هندسة الانتباه

العلوم والفنون والآداب

د.أحمد الزلوعي يكتب: ضلالات الانتقاص من الذات 
************************


تعالت أصوات بعض المثقفين مؤخرا بالتهجم على كل ما هو عربى من جهة وإسلامي من جهة أخرى. تصاعدت الهجمات حدة حتى دأب أحدهم على وصف العرب فى كل سياق بالبدو, وتعود آخر على وصفهم بعربان نجد والحجاز, وكان يمكننا تفهم مقاصدهم إذا تعلق الأمر بسلوك بعينه أو بسمت محدد يعيبونه على العرب عموما وعلى البدو خصوصا؛ ولكن كل هجومهم إنما ينصب على ثوابت فى الفكر الإسلامي حتى هاجم أحدهم صيام رمضان باعتباره من طقوس عربان نجد والحجاز!.. والحقيقة أن هذا الخطاب الطريف ليس جديدا وإنما نادى به متحمسون من قبل فى بدايات القرن العشرين كسلامة موسى (1887- 1958) الذى نادى باعتماد العامية المصرية كلغة أساسية, وكتابة العربية بحروف لاتينية.. كانت هذه النبرة العدائية للعروبة قد تلاشت فى الستينيات بالطبع تماشيا مع توجهات النظام وقتها, وربما كرما منه بإتاحة المجال للتهجم على الإسلامي دون التعرض للعروبى و لم يُستغرب والحال كذلك قول الشاعر البعثى 
رضيت بالبعث ربا لا شريك له .. وبالعروبة دينا ماله ثان 
وبعد انشقاق الصف العربى عقيب معاهدة كامب ديفيد أطلقت الإشارات الخضراء لمهاجمة العروبة على أوسع نطاق لكن هذه المرة دون التعرض لما هو إسلامى لزوم توازنات المرحلة الجديدة فعادت نبرة الوطنية تعلو على نبر ة القومية, وبلغ الشطح بشاعرة أن ظهرت مؤخرا على شاشة التلفزيون ترتدى زي الملكات الفرعونيات! وشاع الحديث عن الغزو العربى بديلا عن الفتح, وسيطرت خيالات شتى على بعض العقول حتى ظنت أن كل ما حدث لمصر من تخلف وركود إنما كان بسبب ما تم من 1400 عام من الغزو العربى!! لهؤلاء جميعا نقول

أولا ...... اللغة والدين يشكلان سمتان أساسيتان فى ثقافة الأمة التى هى جوهر شخصيتها ومناط ماضيها ومستقبلها. ولا يتعارض ذلك مع الحضارات القديمة التى تركت إرثا وأثرا فى ثقافة الامة وشخصيتها. وليست مصر بدعا فى ذلك فقد دخل الجرمان الجزر البريطانية فى القرن السادس الميلادى (دخل العرب مصر فى القرن التالى) واستقرو بها وأخذت الارض أسماء قبائلهم الأنجل والبريتان والساكسون وغيرها, وكذلك أثرت لغتهم فى الانجليزية تأثيرات كبرى و لعل الأديب العظيم نجيب محفوظ قد ألقى ضوءا كاشفا فى هذا السياق عبر كلمته بمناسبة فوزه بجائزة نوبل والتى جاء فيها ( أنا ابن حضارتين تزوجتا فى عصر من عصور التاريخ زواجا موفقا .... الحضارة الفرعونية .. والحضارة الإسلامية ..) وهى العبارة المتوقعة من روائي فذ نافذ فى عمق العمق من نفسيات شخوصه المصرية الصميمة.

ثانيا ...... بالنسبة إلى اللغة...انتشار اللغة لا يتأتى بقرار سلطوى, وآية ذلك أن أمما كثيرة احتفظت بلغتها رغم انتشار الاسلام فيها كإيران (اللغة الفارسية) وأواسط آسيا ( اللغة التركية) فلماذا ارتضت مصر العربية ولم يحدث ذلك فى ايران ؟ أرى ذلك عائدا ل
1- حالة الأمة وقت وفود اللغة الجديدة إليها فقد كانت فارس قلب امبراطورية عريقة زمن الفتح العربي بينما كانت مصر ولاية رومانية منذ قرون خلت
2- الإرث الثقافي المدون باللغة الفارسية كان كبيرا و حاضرا وقت الفتح العربى فيما كانت مصر تدون باليونانية وتتحدث بلغة مطورة عن المصرية القديمة فيما حكامها رومان يتحدثون بلغتهم
3- مدى تقارب اللغة الوافدة من المحلية ولا يخفى أن الفارسية من عائلة اللغات الارية البعيدة نسبيا عن العربية السامية 
4- حجم الهجرات العربية.. وهجرات القبائل تتم على فترات بشكل سلمى عقب الفتح وبالتالى فقد كانت القبائل العربية المهاجرة الى الأقاليم الفارسية تفضل الإقامة فى العراق لقربه من الجزيرة العربية ولوجود ظهير عربى قديم فى ربوعه فلم تتوغل كثيرا إلى القلب الايران على عكس ما حدث فى مصر من استقرار قبائل كبيرة فى اقاليم الشرقية والصعيد وغيرها

ثالثا ...... بالنسبة إلى الدين .....الدين كثقافة يخضع لذائقة الامم وموروثها ويتيح لها إعادة قراءته وبلورته وهى صفة مرونة لا تقتصر فقط على الدين وإنما تشمل كل نص وكل ثقافة وكل خطاب حيث يتدخل وعى المتلقى فى صياغة المفاهيم و تكوين الصورة التى سوف يكتب لها الحياة بقدر تماشيها مع البيئة والذائقة والاعراف ولذلك نجد الاسلام فى مصر قد اتخذ طابعا مختلفا عنه فى بلاد اخرى فمثلا :
1- شاع الاقتصار على زوجة واحدة بخلاف السائد فى بلاد إسلامية اخرى
2- احتفظت الامة بأعياد قديمة لها كشم النسيم وبقيت طقوس مثل الدفن والاربعين وغيرها
3- يستخدم الفلاحون المصريون الشهور المصرية تقويما لزراعة الارض وفق دورات موغلة فى القدم ومواسم فرعونية احتفظت باسمها حتى اليوم مثل نزول النقطة
4- شاعت فى المدن والقرى مقامات الاولياء على اختلاف درجاتهم فيما يشبه تقسيم أقاليم مصر القديمة دينيا وانتحلت قصص لبعضهم تتماهى ما كان لرموز دينية قديمة
5- أعطت مصر الطابع الاحتفالى للاعياد الدينية فيما لا يتوافر فى غيرها من بلاد كثيرة ونجد المصريين يحتفلون مثلا بذكرى الميلاد فيما يحتفل العراقيون والايرانيون بذكرى الوفاة ( الحسين والسيدة ...) 
6- أعاد المصريون قراءة القرآن بطريقتهم تلاوة وتجويدا
7- لم يلتزم الإسلام المصرى الشعبى بالتقسيمات المذهبية الشائعة فبينما اتخذ المصريون السنة مذهبا إلا أن آل البيت ظلت لهم مكانة مميزة فى الوجدان المصرى ليست موجودة بذات الدرجة فى أقطار سنية أخرى
ويمكننا الاسترسال فى أمثلة من هذا القبيل التى تدلل كلها على أن التلقى الشعبى هو عامل فاعل مؤثر مع أى ثقافة وفكر تمتد فاعليته إلى حدود إعادة الطرح وبلورة الصياغة أحيانا

رابعا ...... نؤكد على ما هو معلوم من التاريخ بالثبوت من أن مصر كانت ولاية تابعة للدولة الرومانية عشية الفتح الإسلامى, وكان الرومان قد دخلوها منذ عام 30 ق م أى قبل الدخول الاسلامى بأكثر من ستمائة عام, وكان الرومان قد خلفوا البطالمة على مصر الذين حكموها قبلهم ما يزيد عن ثلاثمائة عام ( 333 ق م ). لقد كان فتح مصر فى حقيقته حلقة من حلقات الصراع الإسلامي العربي مع الدولة الرومانية, وكان طابع العصر فى صراع الدول الكبرى تجريدها من ولاياتها كما سبق وحدث حين استولت الدولة الفارسية على الشام من يد الرومان فلماذا لم تترومن مصر عبر وجود رومانى لستة قرون؟ بينما تعربت بعد قرنين على أقصى تقدير من الدخول العربي؟ سؤال نتركه مفتوحا يثير الذهن ويلتقط الإجابات. 
وننوه فى هذا السياق إلى أن مكانة مصر نحت نحو المركزية بدءا من العصر العباسي الذى سرعان ما شهد قواما مصريا فوق مرتبة الولاية التابعة ضعف فيه الدوران حول مركز الخلافة العباسية منذ عهد ابن طولون ثم صارت مصر هى المركز والقاعدة للإمبراطورية الفاطمية وهو مالم يحدث فى ظل فترة الرومان المديدة التي كانت فيها مصر مجرد مزرعة قمح للرومان.

ختاما لا بد أن يعى من يتعامل مع هذه المناطق أن اللغة والدين ركنان أساسيان من أركان هوية الامة, ولابد أن يدرك أنه لا تنتشر ثقافة أو لغة فى أمة مالم تقبلها الامة لوجود مشتركات وعوامل داخلية مهيئة لذلك؛ كما لابد أن يتفهم طبيعة كل عصر واختلاف معطياته وتباين مفاهيمه, وأن التعامل مع كل عصر بروحه أشبه بالتعامل مع اللفظة فى سياق نصها وأن استدعاء رؤى مناوئة لسمات هوية الأمة إنما هو إساءة لها وحط من قدرها لا يفيد بحال .

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 77 مشاهدة
نشرت فى 22 يونيو 2016 بواسطة elhaisha

ساحة النقاش

محمود سلامة محمود الهايشة

elhaisha
محمود سلامة الهايشة - باحث، مصور، مدون، قاص، كاتب، ناقد أدبي، منتج ومخرج أفلام تسجيلية ووثائقية، وخبير تنمية بشرية، مهندس زراعي، أخصائي إنتاج حيواني أول. - حاصل على البكالوريوس في العلوم الزراعية (شعبة الإنتاج الحيواني) - كلية الزراعة - جامعة المنصورة - مصر- العام 1999. أول شعبة الإنتاج الحيواني دفعة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,767,817