|
الصحفي والمظاهرات.. الهروب للأمام | |||||||
|
| |||||||
مع بوادر التغيير وحالة الحراك الاجتماعي التي تشهدها المنطقة العربية وكثير من دول العالم يأتي للصحفي دور مهم وبارز لتغطية الأحداث الناتجة عن ذاك الحراك ونقل تلك الأصوات المحتجة من أماكن تظاهرها إلى الرأي العام داخليا وخارجيا. ولا شك أن هذه المهمة -التي تحمل في أعماقها البحث عن الحقيقة- تؤدي إلى متاعب ومخاطر لمن يقوم بها؛ خاصة أنه في التظاهرات لا تفرق قوات الأمن بين صحفي ومتظاهر فالجميع في نظرها يجب أن ينفضوا، وبذلك ينال الصحفي من الضرب والأذى مثلما يتعرض له المتظاهر، وهذا ما يوجب على الصحفي أن يكون متأهبا لمواجهة هذه المخاطر ومستعدا لتحملها ومدربا على كيفية حماية نفسه في مثل هذه اللحظات. قوانين.. ولكن.. وهنا علينا التأكيد على أن التذكير بمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحمي الصحفيين ووسائل الإعلام في أوقات النزاع وأثناء تغطيتهم للأحداث على اختلافها وحتى المواثيق الداخلية ليست هي الطريق الوحيد لحماية الصحفيين بوصفهم ناقلي الحقيقة. كما أن القول بأنه يجب حماية الصحفيين بوصفهم أفرادا مدنيين آمنين لم يعد يجدي نفعا مع سلطات لا تعرف إلا لغة البطش وتكميم الأفواه وكسر الكاميرات في مواجهة معركة الصورة التي تحاول كسبها أو تقليل حجم خسائرها. وهذا يجعلها تقلل كثيرا من احترامها لأمن رجال الإعلام والصحفيين على اختلاف وسائلهم وأدواتهم. الأحداث العربية الأخيرة وتحديدا في مصر التي جرى خلالها الاعتداء على مجموعات الصحفيين أثناء تأديتهم لعملهم تشير إلى عدم كفاءة تأهيل الصحفيين، وضعف مقدرتهم على حماية أنفسهم وأدواتهم إزاء التطورات المتزايدة الإتقان من قبل السلطات الرسمية في قمعهم ومنها خلق أدوات جديدة "كالبلطجية" في محاولة يائسة للتقليل من دور هؤلاء الصحفيين. ليلة قاسية
"كانت ليلة قاسية" جملة قالها زميلي المراسل الصحفي، ولكن بنظرة واحدة إلى وجهه تأكدت أنها كانت ضربة قاسية. وتعجبت من أن تكون ضربة واحدة هي السبب وراء كل هذا التشوه الذي أصاب وجهه، وهو الذي لم يرتكب ذنبا أو جريمة يستحق عليها ذلك سوى محاولة تغطية الأحداث خلال مظاهرة شعبية. وفي ظل تلك الأجواء الخانقة يكون المراسل الصحفي ضيفا غير مرغوب فيه أثناء المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية، وهي مظاهر أصبحت تزداد حجما وعددا في الساحات العربية. ومن هنا كانت النتيجة طبيعية على وجه زميلي الذي تشوه، وعلى كاميراته التي تهشمت إثر ضربات قاسية أسقطته أرضا. وهذا يكشف أن هناك حقيقة أخرى تفرض نفسها تتمثل في واجب المؤسسات الصحفية في تأهيل المراسلين الصحفيين لديها في التعامل مع تلك المواقف الصعبة خلال تغطية المظاهرات. والتأهيل هنا يفرض نفسه على مستوى المهارات الفنية في طرق الحماية، وكيفية تجنب الدخول في الأحداث والاشتباكات، أو على المستوى البدني والتقني عبر برامج تدريبية تتبناها تلك المؤسسات الصحفية لصناعة صحفيين على مستوى "القوات الخاصة" قادرين على التعامل مع المواقف الصعبة كافة، ومؤهلين لتغطية أحداث قادمة يراهن الكثيرون على صعوبتها وخطرها. حاسة سادسة
يقول الصحفي المصري حمدي الحسيني -والذي شارك في تغطية عدد كبير من المظاهرات وتعرض لإصابات عدة خلالها: "قمت بتغطية عشرات المظاهرات حتى أصبح لدي حاسة سادسة أشعر من خلالها بالخطر والتوقيت المناسب للفرار من ساحة المظاهرة". ويضيف أن الهدف من ضرب المراسل الصحفي أو المصور تحديدا من قبل الأمن أو "البلطجية" ليس الصحفي لشخصه، لكن ذلك يأتي بهدف الحرص على عدم وجود شاهد على الحدث، وهذا يجعل الصحفي مستهدفا بحد ذاته. أما الصحفي أحمد فتحي فيعلق على الاعتداءات على الصحفيين فيقول: "ينوب [البلطجية] عن رجال الأمن في الاعتداء على الصحفيين والمصورين بشكل مباشر، حيث يضربون في الأماكن القابلة للكسر مثل منطقة الظهر أو الضلوع". ويتابع قائلا: "لا يتم الاعتداء بشكل فوري ولكن بداية يتم عمل طوق حول المتظاهرين وما أن يتم محاصرتهم حتى يبدأ الضرب وينال الصحفيون نصيبا أكبر". أما الصحفية المصرية إيمان طه -30 عاما- فقالت: "لقد أصبت بشرخ في الحوض بعد أن تعرضت للضرب على يد [البلطجية] خلال المظاهرات حيث قام أحدهم بإلقائي نحو الحائط، وركلني مرتين في البطن، فسقطت على الأرض". وأضافت أن "أحد أفراد الأمن بزي مدني قال لي: إن صراخك لن يفيد، كان عليك ألا تأتي هنا، وهذا يعلمك درسا بألا تتظاهري مرة أخرى". وقالت وفاء المصري محامية الصحفية إيمان: "إن مراكز الشرطة التي ذهبت إليها رفضت تسجيل بلاغ خاص بحادثة ضربها". وهذا يؤكد أن هناك توجها عاما يشير إلى تعمد إيذاء رجال الصحافة والإعلام وأدواتهم الفنية لتسكنهم الرهبة، وليكونوا عبرة أمام بقية زملائهم. وهنا تكمن خطورة الأحداث التي يتعرض لها الصحفيون في المناطق العربية، فالاعتداءات على كثرتها تؤكد أن هدفها هو إرعاب الصحفيين ومنعهم من التواجد في مناطق الأحداث. "الإيكيدو".. قبل أن تكيدوا حتى وقت قريب كان الصحفيون يرون أن تعلم مهارات الدفاع عن النفس والتدريب على الخروج من المواقف الصعبة التي يمكن أن تصيب الصحفي ذاته أو معداته بأضرار جسيمة هي من مهام وضرورات الصحفيين العاملين في مجال تغطية النزاعات المسلحة والحروب الأهلية فقط، لكن الأحداث الأخيرة في وسط القاهرة تشير إلى غير ذلك، فالصحفي أصبح يعيش مع احتمالية شبه مؤكدة في أن يتعرض لاعتداء من قبل قوات الأمن أو من البلطجية أو من آخرين. ومع تلك المخاوف التي لها ما يبررها فليس مطلوبا من المراسل الصحفي أن يكون مقاتلا ليقوم بتغطية الحدث، ولكن المخاطر التي قد يتعرض لها تستلزم منه أن يتمتع بلياقة بدنية جيدة، وبنية قوية قادرة على تحمل الإيذاء خاصة أن بعض الاعتداءات قد تكون قاتلة. ورغم أنه من المستحيل أن يتعامل المراسل الصحفي مع الموقف بالقوة فإن أولويات الدفاع عن النفس تكون مطلوبة في حدودها الدنيا حتى يتمكن على الأقل من حماية نفسه وما يحمله من معدات وأدوات عمل مرتفعة الثمن. ومن الممكن أن يتعلم الصحفي لعبة مثل "الإيكيدو" فإن ذلك لن يضر؛ فهي الأنسب لمثل هذه المواقف، خاصة أنه أسلوب دفاعي سهل التعلم ولا يحتاج لأكثر من 3 أشهر للتدرب عليه، كما لا يحتاج للياقة بدنية عالية. وينصح الصحفي كذلك بمطالعة مواضيع عن الدفاع عن النفس حيث توفر له حركات كفيلة بإنقاذه من بعض المواقف الخطرة. صحفي.. بوند ومن الممكن أن تكون التقنية الحديثة في التصوير ذات تأثير أفضل لتجنب بعض المشاكل والاحتكاكات المباشرة مع أجهزة الأمن و"البلطجية" على حد سواء. وربما يرى البعض أن في ذلك نوعا من المبالغة إذا قلنا بأن من واجب الصحفي أن يبتكر أساليب وتقنيات فنية ومهارات على غرار نظام أفلام "جيمس بوند" في تعامله مع خصومه حيث يضع كاميرات التصوير في نظارته الشخصية، أو سلسلة على الصدر أو التصوير من مسافات بعيدة في أضعف الإيمان. وفي عصر أصبحت فيه الصورة تحمل قيمة بحد ذاتها لكونها أساس الحدث، فإن الصورة ذاتها من الممكن أن تغطي التكلفة المادية لمثل استخدام هذه التقنيات التي يجدر بالمؤسسات الصحفية توفيرها للمراسلين للقيام بواجبهم على أحسن وجه وبأقل أضرار. وكل ذلك يصب في حماية المراسل الصحفي وخبره وبالتالي نقل الحقيقة. إجراءات الوقاية من خلال ما سبق يمكن تلخيص الإجراءات التي من الممكن أن يتخذها المراسل الصحفي قبل القيام بتغطية حدث خطر أو مظاهرة على وجه التحديد، ومنها:
وفي النهاية يبقى الدور الأكبر للمؤسسات الصحفية في تبني برامج متكاملة لتدريب الصحفيين والمراسلين لتأهيلهم للتعامل مع تلك المواقف الصعبة التي تحتاج إلى استعداد بدني وتقني عالي المستوى.
| |||||||
نشرت فى 17 مايو 2006
بواسطة elmogahed
عدد زيارات الموقع
87,499





ساحة النقاش