تمتع القضاء في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين بهيبة واحترام وتوقير لدى الرأي العام المصري بكل طوائفه حتى قبل أن توجد قوانين منظمة للسلطة القضائية ولذلك أسباب تاريخية واجتماعية. فقد نشأ القضاء الحديث في مصر في أعقاب الاحتلال البريطاني مباشرة وقبل الاحتلال كانت المحاكم الشرعية هى محاكم القانون العام أو هي صاحبة الولاية العامة وكانت تحكم بمقتضى مجلة الأحكام العدلية الصادرة في ظل الدولة العثمانية والتي كانت تعتمد على أرجح الآراء في مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان. وظل الحال على هذا النحو إلى أن صدر دستور 1923 ونص صراحة على استقلال القضاء وعلى أنه لا يجوز لأي سلطة التدخل في عمل القضاة. وأحال الدستور إلى القانون العادي لكي يُنظَم الأمر كله. ولكن ذلك القانون الذي نص عليه الدستور عام 1923 تأخر أكثر من عشرين عاماً إلى أن صدر أول قانون للسلطة القضائية في عهد حكومة الوفد التي شكلت بداية 1942. وعندما كان مصطفى النحاس باشا رئيساً للوزراء وصبري أبو علم باشا وزيراً للعدل. وهذا القانون هو أول قانون يضع أحكاماً تفصيلية لتنظيم مرفق القضاء ولضمان قدر كبير من استقلال رجال القضاء. ولكن وكما قدمنا كان القضاء الأهلي ـ أسوة بالقضاء المختلط ـ يتمتع في الواقع العملي وبغير نصوص بقدر كبير من الاحترام والتوقير والاستقلال. وقد أدى إنشاء محكمة النقض والإبرام عام 1930 وتعيين عبد العزيز باشا فهمي رئيساً لها إلى مزيد من هيبة رجال القضاء واستقلالهم. والحقيقة هي أن هذه الفترة شاهدت كثيراً من الأحكام القضائية التاريخية التي أرست العديد من أصول الحريات ووضعت جذور مبدأ المشروعية الذي هو إحدى دعامات سيادة القانون في الدولة الحديثة. وبعد أن صدر قانون السلطة القضائية الأول عام 1943 شعر القضاة بمزيد من الطمأنينة والاستقلال عن السلطة التنفيذية ووضع كادر خاص لمرتباتهم ميزهم عن غيرهم من موظفي الدولة بشكل واضح. وقد يحسن هنا أن نذكر حادثتين لهما دلالة على أوضاع السلطة القضائية في الفترة التي نتحدث عنها، واحدة من هذه الأحداث وقعت في أوائل الثلاثينات عقب إنشاء محكمة النقض والأخرى وقعت بعد صدور قانون السلطة القضائية الأول. أما الحادثة الأولى فكان بطلها عبد العزيز فهمي باشا، إذ فوجئ وهو في سيارته متجهاً إلى محكمة النقض يقرأ الجرائد، بأحد أعضاء مجلس النواب يسأل عن مرتب رئيس محكمة النقض وكيف يتساوى مع مرتب الوزير، وما إن قرأ عبد العزيز فهمي هذا الخبر حتى قال لسائقه لا تذهب إلى المحكمة واذهب بنا إلى قصر عابدين وطلب مقابلة الملك، ولما قابله رئيس الديوان الملكي أخبره عبد العزيز فهمي أنه يريد أن يقدم استقالته لأنه اعتبر السؤال عن مرتبه من عضو البرلمان تدخلاً في السلطة القضائية. والحادث الآخر الذي وقع بعد أول قانون للسلطة القضائية تمثل في أن وزير العدل آنذاك زار محكمة استئناف أسيوط ووجد العمل منتظماً كأحسن ما يكون، فلما عاد إلى القاهرة كتب خطاباً لرئيس المحكمة يعبر فيه عن شكره له ولمستشاري المحكمة فما كان من رئيس المحكمة إلا أن رد للوزير خطابه قائلاً أرجو أن تقبل اعتذاري عن عدم قبول خطابكم لأن الذي يملك الشكر يملك اللوم، ووزير العدل لا يملك لوم القضاة. إلى هذا المدى الرفيع وصل قضاة مصر في يوم من الأيام. لكن تغيرت الأوضاع تغيراً جذرياً عام 1952 بقيام ثورة يوليو. فقد بدأ الصدام بين الثورة وبين القضاة في مجلس الدولة عندما ارتكبت ثورة يوليو خطيئتها الكبرى بالاعتداء على إمام الفقه العربي العلامة الدكتور عبد الرازق السنهوري، ثم فصلت الثورة عدداً من أعضاء المجلس، وعدلت قانون مجلس الدولة. ولما كان القضاء الإداري هو الذي يراقب السلطة التنفيذية ويحاول ردها إلى مبدأ المشروعية فإن التوتر بين المجلس وقيادة الثورة كان يتزايد لولا أن المحكمة الإدارية العليا التي أوجدها القانون الجديد آثرت أن تسلك مسلك المواءمة والمهادنة. واستمرت الأمور بين شد وجذب حتى وقعت مذبحة القضاء الكبرى عام 1969 نتيجة صدام عاصف بين نادى القضاة والسلطة التنفيذية. وفي ظل دستور 1970 صدرت أحكام قضائية بإبطال ما صدر من قرارات بفصل القضاة وعاد أكثر القضاة إلى مناصبهم بأقدميتهم، وآثرت قلة منهم الاستمرار في المحاماة. لكن هذه كانت جذور الريبة والشك بين القضاة والسلطة التنفيذية. عقد مؤتمر العدالة الأول في أوائل الثمانينات وتبنى مطالب أساسية للقضاة تتمثل في تدعيم استقلالهم المهني والمالي والإداري، ووعدت السلطة التنفيذية بالاستجابة. ولكن السلطة التنفيذية تلكأت طوال عقدين أو يزيد عن الاستجابة لمطالب القضاة. وكان أن عُدل قانون مباشرة الحقوق السياسية العام الماضي تعديلاً من مقتضاه أن يشرف القضاة على الانتخابات التشريعية. ورحب الرأي العام كله بذلك. ولكن الحزب الحاكم كان يريد من هذا الإشراف القضائي شكله ولا يريد مضمونه. وأحس القضاة أن فخاً قد نصب لهم من حيث لا يحتسبون ذلك أنهم حملوا أوزاراً لا يد لغالبيتهم فيها. ومرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2005 على مراحل ثلاث، وكان واضحاً بعد المرحلتين الأولى والثانية أن الحزب الحاكم سيفقد أغلبيته لو أن الانتخابات تمت بنزاهة وشفافية وبغير تزوير لإرادة الناخبين. وهنا بدأ التدخل في المرحلة الثالثة من الانتخابات ووصل التدخل إلى حد التزوير في بعض الدوائر ذات الحساسية الخاصة للحزب الحاكم. وكان أن أعلنت مستشارة في هيئة النيابة الإدارية عن حدوث تزويرات فاضحة وفاحشة في الدائرة التي كانت تشارك فيها وطالبت بالتحقيق. وقامت الدنيا ولم تقعد. وطالب قضاة كبار بضرورة التحقيق فيما أثير من تزوير حتى يؤخذ المزور بجريمته أو تثبت براءته، واتخذ نادي القضاة ـ الذي يمثلهم ـ نفس هذا الاتجاه. ولكن هذا التوجه لم يكن يرضي حزب الأغلبية وحكومته وساند اتجاه الحكومة فريق محدود من القضاة وأحيل مستشاران كبيران للمحاكمة التأديبية لأنهما كانا يقودان حركة المطالبة بضرورة التحقيق مع من اتهموا بالتزوير. وهكذا وصل الأمر إلى هذه النتيجة الغريبة. الذين طالبوا بالتحقيق مع من اتهموا بالتزوير قُدموا للمحاكمة التأديبية. والذين اتهمتهم غالبية القضاة بارتكاب تزوير في بعض الدوائر ـ ذات الحساسية الخاصة ـ لم يسألهم أحد. هذا هو السبب المباشر للأزمة، لكن للأزمة أسباباً أخرى لعل أهمها أن مشروعاً لتعديل قانون السلطة القضائية القائم كان قد أعد منذ عدة سنوات ولكن هذا المشروع ظل حبيس الأدراج في هذه الجهة أو تلك ولم يعرض على مجلس الشعب والشورى لإصداره بعد ذلك من قبل رئيس الجمهورية. ومن المهم أن ننوه أن هذا المشروع لتعديل قانون السلطة القضائية ثارت حول بعض نصوصه خلافات بين اللجنة التي أعدته في وزارة العدل من ناحية ونادي القضاة من ناحية أخرى.

والحقيقة أنه بمراجعة هذه النصوص الخلافية ـ على أهمية بعضها ـ فإن أمر إصدار القانون لم يكن يحتمل هذا التأخير الذي امتد إلى سنين وحسم الخلافات حول بعض مواد التعديل كان يمكن عن طريق الحوار الجاد الذي يستهدف الوصول إلى حلول تحقق المصلحة العامة. ولكن الخلافات لم تحسم وظل الأمر معلقاً والمشروع راكداً في الأدراج هنا أو هناك.

وواضح أن الخلاف الأساسي بين نادي القضاة ولجنة وزارة العدل يكمن في اتجاه النادي إلى تقليص اختصاصات وزير العدل بالنسبة للقضاة بما يؤكد استقلال القضاة عن السلطة التنفيذية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فنادي القضاة يذهب إلى أن يكون تشكيل مجلس القضاء من نوعين من الأعضاء بعضهم بحكم وظائفه والآخر عن طريق الانتخاب ومشروع الوزارة ومشروع النادي يلتقيان في أساسيات التعديل ولكنهما يختلفان حول نسبة المنتخبين إلى المعينين إذ يرى مشروع النادي أن تكون نسبة المنتخبين أكبر من نسبة المعينين بحكم وظائفهم ويذهب مشروع الوزارة إلى العكس. ولكن الجمع بين الأمرين متفق عليه في المشروعين. ويرى النادي ـ الذي يمثل القضاة ـ أن لا تمدد السن لأعضاء الهيئة القضائية بعد الثمانية والستين ويرى آخرون أن ترتفع هذه السن إلى السبعين. وقد يكون المنادون برفع السن إلى السبعين متأثرين باعتبارات شخصية لا تقرهم عليها الأغلبية الكبرى من رجال القضاء.

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 387 مشاهدة
نشرت فى 13 مايو 2006 بواسطة elmogahed

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

87,499