نوح عليه السلام
<!-- / icon and title --><!-- message -->
قصة سيدنا نوح
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه
هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ { إدريس عليه السلام} بن يرد بن هلايل
بن قينين بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام
لقد كان بين آدم ونوح عليه السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام وقد ذكره البخاري
في صحيحه من طريق بن عباس وقيل أن المراد بالقرن هو الجيل
وليس كقرننا حاليا الذي هو مائه عام
وبعد تلك القرون الصالحه حدثت أمور أقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان
ان يعبدوا الأصنام وأصح ماذكر هو ماذكره البخاري في صحيحه في تفسير قوله تعالى :
{ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواع ولا يعوق ونسرا} نوح-23
عن بن عباس قال : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان
إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم
ففعلوا فلم تعبد حتى هلك أولئك وانسخ العلم فعبدت حينها .
فلما عم الفساد في الارض وانشر وعم البلاء بعبادة الاصنام فيها بعث الله عبده ورسوله
نوح ليدعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان
أول رسول يبعث إلى أهل الأرض
وهذا مصداق الحديث الوارد في الصحيحين في الشفاعة يوم القيامه من طريق أبي هريره
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فيأتون آدم فيقولون : ياأدم انت أبو البشر
..............فيأتون نوحا فيقولون : يانوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ..................}
ودعاهم نوح إلى إفراد الله بالعباده وعدم صرفها لغره من صنم أو تمثال أو طاغوت
وأخذ يدعوهم ليلا ونهارا وسرا وجهارا تارتا بالترغيب وتارتا بالترهيب وذلك كله
لم يفيد معهم وأستمر أكثرهم على الضلاله والطغيان وعبداده الأصنام والأوثان
ونصبوا له العداوة في كل مكان ووقت وأوان وتنقصوه هو ومن آمن معه
وتوعدوهم بالرجم والإخراج وبالغوا بأذيتهم
{ قال الملأ من قومه } أي كبارهم وساداتهم { إنا لنراك في ضلال مبين }الأعراف 60
{ قال ياقوم ليس بي ضلاله ولكني رسول من رب العالمين }الأعراف 61
وقالوا له { مانراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي
وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } هود.
تعجبوا أن يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن أتبعه ورأوهم أراذلهم أي أنهم من
ضعفاء الناس وقولهم { بادي الرأي } أي بمجرد مادعوتهم أستجابوا لك من غير نظر
ولا روية وهذا الكلام الذي رموهم به هو بحد ذاته مدح لهم فإن الحق الظاهر لايحتاج
إلى رويه ولا فكر ولانظر بل يجب إتباعه والانقياد له متى ظهر ومن مدح نبينا
عليه أفضل السلام مادحا الصديق قوله :
{ مادعوت أحدا إلى الأسلام إلا كانت له كبوة غير ابي بكر فإنه لم يتلعثم }
وقول الكفره { مانرى لكم علينا من فضل } أي لم يظهر لكم أمر بعد إتصافكم بالإيمان
ولا ميزه علينا ووصفوهم بالكاذبين فقال لهم نوح عليه السلام :
{ ياقوم أرأيتم أن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم
انلزمكموها وأنتم لها كارهون } وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة
إلى الحق , والمراد بالبينه هنا هي النبوة والرسالة وهو يقول لهم أي إذا جائتني النبوة
فلم تفهموها ولم تهتدوا لها أنغصبكم بها ونجبركم عليها ومالي حيله فيكم
وهذه حالكم وقال :{ ياقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله }
أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم
في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وأبقى مما تعطوني ,
وقوله :{ وما أنا بطارد الذين أمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون }
كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك
فأبى عليهم ذلك وقال :{ إنهم ملاقوا ربهم }
أي أخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله عزوجل وقال أيضا
{ ياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون }
وقال:{ ولا أقول للذين تزدري أعينكم} من أتباعه
{ لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين}
أي لا أشهد عليهم بأنهم لاخير لهم عند الله يوم القيامه الله أعلم بهم وسيجازيهم
على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر
وطال الزمن وهم على المجادلة بينهم وقال تعالى :
{ فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}
ومع هذه المده الطويله فما أمن معه إلا القليل وكانوا يعيشون عمرا طويلا
فيرى الشخص ثلاثه أجيال من أولاده على الأقل فكان كل جيل يوصي الذي بعده
وكل شخص كان إذا بلغ ولده وعقل عنه الكلام اوصاه بعدم الإيمان بنوح وتصديقه
وكانت سجاياهم تأبى الإيمان وإتباع الحق ولهذا قال نوح عليه السلام :
{ ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا }ولهذا قالوا:
{ يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين .
قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين } أي إنما يقدر على ذلك الله وحده
فإنه لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر بل هو الذي يقول للشئ كن فيكون وقال لهم :
{ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم
هو ربكم وإليه ترجعون} أي من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هوالذي
يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وقال تعالى :
{ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد أمن }
تسليه له عما كان منهم إليه وقال تعالى :{ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } وقال :
{ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}
وذلك أن نوح عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم
لاخير فيهم وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال
دعا عليهم دعوة غضب الله عليهم فلبى الله دعوته وأجاب طلبه بقوله تعالى :
{ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون .ونجيناه وأهله من الكرب العظيم}
وقال نوح :
{ قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين }
وقال :{ فدعا ربه إني مغلوب فانتصر} وقال :{ رب انصرني بما كذبون} وقال :
{ وقال نوح رب لا تذر على الارض للكافرين ديارا . إنك إن تذرهم يضلوا عبادك
ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا }
فاجتمعت عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك
أمره الله ببناء الفلك وهي السفينه العظيمه التي لم يكن مثلها قبل وقدم إليه تعالى
الخطاب بأنه إذا جاء الأمر وحل البأس الذي لايرد فلا تخاطبني ولا تعاودني فإنه لعله
تدركك رقه وشفقه على قومك عند معاينه العذاب النازل بهم
فإن الخبر ليس كالمشاهده قائلا له :{ ولا تخاطبني في الذين ظلموا أنهم مغرقون }
وأخذ نوح عليه السلام ومن معه ببناء الفلك وكلما مرعليه ملأ أخذوا يستهزئون به
إستبعادا لوقوع ما توعدهم به فقال لهم نوح عليه السلام :
{ إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون }أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم
في إستمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم
وقالوا :{ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم }
وقال علماء السلف أن الله أمره أن يغرس الشجر وقيل أنتظره مائه سنه
ونجره في مائه أخرى وقيل أربعين سنه والله أعلم
وأختلفوا في طولها وعرضها فمنهم من قال ستمائه طول في عرض ثلاث مائه
ومنهم من قال ألف ومائتين ذراع في عرض ستمائه ذراع
وأجمعوا على أن أرتفاعها كان ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات كل واحده عشرة أذرع
فالسفلى كانت للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها
ولها غطاء من فوقها مطبق عليها { فأوحيبا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا }
أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب في صنعتها :
{ فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك
إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}
فتقدم إليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينه
من كل زوجين إثنين من الحيوانات وسائر مافيه روح من المأكولات وغيرها
لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم
أي إلا من كان كافرا منهم فإنه قد نفذت فيه الدعوه التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس
الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم العذاب مثل أبنك { يام }
وقال الله تعالى :{ وما آمن معه إلا قليل } وقد أختلف بعدد من كان معه في السفينه
وقد ذكر إبن عباس أنهم كانوا ثمانين نفسا معهم نسائهم أما إمرآه نوح عليه السلام
قيل أنها ماتت قبل الطوفان وهو الأصح والله أعلم وقيل أنها غرقت مع من غرق
وهو فيه نظر لأن الله عزوجل ذكر محاوره نوح عليه السلام لأبنه ومحاوله إقناعه بالركوب
وإستفساره عن إبنه بعد الطوفان ولم يذكر زوجته وهذا يرجح أنها ماتت قبل الطوفان
قال تعالى :{ فإذا استويت انت ومن معك على الفلك فقل الحمدلله الذي نجانا
من القوم الظالمين , وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين }
أمره الله أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينه فنجاه بها وفتح بينه
وبين قومه وأقر عينه ممن خالفه وكذبه وقال نوح عليه السلام :
{ اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } ويبين الله لنا عظم
ماحل بهم حين أنفتحت أبواب السماء بمطر لم تعهده الارض من قبل فقد كان كأفواه القرب
والأرض نبعت ونضحت بما فيها من ماء فأصبحت الأمواج بإرتفاع الجبال وهو مصداق
قول تعالى :{ وهي تجري بهم في موج كالجبال } ولكن بحفظ الله وحراسته ومشاهدته
لقوله تعالى:{ تجري بأعيننا} .
{ ونادى نوح أبنه وكان في معزل يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين
قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم
وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } وقلنا أن هذا الأبن هو يام وقيل أسمه كنعان
وهو أخو سام وحام ويافث وقد كان كافرا ومخالفا لأبيه في دينه ومذهيه .
{ وقيل ياأرض أبلعي ماءك وياسماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت
على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين } أي لما فرغ من أهل الأرض ولم يبق منهم كافر
على وجهها امر الله السماء أن تقلع وأمر الأرض أن تبتلع مائها :{ وقضي الأمر }
<!-- / message -->
عدد زيارات الموقع
1,315,881



ساحة النقاش