إذا كانت الصحف والدوريات القديمة - بما تحمله من أوراق صفراء بالية – تمثل ذاكرة الأمة المصرية، فإن الوثائق المحفوظة بدار المحفوظات العمومية بالقلعة، تمثل هوية وشخصية الأمة المصرية بأسرها!! وكفى بنا أن نضرب مثلاً لذلك، بالحديث عن قلم الوزارات، الذي مازال موجوداً في هذه الدار، بما يحمله من ملفات الموظفين منذ عهد محمد علي باشا مؤسس الأسرة العلوية، ومؤسس مصر الحديثة.

   والملفات الرسمية المحفوظة بقلم الوزارات، تعتبر من أهم المصادر التاريخية، لأنها تشتمل على أصول الوثائق المتعلقة بأسماء أصحابها، منذ توظيفهم، وحتى إحالتهم على المعاش أو وفاتهم. ووثائق هذه الملفات، تخدم الباحثين في عدة مجالات، منها:

1 - كتابة ترجمة وثائقية لبعض الأعلام، ممن يصعب على الباحث إيجادها، في الكتب المنشورة. وأيضاً معرفة أمور تاريخية، امتنع بعض المؤرخين من الاقتراب منها في وقتنا الحاضر. ومن ذلك ملفات: خورشيد رائف، عبد الله فكري، إبراهيم أسعد، حسن عيسوي .. وهم من نُظار تكية مكة المكرمة. وكذلك ملفات مصطفى نصر، مصطفى خلوصي، محمد أمين .. وهم من نُظار تكية المدينة المنورة (1).

2 - كتابة ترجمة وثائقية لبعض الأعلام، ممن يصعب على الباحث إيجادها، بصورة دقيقة، في الكتب المنشورة. ومن ذلك ملفات: كلوت بك، سليمان باشا الفرنساوي، علي باشا مبارك، علي باشا إبراهيم، سعد باشا زغلول، مصطفى باشا رياض، إلياس الأيوبي (2).

3 - التعرف على توقيعات وأختام وخطوط بعض الأعلام، وأسلوب كتاباتهم، وذلك في مجال تحقيق الوثائق المجهولة والمتهالكة.

4 - التعرف الدقيق للمسيرة الوظيفية، لبعض الأعلام، بما فيها من وظائف وأعمال، سقطت من بين يدي كُتاب السير والتراجم. ومن ذلك ملفات: إسماعيل بك عاصم، باولينو درانيت باشا، ماريت باشا (3).

5 - التعرف الدقيق على أسماء زوجات وأبناء وورثة بعض الأعلام، ومن ذلك ملفات: أبو السعود أفندي، عبد الرازق بك عنايت، علي باشا مبارك (4).

6 -  التعرف على أدق تفاصيل الأعمال السرية والعلنية، التي قام بها هؤلاء الأعلام، ومن ذلك ملفات: عباس حافظ، عبد العزيز البشري، إبراهيم رمزي (5).

7 - التعرف على النياشين والإنعامات والرتب المختلفة، مثل النيشان المجيدي، والنيشان العثماني، ورتبة المتمايز ورتبة الميرميران. وذلك في ملفي إسماعيل صبري وأحمد شوقي (6).

8 - معرفة الأسماء الحقيقية لبعض الأعلام، مثل: الدكتور طه حسين واسمه الحقيقي طاهر حسين علي، وحفني ناصف واسمه الحقيقي محمد الحفني ناصف، وإسماعيل صبري واسمه الحقيقي إسماعيل عبد السلام إمام، وزكي طليمات واسمه الحقيقي زكي عبد الله سليمان طليمات، د.محمد شفيق غربال واسمه الحقيقي شفيق عبد الحميد غربال (7).

   وإذا تطرقنا بصورة عملية لبعض الملفات، نلاحظ أنها تشتمل على وثائق نادرة، مثل ملف (أبو السعود أفندي)، الموجود به أقدم شهادة وفاة وأعلام وراثة مخطوطة، في العصر الحديث عام 1878.

شهادة وفاة وأعلام وراثة لأبي السعود أفندي عام 1878م

   أما ملف (إسماعيل صبري باشا) وكيل الحقانية وشيخ الشعراء، فنجده يشتمل على شهادته الدراسية كأحد الطلبة المبعوثين لدراسة القانون، بمدينة أكس بفرنسا عام 1878، وهي أقدم شهادة دراسية في العصر الحديث.

 

 

شهادة شيخ الشعراء إسماعيل صبري باشا عام 1878م

   وملف (عبد العزيز البشري)، الذي يشتمل على شهادة عالمية الأزهر عام 1912، موقعة من الخديوي عباس حلمي الثاني، ومختومة بخاتمه. ومن الطريف وجود خطاب من البشري، بخصوص شهادته هذه، كتبه يوم 8/5/1911 - عندما كان كاتباً بقلم سكرتارية مجلس الأوقاف – خاطب فيه رئيسه في العمل، قائلاً: ’’عزتلو أفندم رئيس قسم الإدارة، قد أمضيت في طلب العلم بالجامع الأزهر الشريف ثلاثة عشر عاماً تلقيت فيها كل ما يؤهلني للتقدم إلى امتحان شهادة العالمية. وحيث إن الامتحان قد اقترب موعده ولم يبق بيني وبينه إلا ما يحتمل مذاكرة الدروس بقدر الطاقة. فألتمس من مراحمكم التفضل بالتصريح لي بأجازة شهر ونصف ابتداء من يوم 16 مايو الحالي لأتفرغ في هذه المدة إلى قضاء ذلك الغرض وأسأل الله تعالى أن يحفظكم ويبقيكم كهفاً للعلم وملاذاً لأهله اللهم آمين‘‘ (8).

شهادة عالمية الأزهر الشريف لعبد العزيز البشري عام 1912م

   أما ملف الشاعر الأديب (أحمد زكي أبو شادي)، فنجده يشتمل على أول شهادة في تخصص البكتريولوجي، يحصل عليها عربي أو مصري عام 1915، وهي شهادة دبلوم جمعية الأطباء بلندن.

شهادة أحمد زكي أبي شادي من لندن عام 1915م

   وهكذا نجد ملف (د.محمد صبري)، الذي يشتمل على أول شهادة دكتوراه الدولة من السربون، يحصل عليها عربي أو مصري عام 1924. وملف (إبراهيم رمزي)، الذي يشتمل على شهادة الكلية التعاونية بمانسستر، وهي أول شهادة تُمنح عن طريق المراسلة عام 1924. وملف (زكي طليمات)، الذي يشتمل على مستندات تثبت، أنه أول مبعوث من الحكومة المصرية لدراسة فن التمثيل والإخراج بفرنسا عام 1925 (9).

دكتوراه الدولة من السربون للدكتور محمد صبري عام 1925

   وهناك بعض الملفات التي تعكس تصرفات سياسية للدولة، من الممكن أن تكون معروفة، ولكننا لم نحصل على وثائق كأدلة عملية عليها. ونسوق لذلك ثلاثة أمثلة:

الأول: تعسف الحكومات المصرية، ومحاولتها تكميم أفواه الموظفين، وكبت حرياتهم السياسية، وذلك عن طريق الفصل التعسفي. ويتضح هذا من ملف (إسماعيل عاصم)، الذي رفت بالاستصواب عام 1883، لوقوفه بالقول والكتابة مع الثورة العرابية. وملف (عباس حافظ)، الذي كتب مقالة أبدى فيها رأيه السياسي، في أحد ضباط الجيش - وهو حمدي سيف النصر- عام 1930، مما أدى إلى رفته (10).

الثاني: محاولة الحكومة المصرية، إحلال المصريين محل الأجانب، في الوظائف الحكومية المصرية. وهذا يتضح من ملف (د.محمد شفيق غربال)، عندما تم استبداله كأستاذ للتاريخ الحديث، بدلاً من المسيو جراندور، بكلية الآداب بالجامعة المصرية عام 1929. ومن ملف (منصور غانم)، عندما تم استبداله كمدير للأوبرا الملكية، بدلاً من المسيو فورناريو كانتوني عام 1937 (11).

الثالث: قرارات ثورة يوليو 1952، وبالأخص قرار لجنة فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي، وهو ما سُمي بعملية التطهير. وهذا القرار وأسلوب تنفيذه، موجود في عدة ملفات، منها ملف زكي طليمات، وملف د.محمد صبري (12).

   وإذا أردنا أن نتحدث بشيء من التفصيل عن قيمة وثائق ملفات قلم الوزارات، وأثر هذه الوثائق في تغيير المفاهيم الثابتة والراسخة في الدراسات والأبحاث المنشورة، سيجدنا القاريء نتحدث عن ملف أمير الشعراء أحمد شوقي، لإيجاد حل لإشكالية ميلاده!! فحتى صدور هذه الدراسة، لم يكن معروفاً تاريخ ميلاده الحقيقي، هذا بالإضافة إلى معلومات أخرى عنه كانت مجهولة. كذلك سنتحدث من خلال ملف شيخ النقاد الدكتور محمد مندور، عن حقيقة بعثته إلى فرنسا، وحقيقة شهاداته الحاصل عليها، حيث إنه لم يحصل على الدكتوراه من فرنسا، كما كان مقرر له. وكذلك سنتحدث من خلال ملف زكي طليمات، كيف قدرته الدولة باعتباره أول مبعوث للحكومة المصرية إلى فرنسا لدراسة فن التمثيل والإخراج، بأن عينته أميناً لمخازن دار الأوبرا!! ثم سنتحدث عن مصير أسرتي الوزير علي باشا مبارك، والأديب إبراهيم عبد القادر المازني، بعد وفاتهما.

ميلاد أمير الشعراء أحمد شوقي

   هل يتصور القاريء أن هناك معلومة واحدة، مهما كانت بسيطة وغير مهمة، من الممكن أن تكون مجهولة حتى الآن، عن أمير الشعراء أحمد شوقي؟! أعتقد أن الإجابة معروفة للجميع .. ورغم ذلك فهناك في الحقيقة معلومات مجهولة عن هذا الشاعر العملاق!! فمن خلال الوثائق التي بين أيدينا نستطيع أن نقول (13): إنه تقلد وظائف عديدة، بدأها بوظفة كاتب بقلم العرضحالات بالمعية السنية تحت التمرين في 25/2/1890، عندما كان تلميذاً بالمدارس، بدلاً من مصطفى زكي الكاتب بقلم العرضحالات. وكان راتبه السنوي 750 جنيهاً، أي بواقع 62 ونصف الجنيه، وهو مبلغ ضخم جداً بحساب زمن أواخر القرن التاسع عشر!!

   وبعد عام واحد فقط، وتحديداً في أول إبريل 1891، نُقل أحمد شوقي من قلم العرضحالات إلى قلم السكرتارية، وارتفع راتبه الشهري إلى مائة جنيه!! وهكذا بدأ يتقلد الوظيفة تلو الأخرى، فنجده عام 1905 محرراً أول بالقلم الأفرنجي، ثم رئيساً له عام 1907، ثم رئيساً لقلم الترجمة بالديوان الخديوي عام 1909، ثم مديراً للأقلام الأفرنجية بالديوان الخديوي عام 1913. ومع كل وظيفة جديدة كان راتبه يتضخم بما يتناسب مع وظيفته، وبما يتناسب مع مكانته كشاعر القصر!! أما الإنعامات والنياشين التي حصل عليها فهي كثيرة، ومنها: الرتبة الرابعة عام 1892، والنيشان المجيدي عام 1899، والرتبة الثالثة عام 1900، والرتبة الأولى من الصنف الثاني عام 1905، والنيشان العثماني الثالث عام 1907.

   ولعل أغرب معلومة سيجدها القاري عن أحمد شوقي، إن تاريخ ميلاده الحقيقي غير معروف حتى الآن!! بل أن تاريخ ميلاده المنشور في جميع ما كُتب عنه غير صحيح!! وأن تاريخ ميلاده الذي كتبه بنفسه في (الشوقيات القديمة) غير صحيح أيضاً!! فعلى سبيل المثال نجد تاريخين مختلفين عن ميلاده في بعض المراجع، الأول إنه ولد عام 1868، والآخر إنه ولد عام 1870 (14). ويناقش د.ماهر حسن فهمي هذا الأمر قائلاً:

   ’’اختلف مؤرخو الأدب في مولد شوقي، فجلهم ذكر إن ميلاده كان عام 1868م وجاء ذلك نقلاً عن الشوقيات القديمة حين ذكر شوقي في مقدمتها إنه يحبو إلى الثلاثين، ولما كان تاريخ طبعها هو 1898م، فإن تاريخ ميلاده على هذا الأساس المذكور يكون صحيحاً. ولكن كاتباً واحداً عنى نفسه بتحقيق تاريخ صدور الشوقيات القديمة وهو الدكتور محمد صبري، فوجد أن التقاريظ المذكورة آخر الديوان تؤرخ عام 1317 وهو يقابل سنة 1900 أو النصف الأول منها على وجه الدقة، ورغم ذلك تابع غيره من الكتاب وذكر إن تاريخ ميلاد شوقي هو عام 1868م، وكل ما استنتجه هو أن شوقي كان قد بلغ الثانية والثلاثين حين خرج الكتاب من المطبعة بغض النظر عن التاريخ الخاطيء المكتوب على غلاف الديوان. ومن الغريب أن سكرتير الشاعر نفسه قرر في كتابه عن شوقي إنه من مواليد عام 1868 ولعل ذلك يرجع إلى أن صاحب الترجمة قلما كان يعرض لسنه بل أنه كان يتحاشى ذلك مع جلسائه. ومن الغريب أيضاً أن حسين شوقي نجل الشاعر ذكر إن أباه حين مات عام 1932 كان في الثانية والستين، ولكن أحداً لم يلتفت إلى هذا التاريخ الذي ضاع في زحمة الأحداث، باستثناء الدكتور أحمد الحوفي فقد تنبه إلى ذلك وحقق تاريخ مولده الصحيح. والواقع أن شهادة ميلاد الشاعر نفسها موجودة لدى ابنه حسين شوقي وفيها أن الشاعر من مواليد عام 1870 وقد أطلع عليها بعض الباحثين‘‘ (15).

   وهكذا نجد أن عام 1870 هو عام مولد شوقي، بناء على هذا الجهد الكبير في البحث، بل وبناءً على شهادة ميلاد شوقي الرسمية، المحفوظة لدى ابنه. ولكن المفاجأة أن هذا التاريخ غير صحيح، بل أن شهادة الميلاد الرسمية غير صحيحة أيضاً!! فالوثائق التي بين أيدينا تحمل شهادة ميلاد أخرى رسمية لشوقي تثبت أن ميلاده كان عام 1871. ولهذه الشهادة قصة مفادها: أن بعد شهر واحد من توظيف شوقي بقلم العرضحالات تحت التمرين، أُريد تثبيته في الوظيفة، مما ترتب عليه استيفاء أوراق تعيينه، ومنها شهادة ميلاده، التي لا وجود لها في هذا الوقت. وهنا قام الأطباء بتحديد عمره عن طريق ما يُعرف بالتسنين! ففي يوم 24/3/1890، قام الطبيب عيسى حمدي حكيمباشي فاميلياي خديوي، والطبيب سالم حكيمباشي جناب خديوي، بالكشف على أحمد شوقي، وحررا شهادة ميلاده، وجاء فيها الآتي: ’’بالكشف على أحمد أفندي شوقي الذي لحق بالمعية السنية وجد سليم البنية وسنه 19 تسعة عشر سنة وقد تحررت هذه الشهادة منا بذلك للاعتماد بمحل الاختصاص، تحريراً في 24/3/1890‘‘ (16).

   وبعد أكثر من إحدى عشرة سنة، تجدد أمر الاختلاف حول مولد شوقي. ففي يوم 21/11/1901 كتب مدير عموم الحسابات خطاباً إلى الديوان الخديوي، قال فيه: ’’حيث إن حضرة أحمد أفندي شوقي الموظف بالديوان الخديوي معامل بلائحة 21/6/1887 وفي وقت تعيينه بالديوان المذكور قدم شهادة طبية بتاريخ 24/3/1890 تفيد أن عمره تسع عشرة سنة وحيث إنه لا يمكن أن يعول على هذه الشهادة، إلا بعد اليأس من معرفة تاريخ ميلاده فبناء على ذلك يؤمل أخذ تذكرة ميلاده أو تعريف من حضرته عن تاريخ ميلاده ومحل مولده واسم والده وورود الإفادة لإجراء البحث اللازم عنه بمعرفة هذا الطرف أفندي‘‘. فكتب شوقي بخط يده أسفل هذا الخطاب: ’’سعادتلو أفندم حضرتلري، لا أزال في يأس من الحصول على تذكرة ميلادي أما مولدي فكان بمصر القاهرة حوالي شهر إبريل 1871 من أبي المرحوم علي بك شوقي وكان من سكان قسم السيدة زينب يوم ذاك أفندم‘‘ (17).

   وهكذا يعترف شوقي بأن شهادة ميلادة مفقودة، وأن معلوماته عن ميلاده أنه ولد في إبريل عام 1871. ولكن هذا الأمر أحيل إلى أمين الدفترخانة المصرية، فبحث كثيراً وكتب رأيه في 22/12/1901، قائلاً: ’’جرى الكشف في دفاتر مولودين قسم السيدة زينب شهر إبريل سنة 1871 وقبل وبعد شهر عن اسم أحمد أفندي شوقي نجل المرحوم علي شوقي بك فلم يهتد عليه‘‘(18). وظل مولد شوقي مشكلة محيرة طوال ثلاث عشرة سنة، حتى وجد أمين الدفترخانة عام 1914، اسم نغمزار بنت علي بك شوقي، وأن أمها عديلة وتسكن في الشيخ صالح شياخة علي المحلاوي، وأن الداية التي أولدتها اسمها خدوجة بنت علي من الجمالية. وبناءً على ذلك كتب وكيل عموم حسابات مصر خطاباً إلى أمين الدفترخانة بتاريخ 16/4/1914، قال فيه:

   ’’أمين الدفترخانة المصرية عزتلو أفندم، لما حرر للدفترخانة بالكشف على تاريخ ميلاد حضرة أحمد بك شوقي بقسم السيدة زينب بمصر في 1871 وما قبلها وما بعدها بثلاث سنوات وردت مكاتبتها تفيد بأنه وجد ضمن مولودي سنة 1288هـ الموافقة سنة 1871م. اسم (نغمزار بنت علي بك شوقي) وطلبت الاستفهام من حضرة أحمد بك شوقي عما إذا كان هذا الاسم هو اسم أخته وفي هذه الحالة عما إذا كانت هي الأصغر أو الأكبر منه سناً وما الفرق بينهما في العمر وحيث إنه بالتحرير للديوان الخديوي عن ذلك قررت مكاتبته المؤرخة في 6/4/1914 بأن الست نغمزار بنت علي بك شوقي هي شقيقته وأن مولده كان قبلها بعام واحد فأقتضى تحريره لحضرتكم بأمل الكشف على تاريخ ميلاد حضرته والإفادة بما يتضح‘‘(19).

   وبناءً على ذلك قام محمد موسى أمين الدفترخانة بالبحث، حتى وجد تاريخ ميلاد شوقي الحقيقي، فكتب خطاباً إلى مدير عموم الحسابات المصرية في 22/4/1914، قال فيه: ’’بالكشف في دفاتر مولودين قسم السيدة زينب عن اسم حضرة أحمد بك شوقي ابن المرحوم علي بك شوقي فوجد بدفتر رقم 908 بوجه 13 ضمن مولودين يوم الجمعة 21 رمضان سنة 1286 اسم أحمد بن علي شوقي، السكن سوق سكة شياخة علي المحلاوي، الداية خدوجة علي من الجمالية وعليه أقتضى تحريره لسعادتكم للإحاطة بذلك‘‘ (20). وهكذا نجد أن الداية خدوجة علي، قد سجلت بنفسها ميلاد أحمد شوقي يوم 21 رمضان سنة 1286هـ، وهو الموافق يوم 25/12/1869، وهذا هو التاريخ الحقيقي لمولد أحمد شوقي أمير الشعراء!!

   وإذا كان من المعروف أن أحمد شوقي نُفي إلى إسبانيا عام 1915، لأنه أحد رجال القصر، خصوصاً بعد خلع الخديوي عباس حلمي الثاني، وتولية السلطان حسين كامل، مع نشوب الحرب العالمية الأولى، فإن هناك من قال إن أحمد شوقي قدم استقالته من عمله بالديوان الخديوي، قبل نفيه (21). والحقيقة أن أحمد شوقي تم رفته وإحالته على المعاش، كما تقول الوثائق. ومهما يكن من أمر استقالته أو إحالته على المعاش، فإن الجديد الذي تأتي به الوثائق، هو أسماء من تم رفتهم من قصر الخديوي عباس حلمي الثاني، مع شوقي. حيث إن أغلب المراجع لم تهتم بإنسان غير شوقي في هذا الأمر، علماً بأن هناك من هم على قدم المساواة مع شوقي، بل وهناك من يفوقه مركزاً.

   ووثيقة الرفت مؤرخة في 29/12/1914، وهي عبارة عن خطاب رسمي من مدير عموم حسابات مصرية إلى إدارة المستخدمين، ونصها يقول: ’’حيث إنه توضح بمكاتبة الديوان العالي السلطاني المؤرخة في 22/12/1914 نمرة 1 إنه من ضمن الترتيبات التي أجريت حديثاً بالديوان المذكور تطبيقاً للنطق الكريم إحالة حضرات الستة وعشرين موظفاً المبينة أسماؤهم بالكشف طيه على المعاش اعتباراً من 20/12/1914 فيقتضي قطع استحقاقاتهم لغاية 19/12/1914 وحفظ صورة من هذا الكشف طيه في ملف خدمة كل منهم وتبليغ ذلك إلى إدارة الخزنة العمومية بكشف التعديلات وإرسال ملفات خدمتهم بعد استيفائها إلى إدارة المعاشات. [توقيع] مدير عموم حسابات مصرية أوغست أديب‘‘ (22).

   أما الكشف المرفق بهذا الخطاب فكان يحمل أسماء المرفوتين ووظائفهم، وهم: محمد عارف باشا رئيس الديوان التركي، السيد حسن خالد مدير الديوان التركي، أحمد نور الدين بقلم تركي، بروستر بك سكرتير إنجليزي خصوصي، الشيخ محمد محمود البوريني إمام المسجد، الشيخ عمر ضياء الدين مؤذن المسجد، مصطفى غالب تشريفاتي، حسن حلمي تشريفاتي، حامد العلايلي تشريفاتي، مصطفى يكن تشريفاتي، محمد إبراهيم رئيس تلغرافات الديوان، محمود علي رئيس قلم التحريرات، عبد المنجلي حسن قلم التحريرات، محمد رسمي قلم العرضحالات، محمد عثمان معاون الديوان، عبد الله سليم البشري معاون الديوان، أحمد شوقي مدير أقلام أفرنكي، محمد شريف رئيس قلم الترجمة، روبير شاسو مترجم، إبراهيم كمال راشد محرر فرنساوي، محمد عبد العزيز طبيب الديوان، إحسان أفندي أجزاجي ثاني الديوان، عاطف توفيق أجزاجي ثالث الديوان، محمد توفيق عثمان البني كاتب الحرس، محمد محمد يوزباشي أركان حرب، دكتور جاكومو ميزبي طبيب ثاني الديوان (23).

   أما آخر وثيقة تخص أمير الشعراء أحمد شوقي، فتقول: ’’توفى أحمد شوقي في 14/10/1932 وورثته هم: (خديجة هانم شاهين) أرملة وتزوجته في 18/1/1896 الموافق 2 شعبان 1313هـ بالحنفي بقسم السيدة زينب، و(علي) 33 سنة موظف بالحكومة، و(حسن) 28 سنة موظف بالحكومة، و(أمينة) حرم حامد العلايلي بك 34 سنة وتزوجت قبل وفاة والدها‘‘(24).

حقيقة بعثة شيخ النقاد

   الناقد الكبير محمد عبد الحميد موسى مندور، المعروف بالدكتور محمد مندور، والمشهور بلقب (شيخ النقاد) - ذلك اللقب الذي أطلقه عليه فؤاد دوارة – له قصة عجيبة في مشواره التعليمي، عندما كان مبعوثاً إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه في الأدب العربي. وهذه القصة رواها عام 1964، ونشرها فؤاد دوارة أكثر من مرة (25). وحول هذه القصة يقول مندور:

   ’’كان الهدف من بعثتي في باريس الحصول على ليسانس من السربون في الآداب واللغات اليونانية واللاتينية والفرنسية وفقهها المقارن، مع حضور محاضرات المستشرقين وتحضير دكتوراه في الأدب العربي مع أحدهم. وقد نفذت الجزء الأول في تسع سنوات من عام 1930 إلى 1939، ولكني لم أقدم الدكتوراه لأن الجو السياسي كان قد أكفهر في أوروبا عقب فشل مفاوضات تشمبرلين المشهورة مع هتلر، وأحسسنا أن الحرب قائمة لا محالة، ففضلت العودة إلى مصر دون أن أكتب رسالة الدكتوراه‘‘ (26).

   ونلاحظ على هذا القول، أن محمد مندور لم يحدد المدة المقررة لبعثته من قبل الجامعة، بل حدد الفترة التي قضاها في الحصول على الليسانس فقط، وهي تسع سنوات! علماً بأن البعثة التعليمية في هذا الوقت لا تستغرق سوى أربع سنوات أو أكثر قليلاً، للحصول على الدكتوراه، لا تسع سنوات للحصول على الليسانس! كما أنه يفسر عدم حصوله على الدكتوراه، بأن السبب في ذلك هو الحرب! ويفسر مندور طول مدة مكوثه في فرنسا، دون الحصول على الدكتوراه، بأن عراقيل صادفته، بالإضافة إلى تهديد مدير البعثة بفصله. وعن هذا الأمر قال مندور:

   ’’وبعد أن فرغت من دراسة اللغة اليونانية القديمة وآدابها سنة 1936، أحسست برغبة عارمة في زيارة بلاد اليونان للبحث عن الأماكن التي ورد ذكرها فيما قرأت من التراث اليوناني القديم، وكان لي زميل في هذه الدراسة اسمه جاك تريليه، فاتفقنا على أن نقوم معاً برحلة إلى بلاد اليونان وجزرها المتناثرة في بحر إيجة وجزيرة صقلية باعتبارها جزءاً من بلاد الإغريق القديمة، وسافرنا بالفعل رغم اعتراض مدير البعثة في باريس على سفري، لأنه كان يظن الأمر مجرد نزوة سياحية .. .. عدت من هذه الرحلة التي تفوق في أهميتها قراءة ألف كتاب لأفاجأ بمدير البعثة وقد أوقف مرتبي لأنني خالفت رأيه، وعلمت كذلك أنه كتب إلى الجامعة يطلب فصلي من البعثة .. .. وحدث أن مرّ الوفد المصري للمفاوضات بباريس عائداً من لندن عقب توقيع معاهدة سنة 1936، وكان يضم الرئيس السابق مصطفى النحاس، والمرحوم مكرم عبيد وزير المالية، وعلي الشمسي، فذهبت إلى الفندق الذي نزلوا فيه، وقابلت الشمسي وشرحت له المأزق المالي الذي وجدت نفسي فيه دون مرتب، فدهش الرجل وقادني إلى مكرم عبيد وأخبره بما حدث وأبدى استهجانه لتصرف مدير البعثة، فما كان من وزير المالية إلا أن أخرج ورقة بيضاء من جيبه وكتب عليها أمراً بصرف مرتبي فوراً، وبذلك انحلت الأزمة بصفة مؤقتة، وإن بقيت مع ذلك مهدداً بالفصل من البعثة فيما لو استجاب مدير الجامعة لطلب مدير البعثة‘‘(27).

   مثل هذه العراقيل – من وجهة نظر مندور – هي التي صادفته ومنعته من الحصول على الدكتوراه! وبالرغم من ذلك، يقرّ مندور بأنه حصل بدلاً من الدكتوراه - المبعوث إلى فرنسا من أجلها – طوال تسع سنوات، على: الليسانس من السربون، وعلى دبلوم في القانون والاقتصاد السياسي والتشريع المالي، وحضور محاضرات الفلسفة والتاريخ والاجتماع وعلم النفس بالإضافة إلى البرامج المقررة من قبل البعثة (28). هذا ما أقرّ به مندور! وكلامه هذا أصبح حقيقة ثابتة عند الجميع، لأن محمد مندور هو المتحدث الأوحد في هذا الموضوع، ولا يملك المرء ما يناقض كلامه. ولكن كلامه هذا له وجه آخر مجهول، تكشف عنه مجموعة من الوثائق الرسمية، التي لم تظهر ولم تنشر إلا في هذه الدراسة!!

   فعلى سبيل المثال، نجد مجموعة من هذه الوثائق تتعلق بمجمل شهاداته الدراسية، ومنها نعلم أن محمد مندور المولود عام 1907 في كفر الدير مركز منيا القمح، حصل من مدرسة طنطا الثانوية على شهادة الدراسة الثانوية (القسم الثاني) الأدبي في شهر يونية 1925، وكان ترتيبه في جدول الامتحان الثاني عشر بالنسبة إلى الناجحين البالغ عددهم أربعمائة وستة وتسعين. كما حصل على الليسانس (عربي وسامي) من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول عام 1929، وعلى ليسانس الحقوق من جامعة فؤاد الأول عام 1930. وقضى في باريس تسع سنوات، فحصل على الليسانس في الأدب الفرنسي من السربون عام 1933، وعلى شهادة فقه اللغة الفرنسية من السربون عام 1934، وعلى دبلوم في الأقتصاد السياسي من جامعة باريس عام 1934، وعلى الليسانس في اليوناني القديم من السربون عام 1936، وعلى شهادة أصوات ونطق اللغة الفرنسية من معهد الأصوات بباريس عام 1939، وعلى دبلوم علم الأصوات التجريبي من معهد الأصوات بباريس عام 1939 (29).

   وشهادات مندور هذه - رغم دقتها وتوثيقها واتفاق معلوماتها مع فحوى كلام مندور السابق- إلا أنها لم تشفع له عن عدم حصوله على الدكتوراه، المبعوث من أجلها. بل أن مهمته كانت الحصول على الدكتوراه، لا على شهادات متنوعة، لا علاقة لها بمهمته الأساسية، مهما كانت قيمتها العلمية (30). وإذا كان القاريء قد تعرف على وجهة نظر مندور في أمر بعثته إلى فرنسا، وتعاطف معها لأنها وجهة النظر المتاحة. فإن الوثائق التي بين أيدينا، تأتي بوجهة نظر أخرى!

   تقول هذه الوثائق، من خلال مذكرة مؤرخة في 17/7/1939: ’’إن محمد مندور أفندي سافر للبعثة في 13/7/1930 للحصول على الدكتوراه في أدب اللغة العربية، وعلى أن يتصل بأساتذة اللغة العربية بالسربون ومدرسة اللغات الشرقية وكلج دي فرانس. ومدة بعثته من أربع إلى ست سنوات. رسب أربع مرات متتالية في شهادة الدراسة العليا في الأدب الفرنسي أي في سنتي 1931، 1932. رسب للمرة الخامسة في يونية سنة 1933. نجح في شهادة الدراسة العليا في الأدب الفرنسي في نوفمبر سنة 1933. نجح في نوفمبر سنة 1934 في شهادة الدراسات العليا في فقه اللغة اليونانية، كما رسب فيها في فرصة نوفمبر سنة 1935 أيضاً. ورسب فيها للمرة الثالثة في يولية سنة 1936. عرضت مسألته على لجنة البعثات فقررت بجلستها المنعقدة في 16/8/1936 عدم صلاحية العضو للبعثة وإعادته، إلا أنه أرسل التماساً بوقف هذا القرار، ورأى مدير البعثة أن هذا القرار أثرّ فعلاً في أعصابه تأثيراً يستوجب الشفقة. عرض الأمر على الجامعة فقررت في جلستها في 16/12/1936 إبقاء محمد عبد الحميد أفندي إلى امتحانات يونية سنة 1937 فإذا لم ينجح يفصل من البعثة. فوافقت لجنة البعثات على التماس مجلس الجامعة بجلسة 25/3/1937. بحيث إذا رسب يفصل حتماً بدون عرض أمره على لجنة البعثات. نجح في يونية سنة 1937 في شهادة اللغة اليونانية، ورسب في يونية سنة 1938  في شهادة فقه اللغة والأجرومية. عرض أمره على لجنة البعثات في جلسة 24/9/1939 فوافقت على منحه فرصة أخرى في نوفمبر سنة 1938، فإذا ما رسب يعود نهائياً. تقدم في نوفمبر سنة 1938 فرسب أيضاً. وعلى ذلك أرسل تلغراف لمدير البعثة بتاريخ 17/12/1938 لعودة العضو المذكور، إلا إذا رغب في البقاء على نفقته الخاصة. وفعلاً بقى على نفقته إلى يولية سنة 1939 حيث عاد إلى مصر في 17/7/1939. وعلى ذلك لم يتم الدراسة التي أوفد من أجلها في البعثة‘‘ (31).

   وهذه الوثيقة المهمة، تفند جميع أقوال مندور السابقة، وتضرب بها عرض الحائط! فهذه الوثيقة تثبت أن مدة بعثته الأساسية كانت ما بين أربع إلى ست سنوات. ورغم ذلك تحملت الجامعة المصرية بعثته تسع سنوات! وتؤكد الوثيقة أيضاً أن من المفروض أن يتصل مندور بأساتذة اللغة العربية بالسربون ومدرسة اللغات الشرقية وكلج دي فرانس، من أجل الحصول على الدكتوراه. ولكنه لم يتصل بأحد! كما تؤكد الوثيقة أن لجنة البعثات عام 1936 قررت عدم صلاحيته للبعثة ووجوب إعادته منها، إلا أن مدير البعثة أشفق على مستقبله وتعاطف معه، فأعطاه فرصة أخرى. وهذا المدير هو نفسه مدير البعثة الذي اتهمه مندور في أقواله، بأنه كتب إلى الجامعة يطلب منها فصله من البعثة!! وأخيراً تثبت هذه الوثيقة أن محمد مندور رسب أكثر من عشر مرات في امتحانات المقررات المؤهلة للدكتوراه، وهذا أمر لم يكشف عنه مندور في أقواله!!

مبعوث فرنسا أميناً للمخازن!!

   من المعروف أن زكي عبد الله سليمان تليمات، الفنان المشهور باسم (زكي طليمات)، من أشهر ممثلي المسرح العربي، ومن أوائل من أسسوا المعاهد المسرحية في العالم العربي. وبالرغم من شهرته الكبيرة، إلا أن هناك مجموعة من الوثائق المجهولة عنه، تكشف جوانب كثيرة غامضة في حياته، وفي مسيرته الفنية والعملية. وهذه الوثائق تقول: إن ميلاده كان يوم 28/4/1894 (32)، وقد حصل على شهادة الثانوية عام 1916، وبمقتضاها تمّ تعيينه في وظيفة كاتب من الدرجة الرابعة بمصلحة وقاية الحيوانات بالجيزة (حديقة الحيوانات) عام 1919 (33). وقد تزوج عام 1922 من فاطمة يوسف الخوري، المشهورة باسم روز اليوسف، وصاحبة المجلة المشهورة باسمها، والتي تصدر حتى الآن.

   ومن الجدير بالذكر إن زكي طليمات كان يهوى التمثيل المسرحي منذ صغره، وقد بدأ احترافه للتمثيل عام 1916، عندما انضم إلى فرقة جورج أبيض ومثل معها مسرحية (العرائس)، تأليف بيير وولف، وتعريب إسماعيل وهبي المحامي. كما مثل مع الفرقة أيضاً عام 1918 مجموعة من المسرحيات، مثل: توسكا، وفيروزشاه، ورحلة المسيو بريشون، وريشيليو، ودزرائيلي. وفي عام 1919 مثل مع فرقة جورج أبيض أيضاً مسرحيات: المتصرف بالعباد، وزهراب ورستم، وأنشودة الزفاف، والإمام في الشام، وبين الدكاترة، وعمرو بن العاص. وفي العام نفسه انضم إلى جماعة أنصار التمثيل، ومثل معهم مسرحيتي (لولو ولوله)، و(فرجينيا). كما انضم في عام 1921 إلى فرقة عزيز عيد ومثل معها مسرحية (عبد الستار أفندي) تأليف محمد تيمور. وفي العام التالي انضم إلى نادي موظفي الحكومة للآداب والفنون الجميلة، ومثل معه مسرحيتي (الغريزة والواجب، و(كدبة إبريل) (34).

   وتمّ تتويج هذا النشاط المسرحي بفوز زكي طليمات بالجائزة الثانية في مباراة التمثيل، التي أقامتها وزارة الأشغال عام 1925. فكتب الناقد والأديب محمود كامل مقالة، قال فيها: ’’يجب أن تسرع الحكومة بتنفيذ فكرة بعثة التمثيل، التي قررتها منذ مدة ثم انزوت في زوايا الإهمال. ولا شك أن أهم نوع نحن في حاجة إلى إرسال ولو شخصاً واحداً يتخصص فيه هو الدرام. وقد أعلنت الحكومة أخيراً قرارها القاضي باعتبار الأستاذ يوسف وهبي صاحب مسرح رمسيس فائزاً بالجائزة الأولى، والأستاذ زكي طليمات بالجائزة الثانية. ولما كنت لا أشك في أن ظروف الأول ومهام إدارة مسرحه، تمنعانه من السفر لهذا الغرض. إذن كان الواجب أن تفكر الحكومة في إرسال الثاني، وهو شاب احترف التمثيل مدة فأصبح ذا دراية تامة بهذا الوسط في مصر، وله إلمام لا بأس به بالفنون المسرحية، إذ ظل مدة طويلة الناقد المسرحي لجريدة المقطم، وقد نال أخيراً الجائزة الثانية في الدرام. وهو فوق هذا وذلك، حائز على شهادة البكالوريا وموظف في وزارة الأشغال، وهي الوزارة التي أراد الله أن تتحكم في أمر التمثيل عندنا، ولعل من السهل أن تعين في ميزانيتها هذا العام مبلغاً يكفي لإرساله‘‘ (35).

   وبالفعل وجدنا خطاباً مؤرخاً في 27/4/1925، أرسله السكرتير العام لوزارة المعارف العمومية إلى رئيس اللجنة الوزارية الاستشارية لبعثات التعليم المصرية، قال فيه: ’’أتشرف بإحاطة معاليكم علماً أن الحكومة قد اتجهت نيتها أخيراً إلى تشجيع التمثيل العربي، ومكافأة من يتفوقون فيه من أهل الفن. وقد رأت تحقيقاً لهذه الغاية إجراء مباراة عامة بين أهل الفن بدار الأوبرا الملكية. وكان ضمن المتقدمين لهذه المباراة حضرة زكي أفندي طليمات، الموظف بحدائق الحيوانات التابعة لمصلحة التنظيم، والذي حاز الجائزة الثانية في الدرامه. وحيث إن أنظمة التمثيل في مصر تحتاج إلى الكثير لبلوغ درجة الكمال، ولا يتسنى ذلك إلا بدراسة طريقة التمثيل الحديثة وأنظمته الغربية. فتقترح هذه الوزارة إيفاد حضرة زكي أفندي طليمات في بعثة وزارة المعارف والأشغال إلى فرنسا، لتلقي فن التمثيل من نوع الدرامه في معاهدها وعلى كبار أهل الفن فيها. فالرجاء من معاليكم النظر في هذه المسألة والتكرم بالإفادة بقرار اللجنة الوزارية الاستشارية لاتخاذ الإجراءات التمهيدية لذلك‘‘ (36).

   وبالفعل سافر زكي طليمات إلى فرنسا، ليكون أول مبعوث حكومي رسمي لتعلم فن التمثيل في العالم العربي بصفة عامة، وفي مصر بصفة خاصة. وبعد عودته من بعثته في أكتوبر 1928، وبعد أن حصل على ثلاث شهادات من الأساتذة الذين تلقى على أيديهم الفن المسرحي، تمّ تعيينه بإدارة الفنون الجميلة بوزارة المعارف، في وظيفة أمين مخازن وملابس ومناظر دار الأوبرا (37)!! وعلى الرغم من تدني وظيفته التي لا تليق بشهاداته، فقد قدم مشروعاً متكاملاً لإنشاء معهد فن التمثيل العربي، وحصل على موافقة الحكومة بإنشاء المعهد في عام 1930. وتم الإنشاء بالفعل، وعُين طليمات مشرفاً له بجانب تدريسه لفن الإلقاء، فكان هذا المعهد، أول معهد للتمثيل المسرحي في العالم العربي، يحظى برعاية الحكومة (38).

      ووسط دهشة المجتمع المصري لوجود مؤسسة علمية يختلط فيها الجنسين، بدأ المعهد عمله العلمي في أواخر عام 1930. ولكي يتغلب طليمات على مشكلة الاختلاط هذه، كان يستقبل الطلبة والطالبات في بيته، ويجلس معهم بوجود زوجته الفنانة روز اليوسف، كي يُنمي شعور الفريق الواحد عند جميع الطلاب. وقبيل انتهاء العام الدراسي الأول، سافر طليمات إلى أوربا لمهام تتعلق بعمله في المعهد (39). والحقيقة أن إرسال طليمات إلى أوربا، كان مؤامرة مدبرة من قبل الحكومة لإبعاده. وبعد نجاحها في ذلك، صدر الأمر بتحويل المعهد إلى صالة محاضرات بمدرسة الإبراهيمية، يحضرها من أراد ويمتنع عنها من أراد، بشرط عدم اختلاط الجنسين حفاظاً على التقاليد الإسلامية والشرقية.

   وهكذا تمّ إغلاق أول معهد مسرحي في مصر!! وبالتالي عودة طليمات إلى عمله الأصلي، كأمين مخازن دار الأوبرا!! فكتب السكرتير العام خطاباً في 4/1/1932، قال فيه: ’’جناب المحترم مراقب الفنون الجميلة بالوزارة. نظراً لإلغاء معهد فن التمثيل واستبدال قاعة المحاضرات به وتكليف حضرة ناظر المدرسة الإبراهيمية الإشراف عليها مما يترتب عليه إلغاء ندب حضرة زكي طليمات أفندي لسكرتارية المعهد. فالرجاء تكليف حضرته استلام أعمال وظيفته الأصلية (معاون دار الأوبرا الملكية)‘‘ (40).

   ويستمر طليمات في عمله طوال خمس سنوات، حتى يتم نقله في وظيفة مفتش بشئون التمثيل بمعاهد الوزارة للبنين عام 1937. وطوال هذه الفترة، وهو يكافح لإعادة فتح معهد التمثيل مرة أخرى، وبالفعل ينجح في ذلك. فقد افتتحت وزارة الشئون الاجتماعية المصرية، (المعهد العالي لفن التمثيل العربي) عام 1944. وتكوّن هذا المعهد من قسمين: الأول، قسم الإلقاء والتمثيل، والآخر قسم النقد والبحوث الفنية. وكانت الدراسة به ثلاث سنوات في كل قسم، ثم سنتان للتخصص في فن الإخراج، وتجري الدراسة فيه مجاناً. وكان طليمات عميداً لهذا المعهد منذ افتتاحه وحتى قيام ثورة يوليو 1952. فقام رجال الثورة بمكافأته، وذلك بفصله بقانون رقم 181 (قانون التطهير)، عن طريق لجنة فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي. ووقع على قرار فصله كل من: رئيس مجلس الوزراء اللواء أركان حرب محمد نجيب، ووزير المعارف العمومية إسماعيل محمود القباني (41)!!

     الهوامش:    أنظر الملف المرفق  

المصدر: د. سيد علي إسماعيل كلية دار العلوم – جامعة المنيا كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة الإمارات العربية
egarchives

أ.د عصام أحمد عيسوى [email protected]

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
21 تصويتات / 2588 مشاهدة

أ.د عصام أحمد عيسوى

egarchives
أستاذ م.الوثائق والأرشيف بقسم المكتبات والوثائق بكلية الآداب جامعة الملك سعود وجامعة القاهرة، حاصل علي جائزة التميز في التعلم والتعليم من جامعة الملك سعود 2011م، وجائزة جامعة القاهرة التشجيعية في العلوم الإنسانية والتربوية 2007م، وعضو فى عدد من اللجان القومية والعلمية بجامعة القاهرة والمجلس الأعلى للثقافة وغيرهما، مؤسس ومدير وحدة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

183,719