|
والآن: هل يكتفي المثقفون بالهتاف؟! | |||
"علي وعلي وعلي الصوت .. اللي هايهتف مش هايموت" كان هذا واحدًا من أوائل الهتافات التي بُدئ بها التظاهر يوم الأربعاء 3 إبريل 2002 أمام مبنى نقابة الصحفيين المصرية؛ حيث تجمَّع حشد من الصحفيين والمثقفين والمواطنين تضامنًا مع الانتفاضة الباسلة للشعب العربي في فلسطين، وذلك في أحد مظاهر الاحتجاج التي فاض بها الشارع المصري والعربي بل والعالمي. ولم أستطع تحديد ما إذا كان هذا مؤتمرًا، أم تظاهرة، أم اعتصامًا؟ فقد كان مزيجًا من هذا كله؛ كان الناس غاضبين متحمسين، كانوا يشعلون المكان بصوتهم أثناء الهاتف، وكانوا يتكتلون في مواجهة قوات الأمن المصرية محاولين دفعهم من أجل الخروج والالتحام مع الجماهير في الشارع، وحين أرادت إدارة النقابة إنهاء اليوم -كما كان محددًا له- في الساعة الثالثة عصرًا رفض الشباب وبعض الرموز، وبقوا في أماكنهم معتصمين.. معتصمين. "هتافات ساخنة" وقد أخذ الغضب في الخروج من الصدور عدة أشكال منها -وكما هي العادة- الهتافات العالية: "كَفي في كفك.. وحِّد صفك.. حركة واحدة وطنية". وهذا المقطع الشعري البسيط كان بداية حديث أحد أفراد جيل الشباب من الصحفيين حين استطاع الوصول إلى الميكروفون، وأعلن من خلاله أن جميع القوى الوطنية من ناصريين وشيوعيين وإسلاميين يعلنون توحدهم في غضبتهم من ممارسات الأمن المصري ضد المتظاهرين تضامنًا مع الانتفاضة، واستعدادهم للتطوع في صفوف المناضلين في فلسطين. تنوع الخطاب في الهتاف بين التضامن مع الشعب الفلسطيني، ولعن الكيان الصهيوني والدولة العنصرية الكبرى (أمريكا)، وتحذير القيادات السياسية في مصر من السكوت على الخطر الصهيوني: - "إللي بيضرب في جنين .. بكرة هايضرب في راس التين". و"راس التين" منطقة شهيرة في الإسكندرية بمصر. - "مطلب واحد للجماهير.. قفل سفارة وطرد سفير" حمل هذا الهتاف أبرز المطالب؛ حيث اتفق جميع من تحدث، سواء عن طريق الهتاف أو عن طريق إلقاء كلمة عبر الميكرفون، سواء من إدارة النقابة أو شباب الصحفيين وغير الصحفيين المتجمعين - أن المطالب هي: 1- إنهاء كافة أشكال التعامل مع العدو الصهيوني. 2- إطلاق سراح المعتقلين الذين قُبض عليهم في المظاهرات. 3- دعم الانتفاضة الباسلة بكافة الأشكال: من إمدادات بالطعام والعلاج وحتى السلاح [تساءل أحد الأشخاص عن سر اختفاء سلاح (آر. بي. جيه) الذي يستطيع تدمير الدبابات؛ حيث استخدمه صائد الدبابات عبد العاطي في حرب عام 1973م]. لافتات.. حرق العلم وكانت إحدى وسائل التعبير المألوفة والمنتشرة عن الغضب هي إحراق علم العدو الصهيوني، وقد تكرر هذا المشهد مصحوبًا بانفعال كبير أكثر من ست مرات، كما أُحرق العلم الأمريكي أيضًا مصحوبًا بهتاف: "احرق في العلم الأمريكي .. هذا عدوي وليس صديقي". وقد لُوحظ وجود عدد من أطفال المدارس المجاورة للنقابة، وقد حملوا لافتات ورقية كُتبت عليها شعارات تضامن مع الشعب الفلسطيني، كما عُلقت عدة لافتات تُذكِّر بضرب أفغانستان، وتُحذِّر من ضرب العراق. أما أبرز لافتة ظهرت في ذلك اليوم كانت عبارة عن رسم للنجمة السداسية بداخله الصليب النازي المعقوف، وقد كان يحملها شاب واقف أمام سلم مبنى النقابة في مواجهة الجماهير الغاضبة لمدة لا تقل عن ثلاث ساعات بشكل ثابت. وكالعادة كانت هناك رسوم كاريكاتورية معلقة على حامل خشبي داخل القاعة الرئيسية التي شهدت بداية المؤتمر، ولم تشهد نهايته لإصرار الموجودين على الاعتصام أمام المبنى وعدم الدخول. المحمول في خدمة الانتفاضة وفي الساعة الثالثة والنصف عصرًا أمسك أحد الشباب الميكروفون معلنًا وصول "رسالة" على هاتفه المحمول من أحد أصدقائه في رام الله نصها كالآتي: "الغليان في الشارع لازم يستمر.. كتير برافو عليكو.. المظاهرات بترفع معنوياتنا كتير.. عمار يا مصر". وبعد أن أنهى الصحفيون كلماتهم أعلنت إدارة النقابة عن بيانها، متوجهة إلى السلطة السياسية في مصر في تعبيرها عن مطالب الجماهير المذكورة، وفتح باب التبرع للانتفاضة، إلى جانب إعرابها عن قلقها الشديد من تدهور الحالة الديمقراطية في مصر. وقد كان من أبرز المتحدثين في ذلك اليوم د. "أشرف البيومي"، والمناضل الفلسطيني "عبد القادر ياسين"، و"سمير تادرس"، والكاتب الصحفي "محمد عبد القدوس". وقد لُوحظ غياب رؤساء تحرير الصحف القومية والقنوات التليفزيونية عدا قناتي "أبوظبي"، و"المحور". وقد تفرق الجمع في حوالي الساعة الرابعة عصرًا متجهين إلى مقر الأمم المتحدة بالقاهرة لمساندة ومشاركة المتظاهرين هناك. كان المشهد في نقابة الصحفيين المصرية وغيره موحياً بسؤال حول حقيقة دور المثقفين والنخب في هذه اللحظة التاريخية؛ فما يجري في الأراضي الفلسطينية مؤخرًا وضع العالم العربي عامة والمثقفين العرب خاصة في محكّ حقيقي مع جدوى قيم بعينها، مثل: الحرية، والحقيقة، والوطن، والعدالة. وعن دور هؤلاء المثقفين في إرساء هذه القيم؛ فإما أن يروا لأنفسهم دورًا حقيقيًّا يقومون به، وإما أن يكشف الواقع حجم تواجدهم الفعلي. المثقف بين الصمت والمشاركة "كيف أتكلم عن القضية الفلسطينية وأصحابها يُستشهدون؟ إما أن أموت معهم، وإما أن أصمت".. كانت هذه الجملة الوحيدة التي قالها الشاعر والمترجم المصري "محمد عفيفي مطر" حين طلبنا منه التحدث عن الوضع الراهن. إلا أن الشاعر والناقد "أمجد ريان" أكد أن العدو الأساسي هو الولايات المتحدة التي استبدلت خلال السنوات الماضية بعدوها الإستراتيجي –الشيوعيين- آخر هو المسلمون. ولن يستطيع العرب الانتصار أو حتى استعادة الاحترام إلا من خلال ممارسة كافة الإمكانات المتاحة -كما يقول ريان- عن ممارسة العمل السياسي وعلى أعلى درجة؛ فالإعلام اليوم أصبح (يمتلك) الكرة الأرضية، وقد رأينا الإعلام العربي -من خلال الفضائيات والإنترنت- وقد كشف بوضوح أكبر ما يحدث ليس فقط فلسطين، ولكن في أنحاء العالم. أما العمل العسكري -يضيف ريان- فيتمثل في إمداد الانتفاضة بالمال والسلاح وفتح باب التطوع، وعلى كل مثقف عربي أن يختبر نفسه؛ في أي الممارسات يصلح؟ فبعض المثقفين منضمون لأحزاب سياسية، ويجب أن يقدموا تحليلات ويقيموا حوارات، وأن يشاركوا في التظاهرات، كما أن هناك بعض المثقفين يقدمون تحليلات اقتصادية مهمة، وقد أشار "أمجد ريان" إلى أن مبلغ (300) مليون دولار خُصصت للانتفاضة في مؤتمر القمة العربي الأخير مبلغ لا يكفي شيئا. وفي لهجة ساخرة ختم ريان حديثه بشكر وجَّهه إلى شارون، مبررًا ذلك بأنه أعطى الأمة العربية لأول مرة منذ عقود فرصة لكي تتأمل ذاتها وحالها المتردي!! فليقاوم المثقفون أما راوية صادق -المترجمة والصحفية بوكالة أنباء الشرق الأوسط- فقد أكدت على أهمية المظاهرات على اعتبار أنها الحد الأدنى من ممارسة الإنسان لحقه في التعبير عن الرأي، وذلك بعد أن زادت درجة وعي الجماهير بسبب التطور الهائل في وسائل الإعلام والاتصال. أما عن الانتفاضة الفلسطينية فتؤكد راوية صادق على أهمية الإسراع بإرسال كافة أشكال الدعم الممكن ماليًّا وطبيًّا وغذائيًّا وعسكريًّا. ويرى فؤاد قنديل القاصُّ والروائي المصري أن وقفة المثقفين كان ينبغي أن تكون مبكرة، ليس فقط إزاء حصار عرفات، ولكن إزاء الوضع العام في فلسطين، وأن المثقفين العرب تراجع دورهم كثيرًا، خاصة في ربع القرن الأخير. وينبغي على المثقفين -يؤكد قنديل- بلورة رؤاهم في صورة مقبولة واقعية دون إفراط ولا تفريط، وسواء قَبل الحكام رأي المثقفين، أم لم يقبلوه؛ فإنه يجب عليهم التأكيد على هذا الدور في جميع المنابر؛ ليصل صوت المثقفين الذي يأتي -لدى الحكام- في المرتبة ربما السادسة، ويقول قنديل: إن كل مثقف لا يقاوم فهو خائن، والمقاومة هنا بمعناها الشامل من مقاومة الاحتلال إلى مقاومة الظلم وحتى مقاومة الفوضى في الحياة العامة. ولا يزال التساؤل قائمًا: هل قام المثقفون العرب بدور حقيقي إزاء ما يجري في فلسطين؟ أم أن الأحداث الجارية كشفت عن قصور ما في هذا الدور؟ | |||
نشرت فى 17 مايو 2006
بواسطة elmogahed
عدد زيارات الموقع
87,499



ساحة النقاش