المشكاة للتعريف بالموروث الحضاري الاسلامي

خصائص الفن المعماري الإسلامي

 



.أ) بداية فن العمارة
أ.1. منذ أن وجد الإنسان كان الفن، ومغاور (لاسكو) و(التيميرا) تشهد على روائع الفن الذي زين فيه الإنسان؛ ومنذ آلاف السنين، مغائره التي كانت مقره ومسكنه، وتشهد هذه الزينة المؤلفة من رسوم ملونة لحيوانات انقرضت، على مهارة وواقعية، تؤكد أن الفن وسيلة اتصال سبقت اللغة والآداب في حياة الإنسان.
أ.2. وعندما تقدمت الحضارة، كان المسكن هو الحيز الذي استوعب مهارات ومواهب الفنانين، فالمنازل التي اكتشفت في وادي النطوف (فلسطين)، أو في المريبط (سوريا)، والتي تعود إلى الألف السابعة قبل الميلاد، كانت مزينة بزخارف ملونة.
أ.3. ولكن العمارة بذاتها، لم تلبث أن أصبحت بمظهرها الخارجي وكتلتها وأقسامها، شيئاً فنياً مجسماً، يحتاج إلى عمل إبداعي، كما يحتاج إلى فكر هندسي، ومع ذلك استمرت العمارة المجال الذي يستوعب جميع أنماط الفن التشكيلي، من تصوير أو نحت. وتجلى ذلك بقوة في العمارة الإسلامية، وشاهدنا ذلك في القصور الأُموية التي تميزت بالنحت الملون أو غير الملون، وبالرسوم الفسيفسائية والتلوينية، التي ما زالت ماثلة أثارها في قصور الحَيْر والمشتى وقصر المفجر وحمام قُصَيْر عَمْرة.
أ.4. وإذا كان للفن التصويري أن ينفصل عن العمارة؛ لكي يستقر على الأشياء المنقولة، مثل المخطوطات والأواني وتوابع العمارة والأثاث، فإن أساليبه لم تتغير كثيراً، فهي إما أن تكون تشبيهية واقعية، أو تكون زخرفية مجردة، ولقد تنوعت بتنوع الطرائق والاجتهادات حتى اليوم.
على أن العمارة، وقد اعتمدت لغة أخرى غير مفردات لغة الخط واللون، وهي لغة الكتلة والفراغ، قدمت لنا هُوية مستقلة متميزة لم تختلط بهُوية فنون العمارة الأخرى التي عاصرت فن العمارة الإسلامية.
أ.5. فإذا كان الفن التشكيلي، الرسم والنحت سريع الاندماج بتيارات وشخصيات الفنون الأخرى؛ أخذ منها وانطبع بطابَعها من حيث لا يدري، كما تم في انحراف فن المنمنمات باتجاه الفن الأوربي، فإن انحراف فن العمارة مهما كان ضئيلاً، يفقد أصالته وشخصيته أو يعرضه إلى الانضواء الكامل لسيطرة الأساليب المعمارية الغربية، التي قد تكون أسهل تنفيذاً وأصلح استعمالاً، وأقرب إلى مفهوم الحداثة والزي، ولكنها تبقى مقطوعة الجذور عن نسغها الحضاري الأصلي.
وفي العصور التي تعرضت فيها المِنْطقةُ العربية ـ على سبيل المثال ـ إلى التَّبَعيةِ السياسية والاجتماعية، يبدو ذوبان الشخصية الحضارية أكثر وضوحاً في زوال الطابع المعماري الأصيل.
إن إنشاء العمارة هو عمل إبداعي يتطلب مجتمعاً ومُناخاً حرّاًً، ولقد استطاعت التبعية التي عانتها الشعوب العربية الإسلامية، أن تقمع الإبداع الفني، وأن تفتح الأبواب مشرعة أمام التأثيرات الغربية. وهكذا ظهر الأسلوب الكولونيالي الاستعماري في عمارات القاهرة والإسكندرية والجزائر والرباط والدار البيضاء وحلب وبيروت.
أ.6. وعندما ظهرت العمارة الحديثة تحت اسم Jugenstil في ألمانيا، وشهد العالم جناح ألمانيا في معرض برشلونة 1929 للمعمار ميس فان در روه المبني من الزجاج والمعدن، كان ذلك نهاية العمارة القديمة، وبداية عهد الإبداع المتطرف والمجرد. والذي كرسته، أيضاً، مدرسة الباوهاوس في فايمر. وكان هذا بداية حداثة العمارة التي قامت على رفض جميع التقاليد المعمارية من أي نوع كانت، والعودة بالهندسة المعمارية إلى الأشكال والحجوم المجردة، وهكذا أصبحت العمارة مكعبات وأهرامات معزولة أو مركبة في تشكيلات لا تخلو من العبث واللعب. وأصبح هم المعمار إثارة الدهشة الخارجية التي تسببها إيقاعات غير متزنة في الحجوم والكتل والفراغات، مع سخاء في استغلال الفراغات الداخلية لوظائف مخصصة، ضمن شروط صعبة تفرضها تجهيزات الكهرباء والإلكترون التي تؤمن الانتقال والصعود والتدفئة والتهوية والأمن.
والسؤال اليوم، أين العمارات المعاصرة من عمارات الماضي؟، يقول (جنكيز) "لم يتبق من العمارة إلا رموز الهندسة، لقد رحل هذا الفن إلى أبعد نقطة تفصله عن التاريخ وعن الإنسان". وهو ينادي بعمارة ما بعد الحداثـةPost Modernism .
إن عمارة الماضي في الهند والمكسيك وفي إيطاليا وفي البلاد العربية وغيرها، مازالت قائمة ترقب بحسرة انهيار مفهومها أمام تجريدية وعبثية العمارة الحديثة، وشيئاً فشيئاًً عاد أنصار الأصالة في كليات العمارة بشن الحرب على الأسلوب الجديد، معبرين عن سخطهم وخيبتهم لمآل الحداثة، وقد وصلت إلى نقطة الصفر؛ كما يقولون(1).

 

ب) بين العمارة وفن العمارة





ب.1. عند دراسة الفن المعماري الإسلامي، لابد من الاتفاق على المفاهيم الأولى لهذا الفن، وقد يختلط الأمر بين مفهوم العمارة ومفهوم فن العمارة مع أن ثمة اختصاصات جامعية لكل من المفهومين، اختصاص هندسي معماري واختصاص فني معماري. وهكذا نقول عن العمارة إنها طريقة البنيان لخدمة وظيفة اجتماعية محددة كالسكن والعبادة والدراسة والاستطباب والتخليد. وتتطلب هذه الطريقة معرفة بخصائص هذه الوظائف وعلاقتها بالبيئة، ومعرفة بمادة البنيان ومقدرتها على تأدية الوظيفة براحة وأمان، ومعرفة بخطط العمران بجعل العمارة خلية في نسيج المدينة. أما فن العمارة فهو إبداع تكويني وزخرفي يزيد في تشخيص هُوية المبنى ووظيفته، ويتجلى هذا الفن في وجهين، وجه خارجي مرتبط بمشهد المدينة، حيث يبدو المبنى كتلة متناغمة مع الكتل المعمارية، ومرتبط بهوُية المدينة. فالطراز المعماري يحدد سِمة العمران، فهو إما يكون أصيلاً أو دخيلاً تقليدياً أو مبتكراً. ويجهد مصممو المدن في وضع نظام معماري يبقى أساساً في تكوين عمران المدينة، كما هو علامة لنظام الحياة الاجتماعية، وللتضامن المعماري لتكوين علاقات اجتماعية موحدة من خلال وحدة الطراز أو الأسلوب المعماري.

ب . 2 . والوجه الداخلي لفن العمارة يرتبط بمصالح فردية أو عائلية خاصة، ويحقق أهدافاً مباشرة للسكان الذين يتطلعون إلى عالم داخلي يحقق لهم سكينتهم ومتعتهم، ولقد تفردت العمارة الإسلامية بتفضيل العمارة الداخلية على العمارة الخارجية، ولقد أصبح داخل المبنى زاخراً بروائع الزخارف المنتشرة على الجدران والسواكف والأفاريز والأعمدة والنوافذ والأبواب، وفي البرك والفسقيات، وفي الحدائق والأحواض التي تفوح منها رائحة الزهور والياسمين، وتنغرس فيها أشجار الليمون والكباد وعرائش العنب. حتى أصبح المسكن فردوسَ صاحبهِ، وفي الأثر: >جنة الرجل داره<.
ب.3. وينصرف هم المعمار الفنان؛ لتصميم شكل المبنى وشكل عناصره الإنشائية؛ كالأعمدة والأقواس والقباب والقبوات. ولقد تطور فن العمارة مع تطور الحياة الاجتماعية، ومع اختلاف أنظمة المدن الحديثة، وكان لظهور مادة الإسمنت والمعدن والزجاج أثر كبير في تطور العمارة الحديثة التي تسربت إلى عمارتنا، فكان لابد من استعمالها وفق شروط الفكر المعماري التقليدي للحفاظ على الهُوية المعمارية الأصيلة.

 

ج) لغة و مفردات العمارة الإسلامية

 

 

ج.1. لقد نشأت الثقافة المعمارية الإسلامية على أيدي المعمار البسيط، الذي تولى عمليات الإنشاء، والإبداع بشكل تلقائي، يعتمد على حدسه ودربته وانتمائه الاجتماعي والديني، ولم يطلع هذا المعمار الصناع على مراجع ونظريات، بل كانت تجارِبُه وابتكاراته تشكل مدرسة وتقليداً تتبعه الأجيال اللاحقة من المعماريين.
ونشأت عن الممارسات المعمارية لغة معمارية، ومفردات يتناقلها المعماريون، ويتعاملون بها للدلالة على تفاصيل أعمالهم. وكانت هذه المفردات غزيرة ومتنوعة باختلاف المعلمين المعماريين، واختلاف بيئاتهم ولهجاتهم، وهكذا ظهرت مصطلحات ومفردات مختلفة ومتباعدة غير موحدة، ولكنها مباشرة ومعبرة عن مدلولها بمرونة خارقة.
ج.2. ومع انتشار الثقافة والانتقال من اللهجات المتباينة إلى اللغة العربية المشتركة، وهي لغة القرآن الكريم، ظهرت الحاجة إلى توحيد هذه المفردات والمصطلحات، ولقد قامت المجامع اللغوية بجهود لتحقيق هذا الهدف، وكان على معاهد العمارة أن تتبنى هذه المصطلحات الموحدة، مما يساعد على فهم أسرار فن العمارة وعلى توحيد قراءتها، سعياً لتوطيد وحدة الشخصية المعمارية الإسلامية.

 

د) خصائص الفن المعماري الإسلامي

 

 

د.1. على الرغم من الفرق بين العمارة ومفهوم فن العمارة، فإن ثمة خصائص شاملة للفن المعماري الإسلامي تعتمد على المبدإ الهندسي العلمي والمبدإ الفني الإبداعي.
لقد استوفى فن العمارة في مصر والرافدين وفي الهند وفي الغرب حقَّه من الدراسة النظرية، وكانت مراجع تاريخ العمارة زاخرة بالنظريات التي تناولت هذه الفنون المعمارية، والتي درسها الاختصاصيون في العالم، وانتقلت إلينا مترجمة خالية من دراسة تنظيرية تحدد خصائص الفن المعماري الإسلامي، وكان لابد من سد هذا النقص من خلال مجموعة من المعطيات.
د.2. ويجب أن يكون واضحاً أن تحديد الخصائص لم يكن سابقاً لتكون فن العمارة الإسلامية، بل هو استدلال نستخلصه من شواهد هذا الفن المعماري. ولكن خصيصة أساسية كانت وراء هذا الفن حددت سمته واسمه، وهي الخصيصة الدينية التي تجلت في الفكر الجمالي الإسلامي، الذي كون الفنون الإسلامية والعمارة.
د.3. تتجلى علاقة العمارة بالدين الإسلامي من خلال عقيدة التوحيد كأساس عقائدي، ومن خلال التعاليم والمبادئ والتقاليد الإسلامية.



  • Currently 41/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 3142 قراءة
نشرت فى 31 مايو 2010 بواسطة elmichkete

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

20,081