|
بين إصلاح النظام الانتخابي والإصلاح السياسي الشامل | |
|
| |
عرفت مصر خلال الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة عدة نظم انتخابية لكل من مجلس الشعب ومجلس الشوري والمجالس الشعبية المحلية، بدا واضحاً أنها لم تحقق الأغراض الرئيسية التي يتوخاها أي نظام انتخابي جيد، وبخاصة دفع المصريين إلي مزيد من المشاركة في الترشيح والتصويت في الانتخابات العامة، وتحقيق التمثيل العادل المتكافئ لمختلف القوي والأحزاب السياسية في تلك المجالس. فقد أكدت نتائج كل الانتخابات التي جرت في جو نسبي من الحرية - وهي قليلة للغاية - أن نسبة المشاركة التصويتية الحقيقية للمصريين، قد دارت حول نسبة ٢٥% فقط من المقيدين في الجداول الانتخابية، وهي تعد واحدة من أدني نسب المشاركة علي مستوي العالم. كذلك فقد أفضت معظم انتخابات مجلس الشعب وكل انتخابات مجلس الشوري والمجالس الشعبية المحلية إلي هيمنة شبه مطلقة للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم علي تلك المجالس، مع وجود تمثيل رمزي لبعض قوي وأحزاب المعارضة لا يصل إلي حد التأثير الحقيقي علي عمل تلك المجالس، واتخاذ القرار فيها. ولا شك أنه من الصعب إلقاء كل المسؤولية عن ضعف المشاركة الانتخابية للمصريين، وغياب التمثيل المتوازن لقواهم السياسية علي كاهل النظم الانتخابية المتعاقبة في مصر، حيث إن ذلك يعود أيضاً إلي عوامل أخري مرتبطة بمجمل النظام السياسي، القائم علي الاستبعاد، ووضع عديد من القيود في طريق المشاركة الفردية والجماعية في العمل السياسي، إلا أن طبيعة تلك النظم الانتخابية المعقدة، والتي تتضمن نفس خصائص النظام السياسي تجعلها تتحمل جزءاً من هذه المسؤولية.
ومع ذلك فإن البدء بإصلاح النظام الانتخابي، يعد خطوة لا غني عنها لإنجاز الإصلاح السياسي الشامل، الذي يتوق إليه المصريون، ويكادون يفقدون الأمل في رؤيته من طول ما انتظروه. فمن ناحية أولي يعد الشروع في إصلاح النظام الانتخابي بكل عناصره ومكوناته وإجراءاته خطوة مهمة، إذا ما تم اتخاذها بنية صادقة من جانب الحزب الوطني وحكومته، وبالتشاور مع بقية القوي والأحزاب السياسية في البلاد، في طريق هذا الإصلاح السياسي الشامل الغائب، الذي لا يمكن أن يتحقق بدون إصلاح النظام الانتخابي. من ناحية ثانية، فإن المطالبة بانتظار تحقق الإصلاح السياسي الشامل،
حتي يمكن إجراء الإصلاحات الضرورية في النظام الانتخابي، يعد بمثابة شرط غير مبرر يمكن أن يعطي الفرصة للقوي الحكومية الرافضة للإصلاح عموماً، للتهرب من إنجاز تلك الخطوة الضرورية فيه، أي إصلاح النظام الانتخابي، بحجة انتظار القيام بالإصلاح السياسي الشامل الذي طال انتظاره. وتفضي تلك الملاحظة إلي أخري ثالثة، وهي أن الخبرة الطويلة مع النظام السياسي المصري الحالي عبر نحو ربع القرن،
تؤكد أنه لم يقم قط بأي نوع من التغيير أو الإصلاح الشامل في أي مجال سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، وكان دوماً أكثر انحيازاً للقيام بإصلاحات جزئية في بعض محاور تلك المجالات، وهو الأمر الذي يستلزم الاستفادة من هذه الخاصية - وليس قبولها - من أجل الضغط عليه لإصلاح النظام الانتخابي كجزء من إصلاح سياسي أشمل، لا يمكن توقع المدة التي سينجزه فيها هذا النظام.
في ظل ذلك فإن أي نظام انتخابي يمكن أن يأخذ صفتي الإصلاحي والفعال، يجب أن يتوافر فيه عدد من الشروط الأولية اللازمة لنجاحه في تحقيق الأهداف المرجوة منه، وفي مقدمتها تشجيع المصريين علي مزيد من المشاركة، وإرساء قواعد المساواة وتكافؤ الفرص فيما بينهم، وأن يمثل خطوة حقيقية وجادة نحو الإصلاح السياسي الشامل بكل معانيه. ويعني ذلك أن يتم قطع خطوات جادة وحقيقية فيما يخص القضايا والموضوعات ذات الصلة المباشرة بعملية الانتخابات والمؤثرة علي أداء وفعالية النظام الانتخابي، ومن بينها إصلاح الجداول الانتخابية، وتأكيد الإشراف القضائي علي الانتخابات بكل مراحلها وأماكنها، والقضاء علي ظواهر والعنف والبلطجة، واستخدام المال فيها والمنع التام لتدخل أجهزة الإدارة المحلية والأمنية في الانتخابات، والتنظيم الصارم للدعاية الانتخابية،
وغير ذلك من قضايا حيوية تمس العملية الانتخابية. وفي هذا الإطار فمن الضروري أن يتضمن النظام الانتخابي الجديد، الذي يعكف الحزب الحاكم علي إعداده في كواليسه المغلقة ثلاث خصائص رئيسية، حتي لا يتحول من خطوة نرجوها في طريق الإصلاح إلي عقبة جديدة أمامه: أولاها أن يكون متسقاً مع أحكام الدستور، وما سبق صدوره من قضاء المحكمة الدستورية العليا، فيما يخص المساواة تكافؤ الفرص بين جميع المصريين، وثانيتها، أن يفضي إلي تحقيق مزيد من الديمقراطية في النظام السياسي المصري، ويتجاوز سلبيات ومثالب النظم والانتخابات البرلمانية السابقة، وثالثتها أن يتميز بالسهولة والعملية، بحيث يمكن تطبيقه بسهولة واستيعابه بيسر من جانب المرشحين والناخبين علي حد سواء. |
نشرت فى 18 مايو 2006
بواسطة elmogahed
عدد زيارات الموقع
87,499


ساحة النقاش