يتحدث الكثيرون منذ مدة عن الاتصالات الرقمية ونسمع كل يوم عن تقنيات وأجهزة جديدة يقال عنها أنها رقمية (ديجتال) , فالهاتف والريسيفر والتلفزيون والمسجلات والجوالات أصبحت رقمية وفي القريب العاجل الغسالة والثلاجة الفرن وربما السرير والأبواب والنوافذ , صدقوني أن لا أبالغ وسيأتي اليوم أن شاء الله الذي سيتحول كل شىء في حياتنا اليومية إلى التقنية الرقمية وتصبح حياتنا عبارة عن أرقام و واحدات (0110101010) متناثرة تحمل في محتواها الكثير من القرارات التي نتخذها كل يوم , يجب الإشارة هنا إلى أن التقنية الرقمية لا يقصد بها تحويل المؤشرات والعدادات إلى أرقام وإنما المقصود هو إرسال المعلومات مرمزة رقمياً (سنتطرق للكيفية لاحقاً) , فالراديو الذي تظهر ترددات محطاته على شكل أرقام ليس بالضروري أن يكون راديو رقمي وكذلك أجهزة الجوال ليس بالضروري أن تكون تعمل بالتقنية الرقمية.
الاتصالات الرقمية المقصود بها هو إرسال المعلومات بعد ترميزها على شكل أرقام وهذه الأرقام في الغالب رقمين فقط هما الصفر والواحد , والسؤال المطروح هو ماهو الفائدة من ذلك ؟؟؟ , للإجابة على هذا السؤال يجب أولاً فهم كيفية إرسال المعلومات من الأساس ومن ثم فهم الفائدة من التقنية الرقمية.
لإرسال المعلومات عبر وسائل الإتصال سواء كانت سلكية (مثل الكيابل) أو لا سلكية (في الهواء) يجب أولاً تحويل المعلومة إلى إشارة كهرومغناطيسية , فالصوت مثلاً عبارة عن تخلخلات وتضاغطات في الهواء يتم تحويلها إلى إشارات كهرومغناطيسية لها قوة كهربائية توزاي مقدار التضاغطات والتخلخلات الناتج منها الصوت الأصلي , يتم بعد هذا التحويل إرسال الإشارات عبر الكيابل أو الهواء إلى المكان المراد إرسالها له , فلو أخذها الراديو على سبيل المثال , نجد أن المذيع في محطة البث يقدم البرنامج بصوته الذي هو عبارة عن تضاغطات وتخلخلات في الهواء ناتج عن الكلام الذي يخرج من فمه , يقوم الميكروفون بتحويل هذه التضاغطات والتخلخلات إلى إشارات كهرومغناطيسية ومن ترسل عبر محطات الإرسال لاسلكياً , يأتي الآن دور الراديو الذي يقوم بإلتقاط هذه الإشارات الكهرومغناطيسية عبر الأنتن أو الآريل ومن ثم تحول مرة أخري عن طريق السماعات إلى صوت مسموع.
السيناريو السابق قد يبدو معقول ويحقق الهدف المطلوب وهو توفير نوع من الاتصالات بين المرسل والمستقبل ولكن توجد مشكلة كبيرة نعاني منها جميعا ألا وهو التشويش الذي يحدث غالباً عند الإستقبال , ماهو هذه التشويش ولماذا يحدث وهل يمكن التغلب عليه , كل هذه الأسئلة تقودنا إلى علم الاتصالات الرقمية الحديث.
يحدث التشويش عند إرسال الإشارات اللاسلكية أو حتى السلكية ومن ثم تعرضها لعوامل طبيعية مثل البرق والرعد أو حتى الضعف نتيجة قطع الإشارة لمسافات طويلة قد تصل إلى آلاف الأميال كما هو الحال في إتصالات الأقمار الصناعية , تؤدي كل هذه العوامل إلى تشويش شكل الإشارة الأصلية الحاملة للمعلومة ومن ثم تشويش المعلومة نفسها ويلاحظ هذا بوضوح في الشوشرة في الراديو أو عدم وضوح الصورة في البث الفضائي أحياناً , نتيجة لهذا التشويش يحاول جهاز الإستقبال (الراديو أو الريسيفر) تتم عدة محاولات لإسترجاع شكل الإشارة الأصلي لحظة إرسالها قبل التشويش بإستخدام المرشحات أو الفلاتر , هذه المحاولات لإسترجاع شكل الإشارة الأصلي لا تنجح في الغالب بنسبة 100% وذلك لأن شكل الإشارة الأصلية غير منتظم ولا يأخذ شكل ثابت يمكن تمييزه عن الإستقبال ومن ثم إعادته إلى شكله الأصلي , نستطيع تمثيل شكل الإشارة للتقريب بمجموعة أحجار غير منتظمة الأشكال وضعت في كيس ونقلت من مكان إلى أخر وحدث أثناء النقل أن تعرضت هذه الأحجار إلى سقوط أدي إلى إنكسار بعضها , في هذه الحالة لا يمكننا معرفة ما إذا كان الحجر المكسور هو حجر أصلي أم حجر مكسور يمكننا على إفتراض إعادة تركيبه وإستعادة شكله الأصلي , نفس الوضع ينطبق على الإشارة الكهربائية التي أشرت إليها .
لو أفترضنا أن مجموعة الأحجار التي بداخل الكيس لها شكلان فقط , أما حجر دائري أو حجر مربع , في هذه الحالة لو سقط الكيس أثناء نقله من مكان إلى أخرى وحدث إنكسار في بعض الأحجار , يمكننا في هذه الحالة فرضيا إعادة الأجزاء المكسورة إلى بعضها البعض بكل سهولة لأن الحجر الدائري المكسور لن يتطابق مع الحجر المربع المكسور والعكس صحيح , نفس المفهوم ينطبق على الإتصالات الرقمية التي ترسل المعلومات على شكل إشارات كهرومغناطيسية لها شكلان فقط , كل شكل يمثل أحد الرقمين صفر أو واحد والشكلين أجمالاً مخلتفان تماما ويمكن تمييز أحدهما بسهولة حتى لو حدث له تشويش كما في المثال السابق , نتيجة لهذه الدقة العالية في إسترجاع الإشارة المشوشة تحدث نقاوة عالية الجودة في الصوت المسموع والصورة المرئية نتيجة إنعدام التشويش تقريباً , وهذا الإنعدام في التشويش هو الذي جعل الإتصالات الرقمية ذات جودة عالية وأصبح الإعتماد عليها في معظم تقنيات الإتصالات الحديثة , إذن خلاصة القول هو أن الإتصالات الرقمية ماهي إلا ترميز للمعلومات على شكل صفر أو واحد قبل إرسالها سلكيا أو لاسلكيا بحيث يسهل على المستقبل إستعادة الإشارة الحاملة للمعلومة بكل سهولة كما رأينا سابقاً .
نشرت فى 11 يونيو 2005
بواسطة ebed
عدد زيارات الموقع
382,027


ساحة النقاش