أنا مشرَّد في العاصمة 

( جعان بردان )

 

الساعة الآن السابعة مساءً بتوقيت أحد العابرين من الشارع المجاور .

لم أكن أرتدي ساعة 

لم أكن أحمل هاتفاً 

لو كنتُ أملك واحداً لانحلت المشكلة 

( بيعه ، شراء وجبة آكلها ، تذكرة سفر الى مدينتي )

 

جعان بردان

أخرج من بناية كنتُ أحتمي بها من المطر 

نحو سوبر ماركت 

أحضّر يدي للستول والتوسل 

أتردد ، لا تَفعل 

أتراجع . 

 

ثمة مقعد حديدي على مقربة 

لا ليس مقعداً ، أنت تراهُ سرير 

بل هو سرير

سرير ملكي 

لا تصدق خلاف ذلك .  

 

الكتاب وسادة 

لا غطاء 

 

الساعة الآن التاسعة مساءً بتوقيت سائق تكسي 

" لو سمحت، كم الساعة ؟ "

" التاسعة إلا خمسة "

لن نختلف على الخمس دقائق 

إنها الساعة التاسعة إذن 

 

جعان بردان 

 

باستثناء السيارات التي ترشقني بماء تركه المطر 

لا أحد يمر من الشارع

أُفكر بالنوم ، أُحاول النوم ، أنام . 

 

أستيقظ 

جعان بردان 

أنام 

 

لا أعلم كم الساعة الآن 

أتحرك ، نحو شاب يسير على الرصيف المقابل ، أحضر يدي كي أمدها

لا تفعل 

أتراجع 

 

السرير 

أعود الى السرير جعان بردان 

" بعد عام من تلك الليلة ، كتبتُ نص غزل يعبر عن شوقي لذاك المقعد الحديدي

سآخذه يوماً ما 

سأقدم الى البلدية طلب شراءه "

 

الساعة الآن الحادية عشرة بتوقيت فتاة حزينة كانت تمشي بالجوار 

" لو سمحتِ ، كم الساعة ؟ "

" الحادية عشرة إلا خمسة "

 

أضحك ، أنفجر ضاحكاً 

جميعهم إلا خمسة 

أهو قدر !؟ 

العالم كله إلا خمسة 

الساعة الآن العالم إلا خمسة 

يا الهي

أنا أهذي ! 

 

أفكر بالنوم ، أحاول النوم ، أنام 

آذان الفجر 

أركض لأقرب مسجد 

أصلي 

 

نحو أحد المصلين 

أنا مبلول 

أحضر اليد كي أمدها 

لا تفعل 

أتراجع 

 

أخرج من المسجد 

أعود الى المقعد الحديدي

أقصد سريري 

لم أنم 

 

أُحاول تجفيف الكتاب 

أعلم أنه لن يجف 

لكن الشعور جميل 

أن تتخيل نفسك طبيب يحاول إنعاش قلب توقف عن العمل 

شعور جميل

حتى لو قمت بفعله مع قلب أنثى مغدورة 

 

جعان بردان 

هل تعرفون السوط !؟ 

هل تعرفون لحظة تلاقي سوط السجان مع ظهر السجين بلا رحمة !؟ 

هذا هو البرد 

 

هل تعرفون البئر !؟ 

هل تعرفون بئراً ما في صحراء قاحلة !؟

هذا هو الجوع 

 

أنا بئر فارغ 

أنا سجين البرد 

 

الساعة الآن السادسة صباحاً بتوقيت عامل نظافة 

 

بالإضافة الى طعم البرد 

لدي رغبة جدية بالانتحار 

 

أنظر حولي 

أبحث عن معدن حاد 

أتفحّص الأسطح 

أُفكر 

 

أنتَ بين خيارين 

ضربة بالرسغ 

أو سقوط حر 

 

بالإضافة الى طعم الجوع

لدي رغبة جدية بالانتحار 

 

الساعة الآن السابعة صباحاً بتوقيت فتاة جامعية 

 

تنظر لي بشفقة 

هي لا تعلم أنني طالب جامعي أيضاً 

تجهل أنني المتفوق بين دفعتي 

ولا تعرف أنني مُعجب بابنة جارتي في مدينتي الجنوبية. 

لا 

هي مثلي ، لا تعرف أبداً ما الأمر ! 

 

الساعة الآن السابعة والربع بتوقيت موظف 

 

لا أعلم لماذا أصبحتَ تسأل عن الساعة بكثرة 

لعلك بهذا الشأن تبحث عن صدقة

تجذب انتباه أحدهم الى حالك من خلال سؤال الساعة. 

 

بالإضافة الى طعم البرد والجوع

لدي رغبة جدية بالانتحار 

 

أُريد الانتحار 

لا لسبب حقيقي 

سوى شعوري المتواصل بأن ثمة يد خفية عملاقة إخترقت صدور الخلق فانتزعت أفئدتهم . 

 

جعان بردان 

 

نحو بناية مرتفعة 

أصعد السلالم 

أنفد الى السطح 

أرتقي الحافة 

أقف 

 

خطوة واحدة وتنتهي معاناتك 

خطوة واحدة الى الأمام وكفى 

 

صوت داخلي 

الإيمان أقوى 

لا تفعل 

أتراجع 

 

الساعة الآن الثامنة والثلث بتوقيت سائق سيارة 

 

آية قرآنية من بعيد 

بصوت خاشع 

( لتصنع على عيني ) 

أصمد

 

********** 

 

بعد مرور أعوام على تلك الحادثة 

لا زلتُ أستيقظ في منزلي كل ليلة مُتخيلاً نفسي على ذاك المقعد الحديدي 

وصوت أحدهم صادر من معدة الليل العاري فيناديني بتضرع

 

"جعان 

بردان"

 

لا أعلم أين أنت الآن 

لكن حاول البقاء حياً قدر الإمكان 

الى أن تسمع 

 

"لتُصنَع على عيني"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 41 مشاهدة
نشرت فى 13 أغسطس 2017 بواسطة elgaribhamed

عدد زيارات الموقع

128,814