<!--

<!--<!--<!--

بسم الله الرحمن الرحيم

ضوابط التجديد في الفكر الإسلامي

الحق تبارك وتعالى كرم بني آدم وخلقه في أحسن تقويم وسخر له ما في السموات وما في الأرض وهذا التكريم يظهر في أن الوسطية تحفظ للإنسان ذاته أياً كان دينه أو لونه أو لغته أو جنسه وتحافظ على كرامته ويظهر ذلك في الاتجاه العالمي والإنساني للشريعة الإسلامية ومقاصد الشريعة الإسلامية عالمية وإنسانية تقوم على التسامح فالإسلام هو خاتم الرسالات السماوية ومن هنا خاطب البشر أجمعين بصرف النظر عن جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم يقول الله في سورة سبأ آية 28 "وما أرسلناك إلا كافه للناس" فهو لا يخاطب شعباً بعينه ولذلك فهى على خلاف الشريعة اليهودية فهي تميز في المعامله بين بنى إسرائيل وغيرهم من الشعوب الأخرى ولذلك ساد الشريعة الإسلامية مبدأ التسامح مع غير المسلمين فهي لا تميز بين المسلم وغير المسلم ولفظت التميز العنصرى والدينى بكافه صورهما أعمالاً لقوله تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن اكرمكم عند الله أتقاكم" الحجرات 13 وهو ما يعبر عنه بالقول الشهير (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).

والشريعة من ناحية أخرى جاءت لتكملة ما سبقها من رسالات سماوية لأنها كلها من مشكلة واحدة فأعترفت بما سبقها من رسالات سماوية ونجد مصداق ذلك في قوله (لا اكراه في الدين) البقرة آية 256 وهو ما يعبر عنه في العصر الحديث بمبدأ حرية العقيدة وحق إقامة الشعائر الدينية.

فضلاً عن اعتراف الشريعة لغير المسلمين من أهل الكتاب بتطبيق الأحكام التى أمر بها دينهم حتى ولو كانت مخالفة لأحكام الشريعة مثل مسائل الأحوال الشخصية وبعض صور المعاملات والحال كان على خلاف ذلك في المجتمعات الغربية للمسيحية حتى قيام الثورة الفرنسية.

فغير المسيحى لا يتمتع بأية حماية قانونية إذا أراد أن يحافظ على دينه الإسلامي أو اليهودي أو على وثنيته فهو بالخيار بين التنصير أو ترك البلاد فإن أصر على البقاء مكانه كان دمه وماله وعرضه مهدوراً وأحداث التاريخ تشهد بذلك وعلى رأسها ما جرى في أسبانيا بعد إخراج المسلمين فيها بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين بها عام 898هـ- 1452م.

وأعمالاً لمبدأ التسامح الإسلامي فإن الدعوة إلى الإسلام يجب أن تتم بنص القرآن في سورة النحل "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن" سورة النحل آية 125.

ولا يجوز الإلتجاء إلى الحروب لحمل الإنسان على الإسلام بل أن الحرب ذاتها لا تكون مشروعة إلا إذا كانت دفاعية حينما يحدث اعتداء على المسلمين أو على أرض دار الإسلام.

 

 

التجديد وحدوده

إن من أهم خصائص الشريعة التكامل بين العلم والإيمان أو بين المعقول والمنقول ([1]) في تناسق وإنسجام تام فأول ما نزل من آيات القرآن سورة العلق 1-5 اقرأ بإسم ربك الذى خلق، تحض على العلم وبعض الأحاديث المشهورة تجعل من العلم دعامة الدين مثل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وبعضها الآخر يلح في طلبه مثل أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد وتأكيداً لهذا المعنى تدعو كثير من الآيات الإنسان إلى اكتشاف أسرار الكون بالدرس والملاحظة والتفكير ومن هنا كان الاجتهاد والتجديد أصلاً من أصول الشريعة الإسلامية بغية الوصول إلى التوافق مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية وقد عبر الحديث الشريف عن هذا المعنى بقوله أن الله يبعث من هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها وليس المقصود المعنى الحرفي للنص بطبيعة الحال ولكن المقصود ضرورة الاجتهاد في الأحكام التى تقبل الاجتهاد في ضوء متغيرات الزمان والمكان.

وكل هذه المعانى أدركها المسلمون وأقاموا حضارتهم وطوروها ولا ينكر أحد أن الحضارة الأوربية في عصر النهضة قامت على اكتاف حضارة المسلمين وعلومهم والتجديد يقصد به في عصرنا الحاضر الاجتهاد فيما لم يرد فيه حكم مما كتب الفقهاء السابقين من مستجدات العصر سواء كان الحكم مستمداً من نص في الكتاب أو السنة أو وليد اجتهاد فقهى كما يشمل مفهوم التجديد تصحيح الفهم الخاطئ وتنقية الأحكام مما لحقها من بدع وعادات دخيلة على الإسلام كما يمتد مفهوم التجديد تصحيح الفهم الخاطئ وتنقية الأحكام مما لحقها من بدع وعادات دخيلة على الاسلام كما يمتد مفهوم التجديد إلى الفكر الاسلامى من أصول الفقه والعقيدة من أدلة ومناهج بحث وطرق استنباط وزيادة إيمان.

التجديد وضرورة التوازن

إن المجتمعات الإسلامية تواجه اليوم عدة مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية تزداد حدتها على مر الأيام وتتسع الفجوة بينها وبين العالم المتقدم المعاصر. وفي ظل العولمة أصبحت البلاد الإسلامية أسيرة لما يحدث في العالم المتقدم من أحداث وما يطبقه من نظم وما حققه من تقدم علمي وتكنولوجي يبهر العقول والأبصار. وعلينا أن توازن بين ثلاثة خيارات :

أولها يتمثل في تغيير جلدنا بمحاكاة العالم المتقدم الذى تسوده المذاهب العلمانية فننقل عنه في جميع الميادين تعلقاً بأمل اللحاق به، ولكن الثمن سكون باهظاً إذ ستضطر لفقد هويتها الحضارية ونذوب كلية في حضارة العالم المتقدم،

     والخيار الثاني هو الانكفاء على الذات ورفض الانفتاح على العالم الخارجى، وهو ما ينادي به بعض أنصار المذاهب السلفية. وهذا الاتجاه يؤدي إلى عزلتنا عن العالم ويزيد من تخلفنا فضلاً عن أنه ينافي روح الشريعة الإسلامية.

أما الخيار الثالث فيقوم على تجديد حضارتنا باستعارة بعض أساليب التقدم التى تتفق مع أصولنا الحضارية ونطور الأصول القابلة للنمو والتطور –وهي كثيرة- وننفض عنها ما علاها من صدأ وبذلك نحافظ على هويتنا الحضارية ونستطيع أن نجاري الشعوب المتقدمة. واستعارة النظم الأجنبية لا خطر منها في خصوص الجانب المادي للحضارة من مخترعات وعلوم بحته مثل الكيمياء والفيزياء وعلوم تطبيقية مثل الطب والهندسة.

 أما الجانب الثقافي فاستعارته أو اقتباسه محفوف بالمخاطر لأنه يقضى على الهوية الثقافية على المدى البعيد ولذلك يتعين علينا تجديده في إطار ما يحكمه من أصول إسلامية وعلى رأسها "الوسطية" التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية ولذلك يتحقق التواصل المعرفى بين الأصالة والمعاصرة.

إن تطور الحياة وتنوع المشكلات وتكاثر الوقائع وتكاتف المستجدات كل ذلك مما يجعل تجديد الخطاب الديني ضرورة لا محيص عنها وحاجة ملحة لا غناء عنها للمسلم.

إن تنوع المذاهب والاتجاهات الكلامية والفقهية واختلاف أبناء المذهب مع بعضنا أحياناً لم يكن يفسد للود قضية وإنما كان ظاهرة من ظواهر تجديد الخطاب الديني علي مدار التاريخ والعلماء تفاعلوا مع المستجدات حسب الزمان والمكان وكان ذلك دليلاً على التنوع وإثراء الفكر الإسلامي في مجالاته المتعددة فكنا نلحظ إختلاف المدرسة الواحدة مع بعضها أو بتعدد الرأى لعالم حسب مقتضى الأحوال وكل ذلك في إطار من الاحترام وتنوع الوقائع لأن النصوص الشرعية حمالة ما دام ذلك في الإطار المشروع وخير دليل علي ذلك صنيع الإمام الشافعي فلقد كتب فقهه مرة في العراق وكتبه مرة أخرى في مصر وعرف الأول بالمذهب القديم وعرف الثاني بالمذهب الجديد والإمام الجويني نبز تصور الباقلاني لموقف الإنسان من الفعل الاختياري وقد عاد أدراجه ليقرر بعد ذلك عكس ما كان يعارضه.

إن قضية واحدة تعارض فيها عالمين كبيرين من أعلام المدرسة الأشعرية هما الباقلاني والجويني ثم عاد الثاني عن رأيه الذى عارض به الأول لتعود المسألة على الوجه الذى ذكرناه.

إن هذا يعني التعددية في أجلى صورها لا في داخل المدرسة الواحدة بل لدى فرد واحد من أفراد تلك المدرسة الواحدة فإذا خطونا بعد ذلك لنلتقي مع الإمام الغزالي ليتضح لنا أن الرجل يعد فتحاً جديداً في تطور تلك المدرسة من حيث المنهج وقد مهد هذا التطور ببيان العلاقة الصحيحة بين الوحي والعقل ويظهر من خلال تأصيله لتلك العلاقة أنها كانت رد فعل لما يمر به الواقع من تجاذبات فكرية حول تلك العلاقة يقرر في وضوح أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع وأن الشرع لا يتبين إلا بالعقل فالعقل كالأس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يصح بناء ما لم يكن أس والعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن البصر نور على نور: فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان([2]) إن حتمية التجديد لا تعني التعسف في تأويل النصوص أو الإنحراف بها عن مرادها لكنها تعني فهم النصوص في إطار مقاصدها الشرعية الكلية والعناية لسياقات النصوص وفهم العربية ورحم الله الإمام الشاطبي فقد ذكر في الموافقات أن الذى يجب أن يكون علي بال كل من المستمع والمتفهم الإلتفات إلي أول الكلام وأخره وأوله والقضية وما اقتضاه الحال فيها والنصوص الشرعية تستوعب الفهم وتتعانق ولا تتعاند والواقعة الشهيرة حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظه اختلف الصحابه في مراد الحديث من ذلك فمنهم من أوله علي أن المراد الحث علي الإسراع في الغزو ومنهم من حمله علي ظاهره وكل طبّق حسب ما فهمه فالذين حملوه علي ظاهره صلوا العصر فور وصولهم لموضع بني قريظه والذين أولوه علي الحث علي الإسراع صلوا عند وجوب وقته وحينما عرض الأمر علي الرسول صلى الله عليه وسلم ما خطّأ أياً من الفريقين ومن الجدير بالذكر أن التجديد له ضوابطه شأنه في ذلك شأن كل علم ولا يمكن لأي رجل ان يمسك يالجيتار فيعبث به ثم يزعم أنه عازف فلا يختلف إثنان علي أنه يجب أن يكون عارفاً بالموسيقا مدرباً علي آلاتها

1- من أهم هذه الضوابط مراعاة الإختصاص فكما لا نجد في علوم الهندسة والطب وغيرها إلا المتخصصون فكذلك أيضاً يجب أن يكون تجديد الخطاب الديني شأن علماء الدين وهي حقيقة قررها كتاب الله تعالى في قوله "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" سورة النحل آية 43.

ويفهم من هذا النص أن مراعاة الاختصاص والتخصص شرط بديهي لأهل هذه التخصصات إن مثل من يتحدث في الإسلام من غير أهله مثل الذى يشتغل بعلاج المريض وهو لا يعرف عن الطب والجراحة سوى نزع الأسنان والإسلام قد أقر هذا المبدأ مبدأ التخصص وأعتبره مطلباً شرعياً وعقلياً لقوله تعالي "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" سورة النحل آية 43 والمقصود لا يفتي في كل اختصاص إلا أهله وإلا صار الأمر من الاجتهاد إلى الفوضى.

2- ومن هذه الضوابط الموضوعية والتجرد من الهوى ومن الأهواء المذمومة والموضوعية في التصور الإسلامي هي البحث عن الحقيقة إتفقت مع ميول الباحث أولم تتفق والتمسك بالحق بعيداً عن الأهواء الباطلة كالكبر والمذهبية والتقليد ويتم في ثلاث خطوات:

أ- إستهداف الحقيقة فالمسلم موجه بأن يطلب الحق ويبحث عن الصواب قال الإمام الغزالي "ينبغي أن يكون طالب الحق في طلبه كناشد الضاله لا يفرق بين أن تظهر علي يده أو علي يد غيره" وهكذا كانت مشاورات الصحابه ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول "ما جادلت أحداً إلا دعوت الله أن يجري الحق علي قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته".

ب- الإنطلاق من الحق لجعله المعيار الذى يسعي في عمله علي أساسه ويزن الأمور بميزانه دون الأهواء والشهوات والرغبات الخسيسه "الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب" سورة الشورى آية 17.

3- الأخذ بالحق دون مراوغه عنه أو اكتفاء بما يوافق الهوى منه أو الوقوف عند حد الاعتراف النظرى به وقد مدح الله أولئك الذين ألتزموا الحق حينما عرفوه فقال تعالي "وإذا سمعوا ما أنزل إلي الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق" سورة المائدة آية 83 فالتجرد من المذهبية أمر ضروري لطالب الحق لأن المذهبية تجعل صاحبها يصر علي خدمة مذهبه وإن شأت فقل هواه مهما تبين له وجه الحق في غيره فصاحب المذهبية المنحرفه يجعل مذهبيته وعصبيته في كفه والحق في كفه ثم يرجح مذهبيته علي الحق والأصل أن يقيد الإنسان نفسه بالحق وألا يأخذ دينه إلا منه لأن صاحب المذهبيه لا يمكن أن يكون موضوعياً ولا محايدا إزاء ما يقرؤه وما يسمعه وما يشاهده لأنه يريد إخضاع كل شئ لهواه فالنصوص عنده تابعة لا متبوعة والأدلة لديه خادمة لا مخدومة والنتائج عنده سابقة علي المقدمات والمدلول متقدم عن الدليل فهو لا يدرس ليصل إلى الحقيقة أياً كانت بل يقرأ لينصر رأيه ومعتقده.

3- ومن الضوابط الاعتصام بالأصول والثوابت الإسلامية فالعقيدة من الثوابت وأركان الإسلام من الثوابت وقدسية النص القرآني من الثوابت لكن أراء أهل العلم في الأمور غير الثوابت قابلة بالنقاش وإذا كان هناك تجديد ومعاصرة في الأصول والثوابت الإسلامية من منظور الإسلام فإنه التجديد والمعاصرة الذى يحيي الأصول ويعيد الحيوية إلي الثوابت بل هو السبيل لإمتداد تأثيرات ثوابت الدين وأصوله إلي جوانب الحياة المختلفة والإسلام بما أنه دين الزمان والمكان لابد وأن يشتمل علي ثوابت ومتغيرات وهذه الثنائية في الإسلام بين ثوابت ومتغيرات تكشف لنا هذه الرسالة أنها بحق دين الفطرة لأن الإنسان بما هو روح وجسد كائن مواطن في عالمين ومشدود إليهما لعلاقتين علاقة الله وعلاقة الدراسة المادية متغير غير مستقر فما كان متعلق بالله من عقائد وعبادات ونظم ثبته الإسلام وما تعلق بالجانب المتغير راعى فيه المرونة والحركة ولكنه في إطار الأهداف العليا للإيمان بالله تعالي من هنا جاءت نصوص القرآن والسنة النبوية المتعلقة بالمتغيرات مثل الأحكام المدنية والدستورية والجنائية والاقتصادية متضمنه للأهداف والمبادئ الأساسية في الدين.([3])

5- ومن الضوابط الاعتراف بقصور العقل البشرى فهو محدود بإطار الزمان والمكان ومكتسبات المعرفية وعلي قدر ذلك تكون طاقته ومن المحال ان يحل محل الوحي السماوي والاعتراف بمحدودية العقل يستلزم الإذعان الكامل لنصوص الوحي من القرآن والسنة وتقديم هذه النصوص علي العقل فيصبح الوحي هو المقدم علي العقل ولهذا يجئ الوحي الإلهي ليكمل دائرة المعرفة فيخبره بما هو خارج عن قدرته من عوالم الغيب المختلفة وقد أخبرنا الوحي عن العوالم الغيبية من حيث بيان صفاتها وأثارها ولم يخبرنا عن كنهها وجوهرها ولذلك كانت معرفة الكنه والذات فوق طاقة العقل البشرية قال تعالى "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى" سورة الإسراء آية 85.

6- من ضوابط التجديد أن يكون القصد من التجديد إصلاح الفكر الديني لدي الأمة فالإصلاح كان مهمة الأنبياء والرسل فليس التجديد ترفاً فكرياً وإنما رسالة أعظم خلق الله صلى الله عليه وسلم.

إن دور المجدد ليس في جلب القيم الجديدة وإنما في الإبقاء علي القيم التي جاء بها الأنبياء مع التوظيف الأمثل لهذه القيم وتطبيقها علي المجتمع فالتجديد لا يكون بشئ يخالف الشريعة ومقاصدها وليس قائم علي الهوى وإنما يكون الدافع إليه تحقيق المصالح المعتبره التي تعود علي الأمة بالخير في أمر الدنيا والآخرة.

التجديد يعنى بقاء الأصل المجدد ولذلك كان التجديد سمة من سمات الشريعة الإسلامية بإعتبارها خاتمة الشرائع السماوية.

7- الالتزام بأساليب اللغة العربية وقواعدها في تفسير النصوص وتأويلها وإلا إختلطت الأمور فاللغة العربية هي وعاء الشريعة ومن ملك أية لغة أخذ بناصية العلوم التي كتبت بها والعربية لسان متسع قال عنه الشافعي رحمه الله في رساله "ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً ولا نعلمه يحيط بجميع ألفاظه إنسان غير نبي" وقد أثبتت الدراسات الحديثة صحة هذا بل أثبتت أن اللغة العربية علي اتساعها لكنها أوجز اللغة وأوفاها وأن التراث الإنساني لو كتب باللغة العربية لأختصر إلي حجم الثلث كما أثبتت ان اللغة العربية أخر لغات العالم موتا والمجترءون على النصوص الشرعية يخلطون في الفهم ويلبسون في الرأي فما رأيك في رجل يؤول الفعل اجتنبوه بأن معناه اجعلوه جنبكم من قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فأجتنبوه لعلكم تفلحون" سورة المائدة آية 90 وبنى على هذا التأويل الفاسد أن الخمر والميسر ليس حراما وذلك لأن معنى اجتنبوه عنده إجعلوه جنبكم وهذا من أعظم الجرأة أو كالذي أستهزأ بالفقهاء لقصرهم أعمال الحج علي أيام ذى الحجة الأولى ورأى أن يوزع الحج علي أشهر زعماً منه أن القرآن أراد ذلك بقوله "الحج أشهر معلومات.." سورة البقرة آية 197.

8- ومنها عدم الاعتماد علي نص واحد في الحكم وإغفال بقية النصوص التي وردت فيه وهذا ما وقع فيه المستشرقون والمجترؤون من بني جلدتنا حيث أعملوا أقلامهم في نص واحد بمعزل عن غيره وبنوا علي ذلك آراء وسوقوها علي أنها هي الإسلام كتفسيرهم أن الإسلام أنتشر بالسيف اعتماداً على بعض النصوص القرآنية التي فهموها بمعزل عن مساقها ولعمري لئن كان إنتشار الإسلام بالطريق الذى زعموه فأي سيف له الأن حتى ينتشر هذا الانتشار المتسارع في قلب أوروبا وأمريكا بل وفي أوساط أهل العلم فالمسلمون في أمريكا في عام 1970م لم يبلغوا المليون وهم الآن أكثر من 20 مليون وقل مثل ذلك في فرنسا ...وبريطانيا وألمانيا وغيرها فالمسلمون فيه بلغوا الملايين والمسلمون في أضعف حال وأسوءه([4]) إن تجديد الخطاب الديني ضرورى حتيمه يحتمها طبيعة الدين إذ أنه خاتم الأديان ويحتمها الواقع المتغير والمتطور ومن الأسباب التي تجعله ضرورة لازمة وضرورة حياتيه تتعلق بضبط العلاقة بين أحكام الدين وسلوكيات الحياه.

1- إندراس بعض معالم الدين.

2- اختلال مراتب الأعمال الشرعية.

3- الأحداث المستجده.

ومعني هذا إنزال الدليل الشرعي علي الواقع المعاصر ومستجدات النوازل في جميع مجالات الحياة وهذا يعني تجديد الخطاب الديني ومن الأساليب المعاصرة والتجديد:

1- تنقية الخطاب الإسلامي من الإسرائيليات والمرأيات الدخيلة.

2- مراعاة الربط بين الفقه والسنة النبوية.

3- الأدلة الشرعية كتاباً وسنة وإجماعاً.

وهذه أدلة ثابتة لا يجوز جحدها أو التطاول عليها أو إنهاء مهمتها لأن عطائها مستمر عبر الحياة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.

4- عدم الثبات علي بعض أراء العلماء السابقين حول فهم النصوص الدينية الظنية بل لابد من فهم الأدلة الشرعية في هذه العلوم من جهة دلالتها بمبانيها أو معانيها علي المطلوب منها مثل دلالة المنطوق ودلالة المفهوم ومنطوق النص وإشارته وغير ذلك مما يتعلق بهذا الفهم عبر العلوم المختصة وأدوات الاستنباط التي أتفق عليها العلماء المتخصصون عبر وسائل الاجتهاد الأخرى التي تعرف بالأدلة المختلف فيها ومنها القياس والعرف والمصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرها.

5- النظر في الفروع التي تم إنزال النص عليها وذلك للإستفاده منه في معرفة العلاقة بين النص وواقع الحياة التي يطبق فيها ويضاف لذلك أنها تمثل وسيلة للحوار والنقاش العلمي في تعليم الباحثين.

6- مراعاة الواقعية.

7- مراعاة فقه الموازنة والأولويات.

8- تمكين الخطاب الإسلامي من حرية القول.

9- تجديد علوم الخطاب الإسلامي.

10- تجديد علوم العقيدة.

إن بعض علوم الخطاب الإسلامي طرأت عليها بعض الانحرافات لأسباب عديدة وهذه الانحرافات يتمثل معظمها في دخول أفكار واتجاهات بعيدة عن نهج الإسلام في هذه العلوم وكذا التقليد والتعصب المذهبي لإتجاهات فكرية معينة ولما كان علم العقيدة من هذه العلوم التي تأثرت لتلك الانحرافات كان لابد من تجديد وتجديده يقوم علي النقاط التالية:

1- تنقية العقيدة من كل الاضافات البشرية التي تراكمت عليه بما في ذلك النظريات الكلامية القديمة.

2- اعتماد منهج القرآن والسنة في اثبات العقيدة.

3- اعتماد طريقة المعرفة العقلية بجانب المعرفة النقلية.

4- ربط العقيدة بالسلوك الإنساني.

5- الاهتمام بإبراز وبيان أثر العقيدة علي النفوس.

6- رد شبهات ومطاعن المبشرين والمستشرقين وغيرهم من خصوم الإسلام حول العقيدة رداً علمياً فكرياً بلسان العصر.

وأما علم الفقه فقد تأثر بإنحرافات نعاني منها إلي يومنا هذا ومنها قفل باب الاجتهاد.

2- التعصب المذهبي.

3- احتواء كتب الفقه علي الأحاديث الموضوعة والواهية والفرضيات المستحيلة.

4- إقصاء الفقه الإسلامي في بعض الدول الإسلامية والاقتصار علي مسائل الأحوال الشخصية لذا كان لابد من تجديده وتجديده يقوم علي ما يلي:

1- فتح باب الاجتهاد.

2- تنظيم الاجتهاد الجماعي المؤسسي.

3- التحرر من التعصب المذهبي.

4- الاهتمام بالدراسة المقارنة للمذاهب الفقهية.

5- الاهتمام بالدراسة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي.

6- تقنين الفقه الإسلامي.

7- تطبيق الفقه الإسلامي والاحتكام إليه في جوانب الحياة.

وأما علم التفسير فكان أرضاً خصبة لإحتواء الأهواء والمذهبيات التي بعدت به عن هداية الله فلم يسلم هو الآخر من تلك الانحرافات التي نقلت إليه ومنها:

1- الوضع في كتب التفسير.

2- دخول الإسرائيليات.

3- دخول المذهبيات الفكرية.

4- دخول الاتجاهات العقلية المجردة.

إذا كان لابد من تجديده أيضاً فإن تجديده يقوم علي ما يلى:

1- تنقية كتب التفسير من الاتجاهات المنحرفة.

2- التركيز في التفسير علي هداية القرآن.

3- الحذر من تفسير القرآن علي مقتضي النظريات العلمية.

4- مراعاة تفسير القرآن تفسيراً موضوعياً.

5- مراعاة تفسير القرآن للسنة الصحيحة والإنتفاع بأقوال الصحابة والتابعين.

6- الأخذ بمنطق اللغة العربية وأساليبها.

وأما علم التصوف فقد أنحرف إنحرافاً كبيراً ونال الفساد والخرافات منه مبلغاً عظيماً وذلك بعد خروج التصوف من إطار الكتاب والسنة وإتباع الفلسفات الوافدة وكان من أهم الإنحرافات ما يلى:

1- الغلو في الدين خاصة في العبادة.

2- فتح باب الاجتهاد في العبادات.

3- احتواء بعض كتب التصوف علي الأساطير والخرافات

لهذا كان لابد من تجديد العلم مما لحق به من انحرافات وبدع دخيلة وهذا التجديد يعتمد علي أمور ثلاثة:

1- رفض الخرافات والأساطير المنتشرة في بعض كتب التصوف.

2- التركيز علي الجاني الأخلاقي والتربوي في التصوف.

3- تحقيق وتنقيح كتب التصوف المنتشرة في بلدان العالم الإسلامي تأثيراً في الخطاب الإسلامي وهو علم التصوف.

أثر التجديد الإسلامي والمعاصرة:

1- إعادة الفهم الصحيح للإسلام.

2- تحقيق اكتمال الدين.

3- تحقيق الوحدة الإسلامية.

4- إحياء معالم الدين في السلوك الإسلامي.

5- احترام العقل واسترجاع دوره في الخطاب الإسلامي.

6- إعادة الوسطية الإسلامية.

7- مواجهة خطر التجديد التغريبي.

دور الداعية في تجديد الخطاب الديني

الإسلام هو خاتم الرسالات فرسولنا صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء وخاتم المرسلين وذلك فإن دعوة الإسلام هي المنوط بها هداية الناس جميعاً إلي آخر الزمان فالرسول صلى الله عليه وسلم أدي الأمانة ونصح الأمة وبلغ الرسالة وقد أنتقل إلي الرفيق الأعلي بعد إن أدي مهمته فيجب علي المسلمين من بعده تكملة هذه الرسالة ودعوة الناس إلي دين الله لتعليمه لهم ونشره بينهم عملاً بقوله تعالى "ولتكن منكم أمه يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" سورة آل عمران آية 104.

وقوله تعالى "فلولا نفراً من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" سورة التوبة 122.

والطريق إلي هذه الدعوة وضحه القرآن في قوله " ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" سورة النحل آية 125.

ومن البديهي أن الدعوة لا تتم بدون داعية مؤهل لهذه المهمه يقوم بدعوته علي الوجه اللائق ومسلحا بأسلحة العلم ومؤهلاً للنجاح في نشر دعوته وإذا كان لابد من تجديد خطاب ديني فلابد من إعداد داعية مؤهل لذلك لابد من وقوف علي سمات وخصائص إعداد الدعاة.

شروط يجب توافرها في الداعيه:

1- أن يكون ملماً بعلوم العقيدة وعلوم القرآن والسنة وتاريخها.

2- أن يكون ملماً بأبجديات العلوم الإنسانية أخذاً منها ولو بطرف.

3- أن يخاطب الناس علي قدر عقولهم.

4- أن يكون ملماً بمختلف العلوم وبالتطورات التي تستجد فيها.

5- أن يقتدى بسلوك السلف الصالح.

6- أن يكون كالنحلة يأخذ من كل بستان وردة.

فالإمام السيوطي رحمه الله صنف في كثير من العلوم كالتفسير والفقه والحديث والتاريخ والنحو والصرف والبلاغه وكذا ابن سينا والفارابى والغزالي والدكتور دراز والمتميزين في علوم الدعوة من علماء الإسلام.

7- مراعاة مقتضى الحال في دعوته فإن لكل مقام مقال فعليه أن يتخير الموضوعات ويتحين الأوقات في تبليغ دعوته وأن يكون قدوة حسنة وأن يكون قرآن يمشي علي الأرض وإلا كان ذلك سبباً في نفور المدعوين وإنصرافهم عنه.

8- أن يكون لديه إلمام بفقه الأولويات ولا ينبغي الخلط بين الأولويات والثانويات فهناك أشياء ثابته ومعلومه من الدين بالضرورة وهناك أركان يقوم عليها هذا الدين كما أن هناك جزئيات لا ينبغي أن تأخذ أكثر من قدرها ولعل هذه الأفه قد أستشرت في الأوساط الدينية في أرجاء العالم الإسلامي لذا وجب أن يدرس فقه الأولويات لكل من يتصدي لواجب الدعوة الإسلامية حتي يكون علي بينة من الأمر.

 

 


([1])كما ذكر ابن رشد وله مؤلف بعنوان فصل المقال بين الحكمة والشريعة من الاتصال وهو تعبير عن الجمع بين المعقول والمنقول كما يسميها ابن رشد.

([2]) معارج القدس للغزالى، صـ57

([3] ) ضرورة التشديد في الدين "د. أحمد الطيب" صـ152 مؤتمر الثامن عشر المجلس الأعلي للشئون الإسلامية.

([4] ) مجلة منبر الإسلام سنة 1974 عدد 8 شعبان 1436هـ صـ94

 

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 1320 مشاهدة
نشرت فى 17 ديسمبر 2015 بواسطة drshawkey

عدد زيارات الموقع

1,918