تختلف درجة تفاعلنا مع الأحداث وتتباين ردود أفعالنا لتضعف أو تشتد حتى تصل إلى درجة الغليان....ويعتمد كل ذلك على تركيبة شخصية الانسان...
فهناك فئة من الناس تكون درجة حساسيتها الداخليه مرتفعه سرعان ما تلتهب وتصيبهم بالأكلان النفسي،التوتر لايتوقف والعقل لايهدأ وجلد الذات وتعنيفها يستمر حتى بدون ذنب تقترفه...انها حالة حرب داخليه بلاهدنه...

حاله ليست مرضية بقدر ماهي طبيعة انسانية يدرك صاحبها أنها تشقيه ويعجز عن تغييرها فهي جزء من تكوينه...انها القسوه على النفس حتى لاتخطيء وحتى تنتج وتنجح....وهي الثمن الذي يدفعه الانسان من صحته واستقراره...

والعذاب هنا ليست لحظات عابرة بل هي سلسلة من المعاناة...ففي الحياة قسوه وأحداث تتالى علينا دائما،منّا من لايشعربها ومنّا من يتعامل معها بعقلانيه وهدوء أعصاب ولا يعطها أكبر من حجمها،ومنّا من يحترق باستمرارلأجلها...

في قرائتي لمقال للكاتب (عبد الوهاب مطاوع) أعجبني مصطلح ينادي به هذه الفئه قائلا(صديقي لا تأكل نفسك)وأنا واثقة أنها الوجبة الأسوأ مذاقاً لما فيها من الألم الذي يعانيه صاحبها ومع ذلك لايستطيع التوقف عن أكل نفسه وعن القلق وعن وضع كل حدث صغير تحت المجهر ثم تحليله في مختبرات العقل ليحوله بدوره الى ماده متفاعلة حارقة بداخل النفس والقلب...

مع ذلك التاريخ يؤكد أن هؤلاء الأشخاص هم الأكثر تميزاً ونجاحاً فالاشتعال الداخلي يدفعهم دائما الى الحركه والتغيير والانتاج كالوقود يحترق ليُحرك...

لكن المشكله تكمن في أن الانسان لايعرف الا نفسه وأسلوب تفاعله ودرجة احساسه....

فان اصتدم بشخصيات مختلفة عن طبيعته لايستطيع أن يستوعب رؤيتها واحتياجاتها...كمثال تجد بين المحبين أحد الأطراف يعطي بحدود وينشغل وينسى ولا يهتم بكل شاردة وواردة....وعلى الطرف الآخر شخص لايؤمن بحدود العطاء ولايتوقف عن السعي لإسعاد من يحب ولايكل من التدقيق على كل تصرفاته،ولايرضى بأنصاف الحلول أو القسمه على اثنين في
حياة شريكه فإما حب جارف متوهج ومتميز أو وداع وفراق أبدي....

وما أكثر مايصاب (أكلة لحوم أنفسهم) بالخيبة والخذلان لأنهم يقيسون الآخرين بمقياسهم الخاص وبترمومتر حساس جداً.....لكن وبعد كل هذه المعاناة أثبتت نظريات علم النفس أنهم أكثر الناس عطاءً وأقدهم على تقديم الحب للآخرين ونثر الزهور على حياتهم وان كانت زهور يشوب جمالها أشواك القلق،وعلى ذكر علم النفس فهناك أيضاً نظرية لعلها تكون مخيبة أو واقعية تقول أن الإنسان الذي يتفانى بالعطاء بشكل مبالغ فيه هو في عقله الباطن أكثر الناس توقعاً لرد هذا العطاء يوما ما وإن أنكر ذلك وردد أنه يسعد بالعطاء في حد ذاته لابد أنه يجهل اللحظة التي سيقف فيها أمام نفسه ويبحث عن من يبادله العطاء....

ويأتي هنا دور الترقب والانتظار الذي يزيد الأكلان حدة والنار اشتعالاً والمشكله أنها النار التي لانراها فلا دخان لها ولاتحرق الا صاحبها دون أن يعلم من حوله أن عليهم مساعدته فهو قادر على رسم ابتسامه على وجهه تخفي ورائها براكين الألم....

القاريء....هل تجدني بالغتربما...ولكنها شخصيات موجوده لاتشقي من حولها بقدر ماتعذب نفسها...وليست حاله مرض نفسي أبدا بل هي طبيعه انسانيه شديدة الحساسية نحو الآخرين ونحو الأحداث يصعب تغييرها الا ان تراكمت عليها الصدمات لتتحول إلى التبلد الحسي بعد الخذلان من كل شيء حولها...

هل رأيت يوما شخص لاينامهل رأيت شخص يأكل عشر وجبات في اليوم ولايقوم بأي نشاط رياضي و مع ذلك لاتظهر عليه علامات السمنة

لاتستغرب فهو غالباً (يأكل نفسه) ويحرق جهازه العصبي كل الدهون والأطعمه التي يلتهمها في لحظات.....

نغم الحروف:

قد نسعد بالعطاء وقد نشعر بالرضا لتضميد جروح الآخرين لكن في يوم ما وفي لحظة ما سنكون نحن من يعاني ونحن من ينزف عندها شخص واحد فقط من بين ملايين العالم سيتمكن من ايقاف نزيف الألم بلمسة أو بهمسة أو ربما بنظرة وما أتعسنا لو لم يكن موجود...

emansamy

Emi

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 278 مشاهدة
نشرت فى 25 أغسطس 2005 بواسطة emansamy

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

1,315,830