ذات يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي جميعاً من صناديد مكة ففرح بلقائهم لعله أن يظفر بهدايتهم ويدعوهم إلى الله عز وجل. وبينما هو مشغول بذلك صلى الله عليه وسلم إذ أقبل عليه رجل من أصحابه عبد الله بن أم مكتوم وكان أعمى جاء من بيته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب العلم ويبتغي الهدى ويسال عن شيء اشكل عليه ويريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلّمه فكره النبي صلى الله عليه وسلم مجيئه تلك الساعة ولم يكن من مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتفرغ لهؤلاء المشركين ويدعوهم إلى الله رب العالمين فقطّب بوجهه وعبس وأعرض عن عبد الله بن أم مكتوم. فأنزل الله عز وجل عليه عتاباً بقي في كتاب الله نقرؤه إلى اليوم. قال الله عز وجل فيه معاتباً نبيه وخليله وكريمه وحبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾) هذه موعظة لك يا محمد وموعظة لأمتك من بعدك ألا يجعلوا هذا الدين مصنّفاً على طبقات أهل الأرض يؤثر به الأغنياء ويُحجز عن الفقراء، لا، هذا دين الله لخلقه كلهم ولا اعتبار لهذه الموازين الأرضية التي يتراضى الناس فيما بينهم بها فيقولون هذا غني وهذا فقير، هذا أمير وهذا مأمور، هذا غفير وهذا حر وهذا عبد هذا عربي وهذا عجمي، كل هذه لا تساوي عند الله شيئاً وما جعل الله شيئاً منها في الناس إلا من أجل أن يتعارفوا فاتخذ الناس تلك الطبقات والقبائل محلاً للتفاخر والتعادي والتباغض والتحابّ والولاء والبراء والقرب والبعد والحقيقة أنها ليس لها عند الله أدنى مقام. أنا وأنت وكل واحد منا في نهاية المطاف نرجع إلى آدم وحواء فبأي شيء أفخر عليك؟! وبأي شيء تفخر عليّ؟! وأبي وأبوك وأمي وأمك واحد، آدم وحواء. بأي حق تقول لي أنا من القبيلة الفلانية، أنا من البلد الفلاني، أنا من الحسب الفلاني، كل هذا لا معنى له في دين الله عز وجل ولا قيمة له عند الله ولا ينادى به الإنسان يوم القيامة ولا يكون شيء منه في صحائفك عندما تلقى ربك. لا تتصوروا يوم القيامة يقال لكم: يا آل بني فلان كونوا هنا عن اليمين أو عن الشمال، أو اقتربوا أو ابتعدوا، تُبعث وحدك وتُسأل وحدك وتُجازى وحدك وتلقى جزاءك على أنك إما تقي وإما شقي وليس على أنك من القبيلة الفلانية أو من البلد الفلاني أو تحمل الحسب أو النسب الفلاني ولهذا لا يجوز أن يكون لمثل هذه الاعتبارات أي درجة من الاعتبار في تقديم دين الله ودعوة الله إلى الناس عز وجل.
النبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى صناديد مكة لرغبته في هدايتهم وكره مجيء ابن أم مكتوم في تلك اللحظة وليس لأنه احتقر ابن أم مكتوم فهو أكرم عليه الصلاة والسلام من أن يقع فيه احتقار لمؤمن، هو أجلّ وأكرم فهو على خلق عظيم لكنه في تلك اللحظة وقع في نفسه أن ينشغل بهؤلاء الصناديد لاعتبار رآه عليه الصلاة والسلام وهو أن هؤلاء لو أسلموا لكان في اسلامهم نفعاً كبيراً للدعوة ولدين الله، سبحان الله! هذا مراده وهذا ما قصد بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك نزل العتاب عليه من الله يقول له (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿٢﴾) والله عز وجل يُبدي عذر ابن أم مكتوم فيصفه بالأعمى ليقول يا محمد هذا الرجل جاء إليك وأنت مشغول وهو لم يدرك ولم ير ما أنت فيه من الشغل لأنه كان أعمى فكان جديراً بك أن تعذره وأن تقدم حاجته على حاجة كل أحد اللهم صل وسلم على عبد ورسولك محمد. فقِه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى شديداً لأن الآيات جاءت موضحة لك (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾) يتطهر من ذنوبه ومن جهله أو (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾) يتعظ بما عندك من العلم والوحي والقرآن فينتفع بهذا الوحي الذي عندك. (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾) ذاك الذي كان صادّاً عنك مستغنياً عما جئت به معرضاً عن هديك وما أوحي إليك فأنت له تصدى أنت تقبل عليه بجسمك وقلبك (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾) ليس عليك شيء إن لم يتزكى لأنه قد عرضت عليه دين الله وأقمت عليه الحجة ولكنه أبى أن يقبل ورفض أن يستجيب فهو المحاسب والمجزي وليس عليك من أمره شيء (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾). (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾) هذا الأعمى جاء إليك راغباً وقاصداً ومشمراً يريد الهداية ويريد طلب العلم ويريد أن يقبس من هديك والوحي الذي أُنزل عليك. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾) انظروا كيف سمّى ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (تلهّى) لأنه عليه الصلاة والسلام ترك ما ينبغي أن يفعله من الاقبال على من جاء إليه وترك من أعرض عنه، كان هذا هو الأولى به صلى الله عليه وسلم. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا) لا تعد لمثل ذلك يا محمد (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11)).
لقد فقه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى شديداً فصار يقدّم دعوته ودينه لكل راغب فيه وكل مقبل عليه وأبعد عن نفسه عليه الصلاة والسلام تلك الموازين الأرضية والطبقات التي وضعها البشر لأنفسهم وصنّفوا أنفسهم فيها وقولبوا حياتهم عليها، رفع ذلك كله وصار يقدم الدين لجميع العالمين، من أقبل اقبلنا عليه ومن أعرض بلّغناه فإن قبل فإنما قبل لنفسه وإن أعرض وردّ فإنما ردّ عن نفسه ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترف بهذا الدرس كثيراً الذي تلقاه من وراء عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه وارضاه فكلما جاء إليه وسّع له في المجلس وبسط له رداءه وقال أهلاً بمن عاتبني فيه ربي. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، لم يأنف رسول الله صلى الله عليه وسلم مما حصل ومن هذا الرجل الذي عوتب بسببه وإنما كان يُكرمه لأنه تعلم من خلال موقفه ومن خلال ما حدث معه درساً عظيماً يرى أنه يقربه إلى الله ويبين له شيئاً من الحق الذي قد يكون خفي عليه، فاللهم صل على محمد وعلى آل محمد وكما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد.
نشرت فى 29 إبريل 2013
بواسطة ensa
انسا موقع لكل جديد وستجد ماتريد من خلال موقعنا نرحب بك فى اى وقت تشاء
هنا ستجد كل ماتريد من مقالات الاشعار والاسلاميات ونحن نطور الموقع داما وستجد قريبا افلام وكل ماتريد قريبا وادخل طلب ماتريدة بالموقع ونحن سوف نحاول ان نحضرة ...................... »
أقسام الموقع
البحث فى موقع انسا
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
24,789
مرحبا بك فى كنانة
مرحبا بك فى موقع كنانة اونلاين تجد معنا ماتريد فى الموقع
ويمكن ان تشاركنا راي ولكن عليك التزام الادب وحقوق الدين
ونحن سنفعل ما بوسعنا من اجلك
ويمكن ان تشاركنا راي ولكن عليك التزام الادب وحقوق الدين
ونحن سنفعل ما بوسعنا من اجلك


