جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الصوفيه -( إتباع لا إبتداع )-أصولُ التَّصوفِ في القرآن الكريم والسُّنَّةِ المحمَّديَّةِ
المعالمُ الصُّوفيَّةُ في قصةِ سيدنا موسى والخضر عليهما السَّلام
أ.د. جودة محمد أبو اليزيد المهدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وورثته الأولياء العارفين، رضي الله عنهم، وسلك بنا سبيلهم وحشرنا في زمرتهم يوم الدين.
وبعدُ
فإنَّ مهمة تأصيل مبادئ التَّصوف الإسلامي وسلوكياته الراشدة أصبحت من أهم الضَّروريات في عصرنا الحاضر، الذي تتقاذفه ألسنةُ الفتن المذهبية الجامحة من كل حدب وصوب، ومن أبرزها تلك التي تستهدف عزل التصوف الإسلاميِّ- الذي يمثل جوهر الإسلام وذروة روحانيته- عن رحاب هذا الدين، وتزعم عزو أصوله وسلوكياته إلى مصادر غير إسلامية، فكان من حتميات المنهج العلمي الصوفي إبراز الأصول القرآنية للتصوف واضحة جلية المعالم لتستقر في الأذهان مصداقية انتمائه المباشر للكتاب والسنة.
فكان هذا البحث العلمي القرآني الصوفي خطوةً على الطريق تعقبه خطوات وخطوات لتجسيد حقيقة التصوف نابعة من معين الوحيين النيرين (الكتاب والسنة). وأسألُ الله تعالى دوام التوفيق والقبول والنفع العميم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أ.د. جودة محمد أبو اليزيد المهدي
عميد كلية القرآن الكريم
وعضو اللجنة العلمية
بالمجلس الصوفي الأعلى بطنطا
بسم الله الرحمن الرحيم
في محيط أنوار التنزيل الحكيم تتكشفُ الحقائق العرفانية لأولي البصائر النيرة والقلوب المحررة من رقّ الأقفال وأسر الريون والأهواء، فتستمد هذه القلوب بالتدبر القرآني والاستغراق التعبدي ذاتيتها الربانية بواسطة أجنحة العقل في أفق سماء النقل لتقتات من هدي القرآن العظيم زاد المعرفة الحقانية، وتقتبس من ضيائه نور اليقين، وتتعرف معالم السلوك القويم إلى جناب رب العالمين.
وفي عباب بحار معاني التنزيل الزاخرة يتعرف أولو الألباب الفاقهون عن الله تعالى مجامع العلوم وأصول الحقائق ويتكشفون بما آتاهم الله من فرقان معارف الدين في أُطرها الثلاثة : الإسلام، والإيمان، والإحسان، يقول حجة الإسلام الإمام الغزاليّ قدس الله سره: (فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله عز وجل وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها، والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن)( ).
وقد أدرك سلفنا الصَّالح رضوان الله عليهم- بالتحقق والتدبر والاستنباط والتأويل العرفاني بالفهم عن الله تعالى- موسوعية معاني التنزيل واستيعابها لعلوم الأولين والآخرين بله ما استأثر الله تعالى بعلمه، فقال سيدنا علي كرم الله وجهه (لو شئتُ لأوقرت سبعين بعيراً من فاتحة الكتاب)، وقال الإمام عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن) ( )، وهذان الأثران الجليلان مؤشران للإطلاق والاستغراق في قوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء ( ) وقوله سبحانه: ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ( )، ثم كان للسنة النبوية الشريفة دور التبيين للتبيان، حيث قال تعالى شأنه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( )، وكذلك لها الحكم والفصل عند النزاع في الحقائق والاختصام في الحقوق إذ قال عز من قائل: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله.. ( )، ومن ثم: كان في الالتزام بهدي الوحيين النيرين عصمة القلوب والعقول من الزيغ والزلل.
وقضية التصوف الإسلامي من أبرز القضايا التي احتدم النزاع فيها والجدل حولها، ولبث الفكر الإسلامي في معالجتها أحقاباً طوالاً من الدهر ما بين إثبات مثبت وإنكار معاند وتطرف مقيت، وتقمصت الأهواء والبدع فيها النفوس والعقول، وما كان لهذا النزاع والصراع أن يجدا سبيلهما إلى القلوب المنكرة والحجى المتنافرة لو أنها اعتصمت بحبل الله المتين وتحاكمت إلى صاحب السنة الأمين ، ولكنَّ جموح الفكر وشطط الهوى قد اجتذبا القضية من أطراف عديدة بعيدًا عن الموضوعية العلمية للتحاكم فيها إلى الرأي المذهبيّ الآبق عن هدي الكتاب والسنة.
ومن ثم حُقَّ على القرآنيين حملة لواء السنة، أن يضعوا القضية تحت مجهر الوحيين النيرين للحسم فيها بكلمة الله ورسوله التي لا معقب لها ولا مقنع من غيرها.
ومن هنا جاء دور هذا البحث لتأصيل جملة من المبادئ والقواعد التي تمثل جوهر التصوف الإسلاميّ في إطاره القرآني والسُّني بعيدًا عن الشقشقة الفارغة في مناقشة تسميته الاصطلاحية التي يمكن بسهولة إحلال العديد من البدائل القرآنية والحديثية محلها مثل (التزكية)، (الربانية) و(الإحسان) وغيرها( ) فالمهم هو الجوهر، والحقيقة، والمبادئ، والقواعد، والمنهج، والغاية. وقد وجدتُ في قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح سيدنا الخضر- على نبينا الأعظم وعليهما الصلاة والسلام- كما صورها القرآن والسُّنة الصَّحيحة-: مصدرًا جزيلاً ثريا بالعطاء، فيه تتضح الرؤى والمعالم وتُغتنم الفوائد والمقاصد وتُستقى المبادئ التي ترسّخ قواعد السُّلوك الصُّوفي الرشيد إلى غاية لا منتهى لها في أرض الحقيقة، فلا يتبقى بعدُ لمتنطع أن يزعم عزل التصوف عن ساحة التنزيل وعزوه إلى مصادر أجنبية عن الإسلام.
وقد ارتأيتُ في تأصيل أبرز المعالم الصُّوفية من الوحيين النيرين أقوم سبيل لحسم النزاع في القضية بعيدًا عن المنطق الجدليّ والسَّفسطة العقيمة إذْ لا طائل من ورائهما إلا إلهاب أوار الخلاف وإذكاء روح النزاع، ونعوذُ بالله تعالى منهما، فلنول وجوهنا جميعًا شطر القرآن العظيم والسنة المطهرة بروح النصفة والتجرد ما دمنا طلاب حقيقة.
وسنبدأ- بتوفيق الله تعالى- بسوق القصة بنص القرآن الكريم أولاً ثم نتبعه بإيرادها في الحديث الشريف ثانيًا، ثم نشرع في استقاء المعالم الصوفية الوضاءة من نصيّ الوحيين النيرين في ضوء أقوال الراسخين في العلم من أثبات المفسرين والمحدّثين وأئمة العارفين بالله تعالى رضوان الله عليهم أجمعين.
يقول تعالى شأنه في سورة الكهف:
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً *فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً* قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً* قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً* أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباًً* وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً* َأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً* وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً( )".
وننتقل إلى السنة النبوية الشريفة فنجد جوامع الصِّحاح والسُّنن قد تضافرت على إيراد القصة من طرق شتى، متضمنة بيان النص التنزيلي بإبراز تفاصيل وتوضيحات لعديد من المجملات في القصة يتصدرها تحقيق شخصية الطرف الأول فيها وهو سيدنا موسى الرسول على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وبيان سبب ارتحاله إلى العبد الصالح الذي صرَّح الحديث الشريف بأنه سيدنا الخضر عليه السلام، إلى غير ذلك من التفاصيل التي تتكشف بها أبعاد وجوانب لها مدلولاتها المهمة في القصة.
فيروي الشيخان رضي الله عنهما بسنديهما عن سيدنا سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قال: قلت لابن عباس: إنَّ نوفًا البكالي( ) يزعم أنَّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله حدثني أُبي بن كعب أنه سمع رسول الله يقول: إنَّ موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا( ) فعتب الله عليه، إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: أنَّ لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل، فحيثما فُقد الحوت فهو ثَمَّ!! فأخذ حوتاً فجعله في مكتل. ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما، فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً( )، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقط نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من قول موسى لفتاه: آتنا من غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًاً. قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوزا المكان الذي أمر الله به. فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا.
قال: فكان للحوت سربًا ولموسى ولفتاه عجبًا. فقال موسى: ذلك ما كنا نبغ فارتدَا على آثارهما قصصًا. قال: رجعا يقصّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى ثوباً، فسلّم عليه موسى. فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟
قال: أنا موسى. قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. أتيتك لتعلّمني مما علمت رُشدًا.
قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا. يا موسى: إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك الله لا أعلمه.
فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصى لك أمرًا. فقال له الخضر: إن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحدث لك منه ذكراً.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوه بغير نول( ).
فلما ركبا في السفينة لم يفاجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقّدُّوم. فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئًا إمرًا!
يتبع
ساحة النقاش