لا يعبر  عن الراى الشخص

 

 

 

المقدمة

تمر مصر الآن بمرحلة حاسمة في تاريخها، ومنعطفا لربما كان هو الأهم والأكثر تأثيرا في العقود الخمسة الماضية؛ حيث إنه من المتوقع أن ترسم هذه المرحلة ملامح الفترة أو الحقبة السياسية القادمة في مصر لفترة قد تزيد على العقدين وربما أكثر، أي أننا الآن نشهد بأعيننا مصير مصر السياسي والاجتماعي على مستوى المستقبل المنظور في أبعد نقاطه.

هذه المرحلة تشهد حالة من "الحرب" السياسية والإعلامية بين قوى الإصلاح والتغيير في مصر، وبين القوى الحاكمة التي شاخت وباتت على المحك بين مكتسبات عصر مضى ومفردات عصر جديد حديث يتطلب المزيد من الحضارة والتطوير والتنمية، ومزيدا من الديمقراطية أولا وأخيرا باعتبار أن تطبيق الديمقراطية الحقيقية ومبادئ الشورى الإسلامية يعتبر بمثابة "رد الحق لأهله"، والحق هنا هو "الحكم" وأهله هم الشعب المصري، باعتبار أن "الشعب هو مصدر كل السلطات" وأن مصطلح الديمقراطية ذاته يعني باللاتينية "حكم الشعب" أو (Demos Kratos).

وفي هذا الإطار فإن هناك مجموعة من المعارك المتنوعة في المجمل العام لهذه الحرب السياسية التي تحولت إلى ما يشبه "ضرب تحت الحزام" من جانب النظام الحاكم وأدواته الأمنية ضد قوى الإصلاح والتغيير في مصر، فكانت الاعتقالات والبلطجة والمطاردات الأمنية، وتلفيق الاتهامات، وإغلاق الصحف، وغير ذلك من الإجراءات التي تفننت فيها الحكومات المصرية المتعاقبة في الحقبة السياسية التي بدأت في مصر منذ أكثر من خمسين عاما وزادت وطأتها في الربع قرن الأخير.

ويعتبر ملف الطوارئ والاعتقالات في مصر أحد أهم الملفات التي تدور حولها معارك حول الإصلاح السياسي في مصر باعتبار أنه يدور حول مجموعة من الملفات الفرعية شديدة التشابك تمثل في كثير من جوانبها المعركة الرئيسية للإصلاح السياسي والتغيير، فملف الطوارئ والاعتقالات في مصر يرتبط بالتعذيب الذي يتم في السجون والمعتقلات، كما أنه يرتبط بالصلاحيات المطلقة لرئيس الدولة والتي منحها له قانون الطوارئ، هذا بالإضافة لحقوق الإنسان المنتهكة في مصر بفعل الترتيبات التي وضعها قانون الطوارئ والصلاحيات المطلقة التي منحها لمحاكم أمن الدولة والحاكم العسكري، وقد ترتب علي هذا كله ملفات الفساد التي أزكمت الأنوف في مصر، كما ترتب علي الطوارئ أيضا أزمة اجتماعية في مصر حيث ظهرت مجموعة من الأمراض الاجتماعية مثل العنف والجريمة والتفكك الأسري.

وفي هذا السياق فقد بات من المهم إعادة فتح هذا الملف وبقوة في ظل الاستحقاقات التي يجب على كافة القوى الوطنية والمعارضة الشريفة في مصر لأن قانون الطوارئ المتبع حاليا بكل ما يمنحه من صلاحيات للسلطة الحاكمة في مصر يجعل من قبضتها من القوة بحيث تقمع أية محاولة للتغيير السلمي في مصر.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الجوانب التشريعية والقانونية لحالة الطوارئ

القانون 162 لسنة 1958م المعروف بقانون الطوارئ :

القانون رقم 162 لسنة 1958 هو قانون الطوارئ الذي تطالب بإلغائه قوى المعارضة، وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد أعلن العمل به صبيحة يوم الهزيمة التي منيت بها مصر يوم الخامس من يونيو عام 1967. واستمر خلفه الرئيس أنور السادات يمارس حكمه انطلاقا من هذا القانون، ولم يقرر رفعه إلا في مايو 1980. لكن هذه الفترة لم تطل لأكثر من 18 شهرا فقط، إذ سرعان ما عاد الرئيس حسني مبارك الذي تولى الحكم عقب اغتيال السادات لفرض حالة الطوارئ على البلاد، واستمر العمل بهذا التشريع حتى الآن.

وفي ما يلي نص هذا القانون:

قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة

بالقانون رقم 162 لسنة 1958م.

بشأن حالة الطوارئ (1)

باسم الأمة

رئيس الجمهورية

بعد الإطلاع على الدستور المؤقت وعلى المرسوم التشريعي رقم 150 الصادر في الإقليم السوري بتاريخ 22/6/1949 المتضمن تنظيم الإدارة العرفية.

وعلى القانون رقم 533 لسنة 1954 في شأن الأحكام العرفية الصادر في الإقليم المصري والقوانين المعدلة له.

قرر القانون الآتي:

مادة 1- يعمل بالقانون المرافق في شأن حالة الطوارئ.

مادة 2- يلغى المرسوم التشريعي رقم 150 الصادر في 22/6/1949 والقانون رقم 533 لسنة 1954 المشار إليهما وكذلك كل نص يخالف أحكام هذا القانون.

مادة 3- ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية, ويعمل به في إقليمي الجمهورية من تاريخ نشره.

صدر برئاسة الجمهورية في 13 ربيع الأول سنة 1378هـ (27 سبتمبر سنة 1958م)

قانون بشأن حالة الطوارئ

مادة 1- يجوز إعلان حالة الطوارئ كلما تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في منطقة منها للخطر سواء كان ذلك بسبب وقوع حرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها أو حدوث اضطرابات في الداخل أو كوارث عامة أو انتشار وباء.

مادة 2- يكون إعلان حالة الطوارئ وانتهاؤها بقرار من رئيس الجمهورية ويجب أن يتضمن قرار إعلان حالة الطوارئ ما يأتي:

أولا: بيان الحالة التي أعلنت بسببها.

ثانيا: تحديد المنطقة التي تشملها.

ثالثا: تاريخ بدء سريانها.

مادة 3- لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفوي التدابير الآتية:

وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة والقبض على المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال.

الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.

تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها, وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها.

الاستيلاء على أي منقول أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات وكذلك تأجيل أداء الديون والالتزامات المستحقة والتي تستحق على ما يستولى عليه أو على ما تفرض عليه الحراسة.

سحب التراخيص بالأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة.

إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الحقوق المبينة في المادة السابقة على أن يعرض هذا القرار على مجلس الأمة في أول اجتماع له.

مادة 3 مكرر (1)- يكون للشخص المعتقل وفقا للمادة السابقة أن يتظلم من أمر الاعتقال إذا انقضت ستة أشهر من تاريخ صدوره دون أن يفرج عنه.

ويكون التظلم بطلب يقدم بدون رسوم إلى محكمة أمن دولة عليا تشكل وفقاً لأحكام هذا القانون وتفصل المحكمة في التظلم على وجه السرعة.

ولا يكون قرار المحكمة بالإفراج نافذاً إلا بعد التصديق عليه من رئيس الجمهورية.

مادة 3 مكرر(أ) (2)- يجوز لمن فرضت الحراسة على أمواله طبقاً للمادة ولكل ذي شأن أن يتظلم من أمر فرض الحراسة أو يتظلم من إجراءات تنفيذه.

ويكون التظلم بطلب يرفع بغير رسوم إلى محكمة أمن دولة عليا تشكل وفقاً لأحكام هذا القانون ويجب أن تختصم فيه الجهة الإدارية التي تتولى تنفيذ الأمر الصادر بفرض الحراسة, كما يجب أن يختصم فيه من فرضت الحراسة على أمواله إذا كان الطلب قد رفع من غيره.

وتفصل المحكمة في التظلم بتأييد الأمر أو إجراء تعديله، ولا يكون قرار المحكمة بإلغاء أمر فرض الحراسة نافذاً إلا بعد التصديق عليه من رئيس الجمهورية. ويجوز لمن رفض تظلمه أن يتقدم بتظلم جديد كلما انقضت ستة أشهر من تاريخ الرفض.

مادة 4- تتولى قوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه. وإذا تولت القوات المسلحة هذا التنفيذ يكون لضباطها ولضباط الصف ابتداء من الرتبة التي يعينها وزير الحربية سلطة تنظيم المحاضر للمخالفات التي تقع لتلك الأوامر.

وعلى كل موظف أو مستخدم عام أن يعاونهم في دائرة وظيفته أو عمله على القيام بذلك ويعمل بالمحاضر المنظمة في استثبات مخالفات هذا القانون إلى أن يثبت عكسها.

مادة 5- مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد تنص عليها القوانين المعمول بها أو من يقوم مقامه من رئيس الجمهورية بها يعاقب كل من خالف الأوامر الصادرة بالعقوبات المنصوص عليها في تلك الأوامر على ألا تزيد هذه العقوبة على الأشغال الشاقة المؤقتة ولا على غرامة قدرها أربعة آلاف جنيه أو 40 ألف ليرة وإذا لم تكن تلك الأوامر قد بينت العقوبة مع مخالفة أحكامها فيعاقب على مخالفتها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تتجاوز 50 جنيها أو خمسمائة ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين.

مادة 6- يجوز القبض في الحال على المخالفين للأوامر التي تصدر طبقاً لأحكام هذا القانون والجرائم المحددة في هذه الأوامر.

ويجوز للمقبوض عليهم في غير الجرائم المضرة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي والجرائم الأخرى التي يصدر بتعيينها أمر من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه أن يتظلم من أمر حبسه للمحكمة المختصة.

وللمحكمة أثناء نظر الدعوى أن تصدر قراراً بالإفراج المؤقت عن المتهم أيا كانت الجريمة التي يحاكم من أجلها ويكون قرار المحكمة في جرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي أو الجرائم التي يصدر بتعيينها أمر من رئيس الجمهورية خاضعاً لتصديق رئيس الجمهورية أو من يفوضه بذلك.

مادة 7- تفصل محاكم أمن الدولة الجزئية والعليا في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه.

وتشكل كل دائرة من دوائر أمن الدولة الجزئية بالمحكمة الابتدائية من أحد قضاة المحكمة وتختص بالفعل في الجرائم التي يعاقب عليها بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتشكل دائرة أمن الدولة العليا بمحكمة الاستئناف من ثلاثة مستشارين وتختص بالفصل في الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة الجناية وبالجرائم التي يعينها رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه أيا كانت العقوبة المقررة لها. ويقوم بمباشرة الدعوى أمام محاكم أمن الدولة عضو من أعضاء النيابة العامة.

ويجوز استثناء لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل دائرة أمن الدولة الجزئية من قاض واثنين من ضباط القوات المسلحة من رتبة نقيب أو ما يعادلها على الأقل وبتشكيل دائرة أمن الدولة العليا من ثلاثة مستشارين ومن ضابطين من الضباط القادة.

ويعين رئيس الجمهورية أعضاء محاكم أمن الدولة بعد أخذ رأي وزير العدل بالنسبة للقضاة والمستشارين, ورأي وزير الحربية بالنسبة إلى الضباط.

مادة 8- يجوز لرئيس الجمهورية في المناطق التي تخضع لنظام قضائي خاص أو بالنسبة لقضايا معينة أن يأمر بتشكيل دوائر أمن الدولة المنصوص عليها في المادة السابقة من الضباط وتطبق المحكمة في هذه الحالة الإجراءات التي ينص عليها رئيس الجمهورية في أمر تشكيلها.

وتشكل دائرة أمن الدولة العليا في هذه الحالة من ثلاثة من الضباط القادة ويقوم أحد الضباط أو أحد أعضاء النيابة بوظيفة النيابة العامة.

مادة 9- يجوز لرئيس الجمهورية أو لمن يقوم مقامه أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة الجرائم التي يعاقب عليها القانون العام.

مادة 10- فيما عدا ما هو منصوص عليه من إجراءات وقواعد في المواد التالية أو في الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية تطبق أحكام القوانين المعمول بها على تحقيق القضايا التي تختص بالفصل فيها محاكم أمن الدولة وإجراءات نظرها والحكم فيها وتنفيذ العقوبات المقضي بها.

ويكون للنيابة العامة عند التحقيق كافة السلطات المخولة لها ولقاضي التحقيق ولغرفة الاتهام (قاضي الإحالة) بمقتضى هذه القوانين.

مادة 11- لا تقبل الدعوى المدنية أمام محاكم أمن الدولة.

مادة 12- لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية.

مادة 13- يجوز لرئيس الجمهورية حفظ الدعوى قبل تقديمها إلى المحكمة، كما يجوز له الأمر بالإفراج المؤقت عن المتهمين المقبوض عليهم قبل إحالة الدعوى إلى محكمة أمن الدولة.

مادة 14- يجوز لرئيس الجمهورية عند عرض الحكم عليه أن يخفف العقوبة المحكوم بها أو يبدل بها عقوبة أقل منها أو أن يلغي كل العقوبات أو بعضها أيا كان نوعها أصلية أو تكميلية أو تبعية أو أن يوقف تنفيذ العقوبات كلها أو بعضها, كما يجوز له إلغاء الحكم مع حفظ الدعوى أو مع الأمر بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى، وفي هذه الحالة الأخيرة يجب أن يكون القرار مسببا.

فإذا صدر الحكم بعد إعادة المحاكمة قاضيا بالبراءة وجب التصديق عليه في جميع الأحوال وإذا كان الحكم بالإدانة جاز لرئيس الجمهورية إلغاء العقوبة أو تخفيفها أو وقف تنفيذها وفق ما هو مبين في الفقرة الأولى أو إلغاء الحكم مع حفظ الدعوى.

مادة 15- يجوز لرئيس الجمهورية بعد التصديق على الحكم بالإدانة أن يلغي الحكم مع حفظ الدعوى أو أن يخفف العقوبة أو أن يوقف تنفيذها وفق ما هو مبين في المادة السابقة, وذلك كله ما لم تكن الجريمة الصادرة فيها الحكم جناية قتل عمد أو اشتراك فيها.

مادة 16- يندب رئيس الجمهورية بقرار منه أحد مستشاري محكمة الاستئناف أو أحد المحامين العامين على أن يعاونه عدد كاف من القضاة والموظفين وتكون مهمته التثبت من صحة الإجراءات وفحص تظلمات ذوي الشأن وإبداء الرأي, ويودع المستشار أو المحامي العام في كل جناية مذكرة مسببة برأيه ترفع إلى رئيس الجمهورية قبل التصديق على الحكم.

وفي أحوال الاستعجال يجوز للمستشار أو المحامي العام الاقتصار على تسجيل رأيه كتابة على هامش الحكم.

مادة 17- لرئيس الجمهورية أن ينيب عنه من يقوم مقامه في اختصاصاته المنصوص عليها في هذا القانون كلها أو بعضها وفي كل أراضي الجمهورية أو في منطقة أو مناطق معينة فيها.

مادة 18- لا يترتب على تنفيذ هذا القانون الإخلال بما يكون لقائد القوات العسكرية في حالة الحرب من الحقوق في منطقة الأعمال العسكرية.

مادة 19- عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون محالة عليها وتتابع نظرها وفقاً للإجراءات المتبعة أمامها.

أما الجرائم التي يكون المتهمون فيها قد قدموا إلى المحاكم فتحال إلى المحاكم العادية المختصة وتتبع في شأنها الإجراءات المعمول بها أمامها.

مادة 20- يسري حكم الفقرة الأولى من المادة السابقة على القضايا التي يقرر رئيس الجمهورية إعادة المحاكمة فيها طبقاً لأحكام هذا القانون.

ويبقى لرئيس الجمهورية كافة السلطات المقررة له بموجب القانون المذكور بالنسبة للأحكام التي تكون قد صدرت من محاكم أمن الدولة قبل إلغاء حالة الطوارئ ولم يتم التصديق عليها والأحكام التي تصدر من هذه المحاكم طبقاً لما تقرره هذه المادة السابقة.

تاريخ القانون سيئ السمعة (الطوارئ)

رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تاريخ مصر في ظل قانون الطوارئ من خلال دراسة قيمة لها أكدت فيها ان مصر عرفت الأحكام العرفية لأول مرة عام 1914 إبان الحرب العالمية الأولي ففي نوفمبر من ذلك العام فرضت قوات الاحتلال البريطاني الأحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد لحماية مصالح بريطانيا والقوات البريطانية الموجودة في مصر، ولم ترفع هذه الأحكام إلا بعد سنوات من نهاية الحرب العالمية المذكورة، وبعد إصدار السلطات المصرية عام 1922 لما عرف بقانون التضمينات والذي يحمي الحكومة البريطانية وسلطاتها في مصر من أية مسئولية مدنية أو جنائية يمكن أن تترتب علي الأحكام العرفية المذكورة.

وأعتباراً من عام 1922 عاشت البلاد أكثر من 17 سنة دون أحكام عرفية إلي أن فرضت من جديد وللمرأة الثانية بسبب الحرب العالمية الثانية في أول سبتمبر 1939، ولكنها كانت هذه المرة أحكام عرفية مصرية، إذ أعلنت بمرسوم ملكي مصري تنفيذاً لمعاهدة الصداقة والتحالف الموقعة بين مصر وبريطانيا في 26 أغسطس 1936 وتم تعيين رئيس مجلس الوزراء وقتذاك المرحوم علي ماهر حاكماً عسكرياً عاماً يمثله في المحافظات والمديريات المحافظون والمديرون.

ولقد أعترض عدد من أعضاء مجلس النواب في أكتوبر 1939 علي التعجيل بإعلان الأحكام العرفية في البلاد في وقت لم تكن تعرضت فيه لغزو قوات المحور وهو ما حدث بعد ذلك بشهور واستمرت هذه الأحكام نافذة طوال مدة الحرب العالمية الثانية، وإذ انتهت الحرب العالمية في القارة الأوربية في 9 مايو 1945، فقد رفعت الأحكام العرفية في مصر بعد ذلك ببضعة شهور.

ثم أعلنت الأحكام العرفية للمرة الثالثة في مايو 1948 بمناسبة دخول الجيوش العربية ومن بينها الجيش المصري إلي فلسطين لمحاولة صد هجوم الإسرائيليين علي المدنيين هناك، وقد أستدعي ذلك إضافة حالة ثالثة إلي الحالتين الواردتين في قانون الأحكام العرفية رقم 15 لسنة 1922 وذلك بالقانون رقم 73 لسنة 1948 المعدل له، وقد نص هذا التعديل علي جواز إعلان حالة الطوارئ "من أجل تأمين سلامة الجيش المصري علي أرض فلسطين وحماية طرق مواصلاته".

وفي أبريل 1950 بادرت أخر وزارة وفدية برئاسة مصطفي النحاس إلي إعلان إنهاء الأحكام العرفية مع الإبقاء عليها جزئياً ولمدة سنة قابلة للتجديد في المناطق الحدودية مع فلسطين وفي محافظتي سيناء والبحر الأحمر علي أن الوزارة نفسها عادت بعد أقل من عامين في 26 يناير 1952 إلي إعلان الأحكام العرفية للمرة الرابعة في جميع أنحاء البلاد ابتداءاً من مساء ذلك اليوم وعين رئيس مجلس الوزراء مصطفي النحاس حاكماً عسكرياً عاماً لممارسة السلطات الاستثنائية المنصوص عليها في القانون، ثم لم يلبث أن حل محلة في ذلك رئيس الوزراء التالي نجيب الهلالي بعد إقالة الوزارة الوفدية.

واندلعت ثورة يوليو 1952 ومصر تحت الأحكام العرفية، ولم تكن الثورة بحاجة إلي هذه الأحكام لتأمين نفسها وتحقيق أهدافها بعد أن ركزت الثورة السلطات جميعها في يد مجلس قيادة الثورة، وحلت الشرعية الثورية محل الشرعية الدستورية بعد إلغاء الدستور الملكي القائم في العاشر من ديسمبر 1952، وأستمر حكم البلاد بقرارات وإعلانات صادرة من مجلس قيادة الثورة إلي تاريخ العمل بدستور 16 يناير 1956 الدائم في شهر يوليو من ذلك العام.

ولقد استصدر الرئيس جمال عبد الناصر بعد ذلك بسنتين قانون الطوارئ الحالي رقم 162 لسنة 1958 وطبق لأول مرة في الخامس من يونيو 1967 بمناسبة ما عرف بحرب الأيام الستة أو حرب السويس، واستمرت حالة الطوارئ قائمة في البلاد من ذلك التاريخ إلي أن تقرر إلغائها اعتباراً من منتصف ليل 15 مايو 1980 بعد حوالي 13 سنة من تاريخ إعلانها، وهي أطول مدة عاشتها البلاد تحت الأحكام العرفية، حتي تململ الناس من استمرارها وطالبت فئات عديدة من المواطنين برفعها وعلي رأسهم رجال القضاء والمحامون وغيرهم من المشتغلين بالقانون، لا سيما بعد التوقيع علي اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978 ثم علي معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في مارس 1979، فافتقدت الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ أساس وجودها واستمرارها، ولم يكن ثمة بد من أن يستجيب رئيس الجمهورية أنذاك الرئيس محمد أنور السادات لهذه الرغبة الملحة رغم إعلانه السابق بأن حالة الطوارئ سوف تستمر حتي تجلو قوات إسرائيل عن كامل شبه جزيرة سيناء في أبريل 1982( )، وعقب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات تم فرض حالة الطوارئ بقرار من الرئيس المؤقت في ذلك الوقت الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب السابق، حيث استمرت من يومها وحتى الآن. وهي تعد أطول فترة في تاريخ مصر الحديث. انتفاء مبررات فرض حالة الطوارئ لاشك أنه وفقاً للدستور فإن يجوز لرئيس الجمهورية فرض حالة الطوارئ وذلك لمواجهة مخاطر تتطلب أتخاذ تدابير استثنائية بهدف حماية الأمن القومي ومواجهة خطر داهم، وقد أتفق فقهاء القانون الدولي علي أن الحالات التي يجوز فيها فرض حالة الطوارئ من الحالات التي تكون فيها حياة الأمة في خطر ويمكن تحديد هذه الحالات في عناصر ثلاثة:

1- حالة الحرب

2- حالة التهديد بالحرب

3- حالات الكوارث الطبيعية

وهي العناصر التي لا تتوافر في الوقت الحالي ونأمل أن لا تتوافر، وطيلة السنوات الماضية، استخدمت الحكومة تعبير الإرهاب كذريعة لاستمرار حالة الطوارئ، في حين أن المجتمع المصري لم يشهد عملاً إرهابياً منذ عام 1997، كما أن استخدام أحداث 11 سبتمبر للإيحاء بأن العمليات الإرهابية قد تمتد إلى مصر ليس له ما يبرره لا من الناحية السياسية أو القانونية، وقد استندت الحكومة المصرية إلى استعدادات الحرب الأمريكية البريطانية على العراق هذا العام لتمديد حالة الطوارئ والذي جاء قبل موعده، حيث كان مقررا أن ينتهي العمل بتلك الحالة في مايو 2003، إلا أن الحكومة تقدمت بقرار التمديد في غضون شهر فبراير 2003.

آثار حالة الطوارئ

أما الآثار الخطيرة لهذا القانون فيمكن إجمالها في الآتي:

أولاً : تجاوز حالة الطوارئ بالمعنى التشريعي، حدود قانون الطوارئ، بل أثرت سلباً على روح البنية التشريعية المصرية التي مالت بشدة نحو التشدد والإطاحة بالعديد من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور المصري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان. فوفقاً لقانون الطوارئ تمتلك السلطة التنفيذية سلطات واسعة لوضع القيود على حرية الأفراد وحقوقهم الدستورية منها سلطة وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن واعتقالهم وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقييد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية( )، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق والضمانات التي حرص الدستور المصري علي تأكيدها في المادة "41 " الخاصة بالحرية الشخصية، والمادة " 42 " الخاصة بحرمة المساكن، والمادة " 50 " الخاصة بحرية الإقامة، والتنقل، والمادة " 54 " الخاصة بحرية الاجتماع، كما تهدر الحقوق والضمانات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومنها المادة "9" الخاصة بالحرية الشخصية والمادة " 12 " الخاصة بحرية التنقل والمادة "21" الخاصة بحق التجمع السلمي.

ثانياً: قيام الحاكم العسكري أو من ينيبه ـ بموجب المادة "3" من قانون الطوارئ ـ بمراقبة الرسائل والصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات، وينتهك كافة وسائل التعبير والدعاية والإعلام قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها، وهو ينتهك حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومراسلاتهم وبرقياتهم ومحادثاتهم التليفونية المقررة في المادة " 45 " من الدستور. ويعد أيضاً انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير والنشر المقررة في المادة " 48 " من الدستور، وحرية البحث العلمي والأدبي المقررة في المادة " 49 "، كما تهدر تلك السلطة أيضا نص المادتين 17، 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ثالثاًُ : إتاحة قانون الطوارئ حرية واسعة للسلطة التنفيذية، في عدم التقييد بالأحوال المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية للقبض علي المتهمين، إذ يجوز القبض في الحال علي المخالفين للأوامر التي تصدر طبقاً لأحكام قانون الطوارئ والجرائم المحددة في هذه الأوامر( )، وذلك بالمخالفة لأحكام الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيةوبموجب قانون الطوارئ تنشأ محاكم استثنائية للنظر في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم وهي محكمتا أمن الدولة الجزئية والعليا والترخيص بأن يدخل العنصر العسكري في تشكيل ذاك النوع من المحاكم، إذ يجوز لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل دائرة أمن الدولة الجزئية من قاض واثنين من ضباط القوات المسلحة وبتشكيل دائرة أمن الدولة العليا من ثلاثة مستشارين ومن ضابطين من الضباط القادة، وهو ما يعد انتهاكاً جسيماً للمعايير الدستورية والدولية الخاصة بالفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحصانة القضاة والتي تنص عليها المواد من " 165 إلى 173 " من الدستور ، والمادة " 14 " من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

كما يجوز لرئيس الجمهورية وفقاً لنص المادة (6) من قانون الأحكام العسكرية أن يحيل إلي المحاكم العسكرية أياً من الجرائم وذلك أثناء فرض حالة الطوارئ وهي المادة التي تم استخدامها منذ عام 1992 لإحالة المدنيين إلي المحاكم العسكرية.

كما يجوز لرئيس الجمهورية وفقاً للمادة " 9 " من قانون الطوارئ أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة طوارئ الجرائم التي يعاقب عليه القانون العام وهو ما يعد مخالفة واضحة لنص المادة " 40 " بند 9 من الدستور التي تقر مبدأ " المساواة بين المواطنين " وما يتفرع عنه من حق كل مواطن في الالتجاء إلى قاضية الطبيعي الذي أكدته المادة"68" من الدستور، كما يعد انتهاكاً جسيماً لنص المادة " 14 " من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية.

وفي ضوء هذه السلطات الاستثنائية التي تتمتع بها السلطة التنفيذية، فإنه يصعب الحديث عن مجتمع ديمقراطي تسوده ضمانات لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

مسئولية جماعية مزدوجة

وفى الواقع، أن إزالة آثار العمل بقانون الطوارئ عملية تتطلب مسئولية جماعية مزدوجة، فمن ناحية أولى، يجب أن تبدأ السلطة التشريعية بأن تتحمل مسئوليتها تجاه المجتمع بالإعلان الفوري عن وقف العمل بهذا القانون. ويجب من ناحية ثانية، أن تتحمل القوى الاجتماعية والسياسية مسئوليتها ليس فقط من أجل حث السلطات على وقف العمل بهذا القانون، ولكن العمل بشكل غير منفصل من أجل إصلاح ما أفسده القانون سواء على المستوى التشريعي والسياسي والاجتماعي. وإذ كانت المهمة الأولى، أي مهمة وقف العمل بالقانون وإنهاء حالة الطوارئ، تقع على عاتق السلطتين التشريعية والتنفيذية، باعتبار أن الحزب الحاكم هو حزب الأغلبية البرلمانية، فإن المهمة الثانية أي بناء مستقبل بلا طوارئ لن تصلح إلا أن تكون مهمة جماعية بين جميع أطراف المجتمع.

تاريخ من الطوارئ .. تاريخ من الكبت

يردد النظام أنه يستعد حاليا لإصدار قانون جديد يعرف باسم قانون "الإرهاب" بدلا من قانون الطوارئ وهو ما يعني إمكانية عدم التجديد للقانون المعمول به حاليا في مصر وكان آخر مرة تم فيها تمديد قانون الطوارئ في العام 2003م حتى عام 2006م، حيث وافق مجلس الشعب في 23 فبراير 2003م على قرار جمهوري برقم 40/لسنة 2003م بشأن مد حالة الطوارئ في البلاد والذي نص في مادته الأولى على أنه تمتد حالة الطوارئ المعلنة بقرار رئيس الجمهورية المؤقت رقم 560 لسنة 1981م لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من يونيو 2003م حتى 31 مايو 2006م، وتعد هذه المرة الحادية عشرة على التوالي لمجلس الشعب بشأن تمديد العمل بحالة الطوارئ وما يستوجبه ذلك من استمرار العمل بقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958م، وبذلك تصبح حالة الطوارئ مطبقة في مصر دون انقطاع طيلة 25 عاما.

الشروط الموضوعية للإعلان حالة الطوارئ:

نصت المادة 4 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية على نوعين من الحقوق المدنية والسياسية "النوع الأول" يتعلق بطائفة الحقوق الواردة من المواد 6،7،8 (الفقرتين 1،2)، و11،15،16،18 من العهد وهى حقوق بطبيعتها لا تقبل التقيد أو المساس بها تحت أي ظروف، أما "النوع الثاني" فيشمل طائفة الحقوق الأخرى الواردة في العهد الدولى والتي يجوز للدول متى أعلنت حالة الطوارئ رسميا، أن تتخذ في أضيق نطاق تدابير استثنائية من شانها المساس بهذه الحقوق لمواجهة الحالة الخطرة التي تهدد الدولة، على أن يكون ذلك ضمن ضوابط ومعايير محددة.

وفيما يلي بيان لنوعي هذه الحقوق المدنية والسياسية:

النوع الأول: الحقوق التي لا يجوز المساس بها في حالة الطوارئ:

ونصت المادة 4/2 Times New Ro

  • Currently 50/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 148 مشاهدة
نشرت فى 13 مايو 2006 بواسطة elmogahed

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

87,499