اقتربت الفتاة اللبنانية من أحد الجنود الذين يحيطون بالمظاهرة الضخمة التي تشارك فيها.. وبابتسامة مشرقة تحمل دلالات كثيرة أعطته وردة حمراء زاهية.. ثم عادت مرة أخرى إلى "ساحة الشهداء" الشهيرة في قلب بيروت لتهتف بأعلى صوتها ضد الوجود السوري في لبنان.
مشهد خيل للبعض أنه شاهده من قبل لكن على بعد آلاف الأميال من لبنان في أوكرانيا، ومع اختلافات بسيطة حيث كانت الفتاة أوكرانية والجندي أوكرانياً بطبيعة الحال، لكن ظلت الوردة والهتاف بالحرية العامل المشترك في كلتا الحالتين.
يبدو أن عدوى الحرية يمكن أن تنتقل عبر المحيط ولم تنف أية جهة في المعارضة اللبنانية أن الشعب الأوكراني بما حققه من نجاح غير مسبوق كان بمثابة النموذج الأمثل الذي يمكن أن يصلوا إليه ولعل لسان حالهم كان "فعلها الأوكران، فلم لا نفعلها نحن؟".
وعلى الرغم من أن استقالة رئيس الوزراء اللبناني "عمر كرامي" من منصبه –والتي تقدم بها يوم الاثنين الماضي بعد جلسة عاصفة في مجلس النواب- كانت مفاجأة للكثيرين، إلا أنها فيما يبدو لن تكون نهاية طموح المعارضة وخلفهم أغلبية الشعب اللبناني الذي تتواصل مظاهراته الحاشدة لما يزيد عن أسبوعين بعد حادث اغتيال رئيس الوزارء السابق ذي الشعبية الجارفة "رفيق الحريري".
وقد لا تخفف استقالة حكومة "كرامي" من حدة الضغوط على سوريا وعلى الرئيس اللبناني "إميل لحود"، بل لعل البعض لم يستبعد أن يكون الهدف التالي للمعارضة هو "لحود" شخصيا، وهو الأمر الذي لو حدث؛ فإنه كفيل بقلب الأمور رأسا على عقب ربما بشكل قد لا تتوقعه المعارضة اللبنانية نفسها.
وبحكم العلاقة المتشابكة والمتداخلة بين سوريا ولبنان فإن استقالة الحكومة اللبنانية ستثير الكثير من القلق لدى سوريا خصوصا في ظل الضغوط الأمريكية والأوروبية المستمرة على النظام السوري من أجل تنفيذ القرار رقم 1559 المتعلق بانسحاب القوات السورية بالكامل من الأراضي اللبنانية، وهو القرار الذي يبدو أن سوريا ستلتزم به في القريب لا محالة لكن يبدو أن القيادة السورية متمثلة في الرئيس السوري "بشار الأسد" تبحث اختيار الوقت المناسب لتنفيذ هذا القرار مع ضمان حصولها علي امتيازات كافية ترضيها وتعيدها إلى المجتمع الدولي بشكل أفضل خاصة أن النموذج الليبي لا يزال حاضرا في الذهن عندما أسرع الرئيس الليبي "معمر القذافي" بدفع التعويضات لحادث طائرة لوكيربي ولحادث الملهى الليلي في ألمانيا وأعلن تخلي بلاده عن أي برنامج نووي؛ أملا في انفتاحة غير مسبوقة على الولايات المتحدة والغرب ثم.. لا شيء.
الانسحاب السوري من الأراضي اللبنانية يخضع لأكثر من وجهة نظر إحداها تؤيده باعتباره احتلالا سوريا فعليا للبنان لم يقتصر فقط على الوجود العسكري وإنما طال باقي نواحي الحياة السياسية والاقتصادية الأمر الذي خلق ما يشبه بـ"مراكز القوى" التي تستمد نفوذها في لبنان بقدر علاقاتها مع الجيش السوري والنظام السوري، وأصحاب هذا الاتجاه يدللون على رأيهم بأن سوريا لا تعترف حتى الآن بشكل رسمي باستقلال لبنان.
بينما ترى وجهة نظر أخرى أن وجود القوات السورية -التي تبلغ 15 ألف جندي وتتواجد في لبنان منذ عام 1976- أمر ضروري لأنها تمثل حائط صد مهم ضد القوات الإسرائيلية التي تزال تحتل مزراع شبعا اللبنانية.
الشاهد أن المعارضة اللبنانية ومن ورائها معظم فئات الشعب اللبناني لن يتراجعوا هذه المرة عن مطالبهم بعد أن رأوا ثمرة تماسكهم وهتافهم بكلمة "لا" خاصة أنهم هذه المرة يستندون إلى تعاطف دولي واسع تقوده الولايات المتحدة الأمريكية كما أن العالم الآن يعيش مناخا سياسيا دوليا مختلفا يبدو في ظاهره أنه مع حرية الشعوب ورغباتهم ولا يعرف أحد هل سيظل هكذا أم أن هناك تحت قناع الحمل.. أسدا.
ساحة النقاش