

إشراقات قرآنية في سورة النبأ - سلمان العودة

في بداية السورة (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)) وهذا أسلوب تهديد ليرقى إلى تحفيز المخاطَبين وحملهم على أن يتأملوا ويتدبروا وينظروا. والتهديد سورة يصنع في قلوب بعضهم الإيمان مع أن التهديد بذاته لا يجعل الإنسان يؤمن وإنما يجعله ينظر إلى الموضوع بجدّية (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) الطارق)

خلق الأرض كان مقدّماً على خلق السموات حيث بدأ بها ويدل على ذلك قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) البقرة)

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) في الآية إشعار بالبعث لأن هذه الأرض التي هي مهاد لهم وهم أحياء ستكون أيضاً مهاداً لهم وهم أموات يُدفنون فيها ثم يُبعثون منها وسماها الله عز وجل مستودعاً حيث تستودع أجسادهم وعظامهم فيها إلى يوم البعث.

اختلاف الأسلوب في الآيات من الاستفهام (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) إلى صيغة الخبر الماضي (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) للتنوع فلا يصبح أسلوب السؤال رتيباً فيألفه السامع فينصرف عن الاستماع.

في الآية (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) إشارة إلى جواب السؤال (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) فكأن المعنى: قد جعلنا الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وفطف عليها (وخلقناكم أزواجاً)

(وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) إضافة النوم للناس لأنه يحتاجه كل إنسان ولا يغني أحد عن أحد فيه.

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) ذكر الليل بعد النوم ولم يخصصه للناس لأن الليل ليس خاصاً به بل إن كل المخلوقات على الأرض يتلبسها الليل وتحتاج إلى ظلامه كالنباتات مثلاً أما النوم فهو للأرواح.

السُبات هو القطع في اللغة أي أن النوم يقطع حياة الإنسان الرتيبة فهو في النهار يعمل ويكدح. والنوم يسميه العلماء الوفاة الصغرى والنائم فيها قابل للإستيقاظ فمن رحمة الله تعالى أن جعل النوم سباتاً يقبل أن تقطعه وتستيقظ وتذهب لحاجاتك ومقاصدك فيكون النوم بقدر حاجة الإنسان.

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا)

سورة النبأ - الشيخ خالد اسماعيل - برنامج تفسير القرآن

من أعظم الموضوعات التي ركّز عليها جزء عمّ التذكير باليوم الآخر، وهذا من التناسب اللطيف في القرآن نهاية القرآن تذكرك بالنهاية أيها الإنسان والجزء الأخير من القرآن يذكرك باليوم الآخر. والإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله هو أساس العمل الصالح ولذلك كثيراً ما يقرن القرآن بين الإيمان بالله واليوم الآخر والأحكام الشرعية والمواعظ الربانية مثلاً يقول الله تبارك وتعالى لما يذكر شيئاً من الأحكام يقول (ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِمَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (2) الطلاق) وقال تعالى في الرجال الذين يقبلون على طاعة الله في بيوت الله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) النور) لم تلههم التجارة والبيع عن ذكر الله لأنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو فليصمت، فلا يؤذي جاره، فليكرم ضيفه. إذا تذكر الإنسان أنه إن فعل شيئاً سيحاسب عليه وهناك محاكم وعقوبات فيرتدع ولا يفعل ما يشتهي ويشاء أما إذا كان المجتمع ليس فيه عقوبات ولا محاكم كأنه غابة يعيش الناس في نهب وقتل وسرقة فيما بينهم. فإذا تذكر الإنسان أنه في يوم من الأيام سيقوم من قبره وسيرى أهوالاً شديدة وسيجازيه الله تعالى على كل صغيرة وكبيرة فإما يكون في الجنة أو يكون في النار وهذا يحثّ الإنسان على المسارعة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى ولذلك سور هذا الجزء ركزّت على هذا المقصد العظيم والركن العظيم من أركان الإيمان.

وسورة النبأ مقصودها زجر المكذّبين بيوم الدين وإقامة البراهين على البعث والآخرة وتكشف شيئاً من أهوال هذا اليوم وكذلك باقي سور هذا الجزء وحتى في قصار السور (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر نهر في الجنة، فسور هذا الجزء تهتم بتقرير الإيمان باليوم الآخر فهذا الجزء يوقظنا من غفلتنا حتى نستعد لربنا جل وعلا ونلقى الله بأعمال صالحة وتوبة.

نتأمل آيات السورة:

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى توحيد الله وإلى لا إله إلا الله وحذّرهم من الشرك والفجور ومخالفة أمر الله تعالى أول ما أنذرهم أنذرهم باليوم الآخر. لما صعد إلى الصفا وقال أيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقيل له تباً لك ألهذا جمعتنا وأخذوا يستهزئون به ويتساءلون في مجالسهم. أصبح حديث البعث واليوم الآخر حديث المجالس، إذا لقي أحدهم صاحبه ساله: هل بلغك أمر محمد؟ هل بلغك أمر البعث؟ أننا إذا متنا وكنا تراباً نُبعث وبدأوا يسخرون ويستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقولون إن كنت صادقاً أخبرنا متى الساعة؟ وأخذوا يتساءلون بينهم تساؤل إنكار وتساؤل تعجب فالله سبحانه وتعالى في هذه السورة سورة النبا أنكر عليهم استهزاءهم وإنكارهم لليوم الآخر. تأمل في افتتاحية السورة تبدأ بالإنكار والزجر الشديد على المنكرين بيوم الديم كما أنكروا واستهزأوا بيوم الدين فكذلك الله تعالى ينكر عليهم بالسؤال يقول تعالى (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ) استفهام انكاري للتوبيخ، عن أي شيء يتساءلون؟ قال الله تعالى يأتي الجواب مجملاً حتى يتشوق السامع وأيضاً هذا فيه تعظيم لهذا اليوم العظيم ولهذا النبأ الهائل العظيم فقال (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) يتساءلون عن النبا العظيم عن هذا اليوم العظيم يوم البعث يوم القيامة؟ لكن ذكره الله تعالى مجملاً وعظّمه وفخّمه. والنبأ كلمة تدل على العِظَم يقال: سيل نابئ أي انتقل من مكان إلى مكان لعظمه وتدفقه وسيلانه وكذلك الخبر المهم العظيم الذي يتناقله الناس من مكان إلى مكان يسمى نبأ. قال الله تعالى النبأ ووصفه بالعظم وهذا توبيخ من الله تعالى. هذا ليس محلاً للتساؤل أبداً، البعث أمر واضح مغروس في الفِطَر والعقول الصحيحة. هل يليق بالله تعالى الحكيم أن يترك الناس هكذا يعتدي بعضهم على بعض ويتركهم هملاً لا يحاسبهم ولا يجازيهم؟ هذا لا يليق بحكمة الله (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) المؤمنون)؟! الإيمان باليوم الآخر أمر مقرر في الفِطَر السليمة فالذي ينكر هذا الشيء لا يكون إلا معانداً مستكبراً.

قال تعالى (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾) ليس محل تساؤل بل هو واضح. ثم شنّع عليهم (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) هم أنفسهم مختلفون في البعث منهم من يجزم بإنكاره كما قال تعالى عنهم (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) الأنعام) وبعضهم يشك (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) الجاثية) وكذلك هم مختلفون في أمر النبي الذي جاءهم بالتوحيد فمنهم من يقول عنه ساحر ومنهم من يقول كاهن ومنهم من يقول شاعر ومنهم من يقول مجنون والشيء الباطل الذي لا يقوم على دليل تجده مختلفاً متناقضاً فالله تعالى شنّع عليهم فقال (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ). ثم جاء التوبيخ والزجر (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) إذا سمعت (كلا) في القرآن فاعلم أنها تأي لمعنيين: الزجر والإبطال. فالله تعالى يزجرهم ارتدعوا عن هذا وآمنوا بالبعث واستعدوا للقاء الله. (كلا) فيها أيضاً إبطال لما يزعمون، ليس الأمر كما تظنون أنه لا بعث. (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) سيعلمون ماذا؟ كأن الله تعالى الجواب ما ترون لا ما ستسمعون، الجواب ما ترى لا ما تسمع! هذا في غاية التهديد والإنذار. سيعلمون ما الله فاعل بهم من العذاب الشديد، عند الموت إذا رأوا ملائكة العذاب، وفي القبر، وعند الحشر، وفي نار جهنم والعياذ بالله! وسيعلمون أن البعث حق وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق إذا رأوا انتصار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم  كما قتل رؤساءهم في غزوة بدر وغيرها من الغزوات فسيعلمون أن الإسلام حق وسيعلمون أن البعث حق إذا تأملوا وتفكروا في براهينه.

ولذلك ذكر الله تعالى بعد ذلك براهين البعث وأدلة البعث. نقف عند لطيفة في السورة في قوله تعالى (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾)  في سورة التكاثر قال (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ التكاثر) فما الفرق بين السورتين؟ في سورة التكاثر السورة للتحذير من التكاثر في الدنيا ويظل الإنسان غافلاً حتى يُدفن (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) يعني دُفنتم في القبور فهنا إذا دُفن الإنسان في قبره سيعلم أن الدنيا لا تساوي شيئاً فقال (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) لأن هذا العلم معلّق إذا دُفن في قبره، في الحياة البرزخية سيتحسّر ويعلم أن الدنيا والتكاثر لا ينفعه عند الله. وفي التكاثر ذكر الأمر بصيغة المستقبل البعيد لأن الأمر سيكون بعد الموت. أما في سورة النبأ المقام مقام تهديد وزجر في الحال وهم يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم فالله تعالى ينذرهم إنذاراً قريباً قال (سيعلمون) السين تدل على المستقبل القريب وسوف تدل على المستقبل البعيد. فهنا في سورة النبأ المقام مقام إنذار أكيد وحالي الآن، هم يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأتي الإنذار من الله تعالى لهم في الحال (سيعلمون) أن البعث حق في الدنيا وهُزِموا وراوا انتصار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وسيعلمون أن البعث حق إذا رأوا ملائكة العذاب وفي القبر ويوم القيامة وفي الدنيا إذا تفكروا في البراهين التي سيذكرها الله تعالى.

البراهين: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) هذه البراهين في سورة النبأ جمعت كل أدلة البعث في القرآن، أدلة البعث في القرآن أربعة سنجدها مذكورة في هذه السورة. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) فراشاً ممهداً نمشي عليها ونبني عليها ونسكن عليها ونزرع فيها نعمة من الله تعالى. ما جعلها وعرة كلها جبال لا نستطيع أن نمشي أو نسكن أو نبني قال (مهادا) ثم ثبت لنا الأرض فقال (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) تثبت القشرة الأرضية فلا تميد بنا. واكتشف العلماء ما سبق إليه القرآن فوصف الجبال بأنها أوتاد واليوم العلماء اكتشفوا أن الجبل الشامخ في السماء يوجد في باطن الأرض منه أضعاف طوله على ظهر الأرض، طوله في باطن الأرض أضعاف طوله على ظهر الأرض تصل إلى خمسة أضعاف أو عشرة أضعاف. وهذا هو وصف الوتد الذي يثبت الخيمة تماماً يكون الجزء فوق التراب أقصر من الجزء الذي تحت التراب. هذا أول دليل على البعث (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ (57) غافر) الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة لا يقدر أن يبعث هذه الأجسام الصغيرة؟!

ثم دليل ثانٍ وهو أنتم أيها الناس الذين تمشون على الأرض (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) ذكراً وأنثى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) الروم) وهذا دليل على البعث قال تعالى (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴿٣٧﴾ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿٣٨﴾ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴿٣٩﴾ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿٤٠﴾ القيامة) هذه نطفة الله تعالى يخلق منها ذكراً وأنثى فكما خلقك أول مرة قادر على أن يعيدك مرة أخرى (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) هذا الدليل الثاني في القرآن.

ثم ربط الله تعالى بين النوم والزواج، الزواج سبب لبقاء نوعك ايها الإنسان تستمر الحياة بالزواج والتناسل والنوم سبب لحفظ وقتك ونشاطك فقال (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) وهذا الدليل الثالث على البعث. سباتاً يعني قاطعاً لأعمالكم فتستريحون وتنامون ويتجدد النشاط وتتجدد القوة للإنسان. والنوم دليل على البعث لأنه مثل البعث. ترى إنساناً يموت في الدنيا بالموت والنوم موت ثم يحييه الله تعالى فيستيقظ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام علمنا أن نقول بسمك اللهم أموت وأحيا وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. تذكر البعث بنومه إذا قام من نومه قال (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) ثم تأملوا إلى نعمة الله تعالى كيف سخّر الكون ليرتاح الإنسان قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) يغطي الناس والكائنات بظلامه كما يغطي اللباس صاحبه. (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) لطلب المعاش والرزق.

(الأصل أن النوم راحة للإنسان يستجمع فيها قوته التي استنفذها خلال نهاره ساعياً في رزقه والوقت المناسب لهذه الراحة هو الليل ولهذا جاءت آية الليل مباشرة وراء آية (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) ففي الليل يهدأ كل شيء ويذهب ضوء النهار فيهجع الإنسان وتتجدد خلاياه ويتجدد نشاطه وهو نائم في هدأة الليل ثم عندما يستيقظ في اليوم التالي ذكر الله تعالى ما يناسب النهار وهو السعي وراء العيش فقال (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) ليسعى وراء تحصيل قوته ورزقه. أما ما يحدث في أيامنا هذه من قلب الليل نهاراً وقلب النهار ليلاً فهو يناقض الفطرة السليمة ويناقض برناج أجسادنا التي خلقها الله تعالى ولأننا غيّرنا الفطرة حدث خلل في أجسادنا وقواتنا وقدراتنا ونشاطنا فترى الناس في الصباح يستيقظون كسالى لا طاقة لهم ولا قوة على السعي في الرزق لأنه غيّر الطبيعة الفطرية التي بني جسده عليها والتي تضمن له استمراره نشيطاً ساعياً في رزقه نهاراً ساكناً مرتاحاً ليلاً).

وقد اكتشف العلماء أن النوم في الليل هو المفيد للجسم فإذا نام الإنسان وقت الليل يتكيف مع الليل فيفرز هرمونات تساعد على الراحة وتقوي المناعة إذا نام في وقت الليل خاصة أما إذا ما نام في الليل ونام في النهار لا تفرز هذه الهرمونات فتنقص مناعة الإنسان وقوة الإنسان. هذا من رحمة الله تعالى بنا (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الحديث بعد العشاء إلا في طلب العلم أو في الجلوس مع ضيف أو في مصلحة.

(وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) انتقل إلى السموات السبع، سبع سموات قوية محكمة وهذا يرجع إلى الدليل الأول فالذي خلق هذه المخلوقات العظيمة قادر على أن يحيي الموتى. ثم ذكر أعظم آية في السماء (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) هذه الشمس نعمة من الله تعالى علينا (سراجا) إشارة بالنعمة علينا بالطاقة الضوئية لأن سراجاً تعني مصباحاً مضيئاً فنستفيد من الشمس ضوؤها حتى يستطيع الناس أن يخرجوا إلى أعمالهم ويعيشوا ويزرعوا ويتاجروا. وأشار إلى المنفعة الحرارية فيها في قوله (وهاجا) متوهجاً بحرارة شديدة وهذه الحرارة بها تصلح الحياةـ، تنضج الثمار بحرارة الشمس وتُدفع المضار من جسم الإنسان بهذه الحرارة وتبخر البحار وتتكون السحب ولذلك قال بعدها (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا) فتبخر الشمس بخار الماء من البحار فتتكون السحب (من المعصرات) السحب شبهها بالثوب المبلل الذي تعصره لتخرج منه الماء كما قال تعالى (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ (43) النور) هكذا ينزل المطر. قال (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا) ماء متتابعاً

(لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) وهذا الدليل الرابع على البعث كما قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) فصلت) يُنزل الله تعالى الماء على البذرة اليابسة في الأرض اليابسة فتُخرج هذا النبات الأخضر اللين الحيّ كذلك يبعث الله الناس من قبورهم بعد الموت. (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا) وهذا أصل القوت فقدّمه الله تعالى لأن أصل القوت الحبوب الحبّ والشعير والأرز فقال (حبا) يأكل منه الحيوان ويأكل منه الإنسان. (ونباتا) يأكل منه الحيوان والإنسان وإتماماً للنعمة قال (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) لعظمها تكون متشابكة الأغضان ملتفة وعظيمة وضخمة فهذه أدلة على البعث وهذه السورة جاءت لتقرير اليوم الآخر فجاءت بكل أدلة البعث في القرآن وهي أربعة أدلة:

خلق الإنسان (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) فالذي خلقك أول مرة قادر على أن يبعثك مرة أخرى،

خلق المخلوقات الكبيرة مثل الأرض والجبال والسماء والشمس

النوم هو دليل واقعي فالنائم ميت يحييه الله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (42) الزمر) وقد ذكر تعالى في قصة (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾) فذاك ميت أحياه الله تعالى وكذلك قول ابراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٦٠﴾) شيء ميت في الحياة يحييه الله تعالى وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها وقصة أصحاب الكهف. فكلها قصص واقعية في واقع الحياة

إحياء النبات الأخضر من البذرة اليابسة

هذه الأدلة الأربعة اجتمعت في هذه السورة. قد يقول قائل أنا مسلم والحمد لله ما أحتاج إلى أن أتأمل فيها، أنا مصدق بالبعث، نقول المسلم يستفيد من هذه الآيات ومن هذه الأدلة فكم من الناس يغفلون عن اليوم الآخر ولا يستعدون! تمر في واقع حياته وكأنه لا يؤمن باليوم الآخر، تجده يترك صلاة الجماعة، تجد المرأة تتبرج، تجد هذا يدخن وهذا يسمع الأغاني وهذا في الزنا وهذا في الربا! ألا تؤمن بيوم البعث؟! ألا تؤمن وتتيقن بأن هناك جنة ونار وأن الله سيحاسبك على كل عمل؟ إذن أنت بحاجة لتجديد هذه البراهين في قلبك. للأسف هذه الآيات أصبحت الآن أموراً مألوفة في حياتنا ننام ونستيقظ من النوم، نرى الأرض، نرى الجبال، نرى السماء، نرى النبات الأخضر، ولا كأننا نتذكر بشيء! المسلم إذا استيقظ من النوم يتذكر البعث، هكذا يفتتح حياته بتذكر اليوم الآخر إذا رأى هذه المخلوقات العظيمة يتذكر اليوم الآخر ويستشعر فيها نعم الله تعالى عليه، هذه كلها نعم من الله، لما تمشي على الأرض الممهدة ولما تصيبك أشعة الشمس تستفيد منها بالضوء والحرارة، النبات الأخضر، تنام، هذه كلها أدلة ونعم من الله تعالى أيضاً تستشعر هذه النعم وتشكر الله تعالى فهذا أمر عظيم ينبغي أن يستشعرها الإنسان في حياته أنها نعم من الله تعالى وأنه يجب أن يستقيم ويسير إلى الله تعالى بكل اجتهاد وعمل صالح وتوبة إلى الله تعالى.

ثم بعد أن ذكر الله تعالى البراهين قال (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) كشف عن هذا اليوم، له وقت محدد إذا جاء لايؤخر (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) هود) وهذا يتناسب مع تساؤلهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) الملك) فالله يقول لهم (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) يفصل الله تعالى فيه بين المؤمن والكافر فريق في الجنة وفريق في السعير (وهذا ناسب أن تأتي الآيات التي بعده فتفصل في عاقبة الكافرين وجزاء المتقين) يبدأ ذلك اليوم (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) الصور الذي ينفخ فيه إسرافيل، تأتون جماعات جماعات كل أمة مع نبيها ونسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والزمر كثيرة والأفواج كثيرة، فوج الكفار، فوج الزناة، فوج آكلي الربا، فوج المطربين، فوج الممثلين، فوج اللاعبين، كل فوج يحشر مع قرينه فاختر لنفسك مع أي فوج تريد أن تحشر يا عبد الله؟! والمرء مع من أحبّ.

ثم يذكر أهوال يوم القيامة (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا) ترى أهوالاً عظيمة كما قال تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ (25) الفرقان) ينزلون من هذه الأبواب وتسير الجبال فكانت سرابا (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا (6) الواقعة) أهوال عظيمة في هذا اليوم وشدائد تدل على عظمة الله تع

المصدر: تفسير وتدبر سورة النبأ
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 7395 مشاهدة
نشرت فى 29 إبريل 2013 بواسطة ensa

انسا موقع لكل جديد وستجد ماتريد من خلال موقعنا نرحب بك فى اى وقت تشاء

ensa
هنا ستجد كل ماتريد من مقالات الاشعار والاسلاميات ونحن نطور الموقع داما وستجد قريبا افلام وكل ماتريد قريبا وادخل طلب ماتريدة بالموقع ونحن سوف نحاول ان نحضرة ...................... »

البحث فى موقع انسا

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

24,784

مرحبا بك فى كنانة

مرحبا بك فى موقع كنانة اونلاين تجد معنا ماتريد فى الموقع
ويمكن ان تشاركنا راي ولكن عليك التزام الادب وحقوق الدين

ونحن سنفعل ما بوسعنا من اجلك