تموج في مصر منذ اشهر مواجهات علنية عنيفة بين السلطة القضائية والحكومة المصرية، ووصلت حدة الشقاق بين القضاة والحكومة الى مستوى لم تشهده مصر منذ عقود طويلة. فما هي أسباب هذه المواجهات؟ وما تأثيرها على الحياة السياسية في مصر؟

قامت ثورة 1919 بمصر لتحقيق الاستقلال عن الاحتلال البريطاني ولانشاء حكم ديمقراطي يقيد سلطات الملك، ونجحت نجاحا كبيرا، لكنه لم يكن كاملا، اذ وضع دستور 1923 ليمثل صيغة توازن بين القوى السياسية والاجتماعية للحركة الوطنية الديمقراطية وبين القوى المستندة الى الاحتلال والملك. ونص الدستور على استقلال السلطة القضائية، وصار الحكم يتداول بين هذه القوى لمدة ثلاثين سنة تلت. وعلى طول هذه المدة اجريت عشرة انتخابات للمجلس النيابي (البرلمان)، وشكلت وزارات تتداول الحكم، كان متوسط عمر الواحدة منها لا يجاوز عشرة اشهر، واطول عمر لوزارة واحدة نحو سنتين ونصف.

وكان القضاء المصري ساعتها يكسب استقلاله من ذلك الاحتضان الثقافي السابق ومما ارسته شخصيات كبيرة من تقاليد، ثم زاد من ذلك هذا التوازن السياسي بين المؤسسات الاساسية التي عرفتها البلاد بعد ثورة 1919. فمثلا كانت لوزارة العدل (الحقانية سابقا) سلطات في تعيين القضاة ونقلهم وغير ذلك، ولم يصدر «قانون استقلال القضاء» الا في سنة 1943، ولكن وزارة العدل تداول على رئاستها 38 وزيرا في ثلاثين سنة، بمتوسط اقل من عام لكل وزير. وكان من يعين وزيرا للعدل عادة اما من القضاة السابقين الذين يشعرون بسابق انتمائهم الى القضاء، واما من المحامين الحزبيين الكبار ممن يدركون جيدا انه لن يمضي عام او عامان الا ويكونون وقوفا امام المحاكم يدافعون عن حريات احزابهم وحقوق ذويهم. ومما له دلالته هنا ان من اصدر قانون استقلال القضاء سنة 1943 كان محاميا لم يتول القضاء قط وكان امينا عاما لحزب الوفد هو محمد صبري ابو علم.

كان دور القضاء في هذه المرحلة ان يساهم في حفظ التوازن بين القوى الاجتماعية والمتباينة في قضايا الحريات والحقوق العامة، وذلك فضلا عن تسيير شؤون الناس في معاملاتهم اليومية. وكان الغالب من احكام المحاكم ان ينتصر للشرعية والديمقراطية والحريات والحقوق العامة في تفسيره وتطبيقه للقانون. وفي الاربعينات اكتمل لسلطان القضاء المصري شموله بإصدار قانون استقلاله، وبانشاء «مجلس الدولة» الذي اخضع قرارات الحكومة وسلطاتها للرقابة القضائية لأول مرة، وكذلك بإلغاء المحاكم المختلطة التي كانت تحكم في قضايا الاجانب. وفي الاربعينات ايضا احتدم الصراع الوطني الديمقراطي، ونحن نلحظ ان القضاء، بحسه عن العدالة ومن موقف الاستقلال وبايمانه برسالته، كان الغالب من احكامه في قضايا الصحافة والنشر الحكم بالبراءة، كما كان الكثير من احكامه في قضايا الاغتيالات السياسية خلال الاحتلال الانجليزي الحكم بغير الاعدام، بمراعاة ما اعتبره ظروفا مخففة مراعاة لان الدافع السياسي يميز مرتكب الجريمة عن مجرمي السرقة وما شابه، نلحظ ذلك في قضية قتل المستشار احمد الخازندار 1948 رئيس محكمة الجنايات انذاك، وقضية مقتل امين عثمان 1946 الذي كان وزيرا للمالية في وزارة الوفد السابقة، وقضية تفجير سينما مترو وغيرها. كما ان مجلس الدولة كان يصدر احكامه بالغاء قرارات مصادرة الصحف وقرارات اعتقال السياسيين وغيرها. وجرى ذلك بغير اشتغال بالسياسة، وبالالتزام الصارم بالأطر القانونية ومناهج التفسير الفقهي وضوابط تحقيق الوقائع. لكن عندما قامت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، وكانت ثورة وطنية غير ديمقراطية، شكلت نظام حكم على هذه الصورة من طرفيها. وصارت هي «القوة السياسية الوحيدة»، وانشأت تنظيما سياسيا وحيدا وجمعت سلطات التغيير والتشريع كلها، واتبعت سياسات وطنية وتنموية وذات طابع يراعي العدالة الاجتماعية في التوزيع. وبالنسبة للقضاء، فإنه باستثناء بعض اجراءات اتخذها مجلس الدولة ومنها اخراج الدكتور عبد الرازق السنهوري من رئاسته، واهتمام الحكومة بتعيين من يتولى منصب النائب العام، باستثناء هذين الأمرين، لم تتدخل الحكومة في صياغة مواقف رجال القضاء ولا في الضغط على ارادتهم، انما اتخذت طريقا آخر هو اصدار قوانين تقنن وتتيح ملاحقة افراد على خلفية مناقشة او التدخل في موضوعات معينة تراها الثورة ذات أثر سياسي مباشر عليها مثل مسائل الجيش ومشروع الإصلاح الزراعي، وكذلك انشاء محاكم عسكرية او خاصة من غير القضاة لمحاكمة الخصوم السياسيين للنظام، مثل محكمة الشعب ومحكمة الثورة وغيرها. لذلك فقد انتقص من مجال القضاء وجوه نشاط للدولة لم تعد تعرض عليه وتشملها ولايته القضائية، ولكن ما بقي له من اختصاص وهو كبير يتعلق بكل الشؤون اليومية والحياتية للناس ومعاملاتهم وأنشطتهم، بقي في الاساس بعيدا عن تأثير الحكومة وتدخلها، وبقي القضاء ينظرونه بما اعتادوا عليه بموجب تربيتهم والثقافة المهنية، بقي الغالب منها كما هو ينتقل من جيل الى جيل. وكان عبد الناصر من القوة السياسية بحيث كان يتخذ مواقف صريحة في تشكيلة محاكم خاصة بعيدا عن العمل العادي للقضاء.

استمر الوضع كذلك حتى وقعت هزيمة سنة 1967 فأضعفت النظام السياسي وهزت مصداقيته، وبدأت المعارضة السياسية من كل اتجاه تظهر وتعبر عن نفسها، وصار النظام السياسي في ضعفه مما يصعب عليه منع التقاضي او انشاء محاكم خاصة، وصار احوج للقضاء العادي اذا ضمن ولاءه له. فبدأ تفكير الحكومة في ضم القضاء الى تنظيم الاتحاد الاشتراكي وفي انشاء محاكم يشارك فيها غير القضاة ممن تختارهم الحكومة. وقد وقف القضاء ضد هذه المحاولات وأصدرت الجمعية العامة لنادي القضاة بيانا في 28 مارس (آذار) 1968 يعترضون فيه عليها. ثم جرت انتخابات النادي فانتصرت قائمة المرشحين لمجلس ادارته من الجانب المتمسك بالاستقلال على قائمة مرشحي الحكومة. وجرت في اغسطس (آب) 1969 ما سمي بمذبحة القضاء اذ صدرت قوانين طرد بموجبها 200 من رجال القضاء من وظائفهم.

وعند تولي أنور السادات حكم مصر، قاد اكبر حركة للعدول عن السياسات التي كانت متبعة في عهد جمال عبد الناصر، ورأى ان ما يكسبه الشعبية والتميز لا ان يتنافس مع عبد الناصر في مجال انجازاته ولكن ان يفعل النقيض، فيضمن في يوم وليلة ان يلتف حوله كل من كان معارضا لعبد الناصر من قوى سياسية. وكانت «مذبحة القضاء« لا تزال تخيم على البلاد، فما لبث السادات ان وجد فيها مظهرا جوهريا للعدول عن سياسات سلفه، فأعاد القضاة المفصولين تدريجيا، ثم أصدر عددا من القوانين بإلغاء منع التقاضي وشمول المحاكم كل اختصاصها القضائي. ولكن القانون الذي صدر وقتها بتنظيم السلطة القضائية وهو القانون 46 لسنة 1972 وما بعده متعلقا بتنظيم مجلس الدولة وهو القانون 47 لسنة 1972، تضمن أولا استمرار سلطات وزارة العدل على شؤون القضاء، بقي التقسيم الفني على القضاء تابعا لوزارة العدل، وبقي وزير العدل مشاركا في تعيين رؤساء المحاكم وغير ذلك من السلطات. المهم ان سلطات وزارة العدل بقيت، وهى ان كانت عرفت من قبل عهد ثورة 23 يوليو، الا ان اجهزة التنفيذ قديما لم تكن من القوة بمثل ما صارت اليه. ان السلطة التنفيذية قويت وازدادت جبروتا بعد 23 يوليو، وبقيت كذلك في عهد السادات، والسلطة الفردية استمرت، ووزراء العدل مثلا صار الواحد منهم يمكث في عمله ما يزيد على خمس عشرة سنة يفكر ويدبر ويبتدع اساليب السيطرة وسوابق التحكم وطرائق النفوذ بأجهزة رئاسية هرمية ذات خبرات متراكمة. من جهة اخرى بقيت الحكومة متمسكة بسلطتها في تشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة المدنيين من خصومها السياسيين. وأبقت حالة الطوارئ مفروضة على مصر كلها منذ اغتيل السادات في اكتوبر (تشرين الاول) 1981 حتى اليوم، بما يتيح امكان المحاكمات العسكرية وما يتيح لها القدرة على الاعتقال وإصدار القرارات الاستثنائية دون حاجة لتدخل القضاء التقليدي.

ولكن ظهرت امام الحكومات مشكلة جدت عام 2000 اذ حكمت المحكمة الدستورية بعدم شرعية تشكيل أي مجلس نيابي منتخب لا يكون اعضاء الهيئات القضائية هم من اشرف على كل لجانه الانتخابية ومراحل الانتخابات. فبدا لزوم هذا الاشراف، ولم يقبل غالبية رجال القضاء بان يمارس عليهم أي ضغط في ممارسة هذا الاشراف بحياد ونزاهة، مما صعد من المواجهة بين القضاء وجهات ادارة الدولة مثلما نشاهد الآن.

روح الديمقراطية

 طارق البشري

تموج في مصر منذ اشهر مواجهات علنية عنيفة بين السلطة القضائية والحكومة المصرية، ووصلت حدة الشقاق بين القضاة والحكومة الى مستوى لم تشهده مصر منذ عقود طويلة. فما هي أسباب هذه المواجهات؟ وما تأثيرها على الحياة السياسية في مصر؟ «الشرق الاوسط» تفتح ملف المؤسسة القضائية في مصر وعلاقاتها بالسلطة لتلقي الضوء على اجوبة لبعض هذه الاسئلة. يكتب اولا «شيخ القضاة المصريين» المستشار طارق البشري عن تاريخ القضاء في مصر، وكيف حققت المحاكم الاهلية في النصف الأول من القرن العشرين الاستقلال لا بحكم القوانين التي تضمن استقلال القضاء، لكن بحكم الثقافة الليبرالية التي كانت سائدة في مصر انذاك. ويشير البشري الى ان الكثير من ملامح استقلال القضاء في مصر، ضاعت بعد ثورة يوليو 1952، خاصة بعد نكسة 1967 وذلك بسبب ميل الدولة، الى استحداث محاكم خاصة وعسكرية تنظر في قضايا باتت تنظر السلطة اليها على انها قضايا «حساسة»، موضحا ان محنة القضاء منذ ذلك الحين تواصلت بسبب محاولات السلطة التنفيذية التدخل في عمل السلطة القضائية.

اما الدكتور يحيى الجمل استاذ القانون البارز، فيكتب عن الازمة الحالية بين المؤسسة القضائية والسلطات، موضحا ان بعض اسبابها مرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات السياسية في مصر، ومن بينها قرار المحكمة الدستورية العليا اخيرا بوجوب اشراف القضاء على الانتخابات في مصر. ويوضح الجمل ان القضاة حريصون على ازالة كل المعوقات التي يمكن ان تحول دون ممارستهم مهامهم الاشرافية بحياد، وهذا سبب المواجهة الحالية، والتي تم بموجبها احالة قاضيين للمحكمة التأديبية بسبب تصريحاتهم للصحافة حول مخالفات خلال الانتخابات البرلمانية السابقة، كما يوضح الجمل ان تأخر مشروع لتعديل قانون السلطة القضائية، احد اسباب الاحتقان بين القضاة والحكومة في مصر. إذا أردنا أن نرسم الملامح العامة والسياق التاريخي لموقع مؤسسة السلطة القضائية في النظام المؤسس لدولة مصر الحديثة، يجب ان نبدأ بالنشأة. فقد بدأ انشاء المحاكم الاهلية في النظام الحديث بمصر عام 1882. وقد بدأ النظام الجديد للمحاكم الاهلية بداية متواضعة مع تقنينات اخذت بالأساس من التشريعات الاوروبية. لكن نظام المحاكم الاهلية نما بسرعة نسبية، وما أسرع في انمائه انه ظهر في بيئة ثقافية وحضارية تعطي للتعليم والقضاء والتشريع نوعا من التوقير والقداسة تنحدر من الثقافة الاسلامية السائدة، حتى لدى من يصدرون عن مرجعية وضعية. ونحن نذكر كثرة اطراد الحديث على الالسنة في الاجيال السابقة عن اسباغ وصف القداسة على قاعة التدريس وقاعة التشريع وقاعة القضاء. في هذه الفترة وحتى ثورة 1919 لم يكن ثمة نظام دستوري حقيقي يكفل للقضاء استقلاله المؤسس. ولكن كان قدر الاستقلالية المتاحة ينبع من هذا الشكل الثقافي الذي احاط به في العقول والقلوب، وفيما عرف القضاء من قضاة كبار مثل سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وقاسم امين وغيرهم، ممن كان لهم اثر كبير من بعد في الحياة الثقافية والسياسية.

قامت ثورة 1919 بمصر لتحقيق الاستقلال عن الاحتلال البريطاني ولانشاء حكم ديمقراطي يقيد سلطات الملك، ونجحت نجاحا كبيرا، لكنه لم يكن كاملا، اذ وضع دستور 1923 ليمثل صيغة توازن بين القوى السياسية والاجتماعية للحركة الوطنية الديمقراطية وبين القوى المستندة الى الاحتلال والملك. ونص الدستور على استقلال السلطة القضائية، وصار الحكم يتداول بين هذه القوى لمدة ثلاثين سنة تلت. وعلى طول هذه المدة اجريت عشرة انتخابات للمجلس النيابي (البرلمان)، وشكلت وزارات تتداول الحكم، كان متوسط عمر الواحدة منها لا يجاوز عشرة اشهر، واطول عمر لوزارة واحدة نحو سنتين ونصف.

وكان القضاء المصري ساعتها يكسب استقلاله من ذلك الاحتضان الثقافي السابق ومما ارسته شخصيات كبيرة من تقاليد، ثم زاد من ذلك هذا التوازن السياسي بين المؤسسات الاساسية التي عرفتها البلاد بعد ثورة 1919. فمثلا كانت لوزارة العدل (الحقانية سابقا) سلطات في تعيين القضاة ونقلهم وغير ذلك، ولم يصدر «قانون استقلال القضاء» الا في سنة 1943، ولكن وزارة العدل تداول على رئاستها 38 وزيرا في ثلاثين سنة، بمتوسط اقل من عام لكل وزير. وكان من يعين وزيرا للعدل عادة اما من القضاة السابقين الذين يشعرون بسابق انتمائهم الى القضاء، واما من المحامين الحزبيين الكبار ممن يدركون جيدا انه لن يمضي عام او عامان الا ويكونون وقوفا امام المحاكم يدافعون عن حريات احزابهم وحقوق ذويهم. ومما له دلالته هنا ان من اصدر قانون استقلال القضاء سنة 1943 كان محاميا لم يتول القضاء قط وكان امينا عاما لحزب الوفد هو محمد صبري ابو علم.

كان دور القضاء في هذه المرحلة ان يساهم في حفظ التوازن بين القوى الاجتماعية والمتباينة في قضايا الحريات والحقوق العامة، وذلك فضلا عن تسيير شؤون الناس في معاملاتهم اليومية. وكان الغالب من احكام المحاكم ان ينتصر للشرعية والديمقراطية والحريات والحقوق العامة في تفسيره وتطبيقه للقانون. وفي الاربعينات اكتمل لسلطان القضاء المصري شموله بإصدار قانون استقلاله، وبانشاء «مجلس الدولة» الذي اخضع قرارات الحكومة وسلطاتها للرقابة القضائية لأول مرة، وكذلك بإلغاء المحاكم المختلطة التي كانت تحكم في قضايا الاجانب. وفي الاربعينات ايضا احتدم الصراع الوطني الديمقراطي، ونحن نلحظ ان القضاء، بحسه عن العدالة ومن موقف الاستقلال وبايمانه برسالته، كان الغالب من احكامه في قضايا الصحافة والنشر الحكم بالبراءة، كما كان الكثير من احكامه في قضايا الاغتيالات السياسية خلال الاحتلال الانجليزي الحكم بغير الاعدام، بمراعاة ما اعتبره ظروفا مخففة مراعاة لان الدافع السياسي يميز مرتكب الجريمة عن مجرمي السرقة وما شابه، نلحظ ذلك في قضية قتل المستشار احمد الخازندار 1948 رئيس محكمة الجنايات انذاك، وقضية مقتل امين عثمان 1946 الذي كان وزيرا للمالية في وزارة الوفد السابقة، وقضية تفجير سينما مترو وغيرها. كما ان مجلس الدولة كان يصدر احكامه بالغاء قرارات مصادرة الصحف وقرارات اعتقال السياسيين وغيرها. وجرى ذلك بغير اشتغال بالسياسة، وبالالتزام الصارم بالأطر القانونية ومناهج التفسير الفقهي وضوابط تحقيق الوقائع. لكن عندما قامت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، وكانت ثورة وطنية غير ديمقراطية، شكلت نظام حكم على هذه الصورة من طرفيها. وصارت هي «القوة السياسية الوحيدة»، وانشأت تنظيما سياسيا وحيدا وجمعت سلطات التغيير والتشريع كلها، واتبعت سياسات وطنية وتنموية وذات طابع يراعي العدالة الاجتماعية في التوزيع. وبالنسبة للقضاء، فإنه باستثناء بعض اجراءات اتخذها مجلس الدولة ومنها اخراج الدكتور عبد الرازق السنهوري من رئاسته، واهتمام الحكومة بتعيين من يتولى منصب النائب العام، باستثناء هذين الأمرين، لم تتدخل الحكومة في صياغة مواقف رجال القضاء ولا في الضغط على ارادتهم، انما اتخذت طريقا آخر هو اصدار قوانين تقنن وتتيح ملاحقة افراد على خلفية مناقشة او التدخل في موضوعات معينة تراها الثورة ذات أثر سياسي مباشر عليها مثل مسائل الجيش ومشروع الإصلاح الزراعي، وكذلك انشاء محاكم عسكرية او خاصة من غير القضاة لمحاكمة الخصوم السياسيين للنظام، مثل محكمة الشعب ومحكمة الثورة وغيرها. لذلك فقد انتقص من مجال القضاء وجوه نشاط للدولة لم تعد تعرض عليه وتشملها ولايته القضائية، ولكن ما بقي له من اختصاص وهو كبير يتعلق بكل الشؤون اليومية والحياتية للناس ومعاملاتهم وأنشطتهم، بقي في الاساس بعيدا عن تأثير الحكومة وتدخلها، وبقي القضاء ينظرونه بما اعتادوا عليه بموجب تربيتهم والثقافة المهنية، بقي الغالب منها كما هو ينتقل من جيل الى جيل. وكان عبد الناصر من القوة السياسية بحيث كان يتخذ مواقف صريحة في تشكيلة محاكم خاصة بعيدا عن العمل العادي للقضاء.

استمر الوضع كذلك حتى وقعت هزيمة سنة 1967 فأضعفت النظام السياسي وهزت مصداقيته، وبدأت المعارضة السياسية من كل اتجاه تظهر وتعبر عن نفسها، وصار النظام السياسي في ضعفه مما يصعب عليه منع التقاضي او انشاء محاكم خاصة، وصار احوج للقضاء العادي اذا ضمن ولاءه له. فبدأ تفكير الحكومة في ضم القضاء الى تنظيم الاتحاد الاشتراكي وفي انشاء محاكم يشارك فيها غير القضاة ممن تختارهم الحكومة. وقد وقف القضاء ضد هذه المحاولات وأصدرت الجمعية العامة لنادي القضاة بيانا في 28 مارس (آذار) 1968 يعترضون فيه عليها. ثم جرت انتخابات النادي فانتصرت قائمة المرشحين لمجلس ادارته من الجانب المتمسك بالاستقلال على قائمة مرشحي الحكومة. وجرت في اغسطس (آب) 1969 ما سمي بمذبحة القضاء اذ صدرت قوانين طرد بموجبها 200 من رجال القضاء من وظائفهم.

وعند تولي أنور السادات حكم مصر، قاد اكبر حركة للعدول عن السياسات التي كانت متبعة في عهد جمال عبد الناصر، ورأى ان ما يكسبه الشعبية والتميز لا ان يتنافس مع عبد الناصر في مجال انجازاته ولكن ان يفعل النقيض، فيضمن في يوم وليلة ان يلتف حوله كل من كان معارضا لعبد الناصر من قوى سياسية. وكانت «مذبحة القضاء« لا تزال تخيم على البلاد، فما لبث السادات ان وجد فيها مظهرا جوهريا للعدول عن سياسات سلفه، فأعاد القضاة المفصولين تدريجيا، ثم أصدر عددا من القوانين بإلغاء منع التقاضي وشمول المحاكم كل اختصاصها القضائي. ولكن القانون الذي صدر وقتها بتنظيم السلطة القضائية وهو القانون 46 لسنة 1972 وما بعده متعلقا بتنظيم مجلس الدولة وهو القانون 47 لسنة 1972، تضمن أولا استمرار سلطات وزارة العدل على شؤون القضاء، بقي التقسيم الفني على القضاء تابعا لوزارة العدل، وبقي وزير العدل مشاركا في تعيين رؤساء المحاكم وغير ذلك من السلطات. المهم ان سلطات وزارة العدل بقيت، وهى ان كانت عرفت من قبل عهد ثورة 23 يوليو، الا ان اجهزة التنفيذ قديما لم تكن من القوة بمثل ما صارت اليه. ان السلطة التنفيذية قويت وازدادت جبروتا بعد 23 يوليو، وبقيت كذلك في عهد السادات، والسلطة الفردية استمرت، ووزراء العدل مثلا صار الواحد منهم يمكث في عمله ما يزيد على خمس عشرة سنة يفكر ويدبر ويبتدع اساليب السيطرة وسوابق التحكم وطرائق النفوذ بأجهزة رئاسية هرمية ذات خبرات متراكمة. من جهة اخرى بقيت الحكومة متمسكة بسلطتها في تشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة المدنيين من خصومها السياسيين. وأبقت حالة الطوارئ مفروضة على مصر كلها منذ اغتيل السادات في اكتوبر (تشرين الاول) 1981 حتى اليوم، بما يتيح امكان المحاكمات العسكرية وما يتيح لها القدرة على الاعتقال وإصدار القرارات الاستثنائية دون حاجة لتدخل القضاء التقليدي.

ولكن ظهرت امام الحكومات مشكلة جدت عام 2000 اذ حكمت المحكمة الدستورية بعدم شرعية تشكيل أي مجلس نيابي منتخب لا يكون اعضاء الهيئات القضائية هم من اشرف على كل لجانه الانتخابية ومراحل الانتخابات. فبدا لزوم هذا الاشراف، ولم يقبل غالبية رجال القضاء بان يمارس عليهم أي ضغط في ممارسة هذا الاشراف بحياد ونزاهة، مما صعد من المواجهة بين القضاء وجهات ادارة الدولة مثلما نشاهد الآن.

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 355 مشاهدة
نشرت فى 13 مايو 2006 بواسطة elmogahed

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

87,499