<!-- /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-parent:""; margin:0cm; margin-bottom:.0001pt; text-align:right; mso-pagination:widow-orphan; direction:rtl; unicode-bidi:embed; font-size:16.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-bidi-language:AR-SA;} p.MsoFootnoteText, li.MsoFootnoteText, div.MsoFootnoteText {mso-style-noshow:yes; margin:0cm; margin-bottom:.0001pt; text-align:right; mso-pagination:widow-orphan; direction:rtl; unicode-bidi:embed; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-bidi-language:AR-SA;} span.MsoFootnoteReference {mso-style-noshow:yes; vertical-align:super;} @page Section1 {size:595.3pt 841.9pt; margin:72.0pt 90.0pt 72.0pt 90.0pt; mso-header-margin:36.0pt; mso-footer-margin:36.0pt; mso-paper-source:0; mso-gutter-direction:rtl;} div.Section1 {page:Section1;} /* List Definitions */ @list l0 {mso-list-id:1225219409; mso-list-type:hybrid; mso-list-template-ids:1793868360 67698689 67698713 67698715 67698703 67698713 67698715 67698703 67698713 67698715;} @list l0:level1 {mso-level-number-format:bullet; mso-level-text:; mso-level-tab-stop:36.0pt; mso-level-number-position:left; text-indent:-18.0pt; font-family:Symbol;} @list l1 {mso-list-id:1772893437; mso-list-type:hybrid; mso-list-template-ids:107104882 67698703 67698713 67698715 67698703 67698713 67698715 67698703 67698713 67698715;} @list l1:level1 {mso-level-tab-stop:36.0pt; mso-level-number-position:left; text-indent:-18.0pt;} ol {margin-bottom:0cm;} ul {margin-bottom:0cm;} -->

ثورة 23 يوليو، والتعليم

إعداد : د.صابر أحمد عبدالباقي

كلية الآداب – جامعة المنيا

قامت ثورة يوليو ومن أهم أهدافها ومبادئها تحقيق العدالة الاجتماعية ما بين الناس. وقد تعددت الصور التى حققت فيها الثورة هذه العدالة منها توزيع الثروات علي الناس متمثلة في قانون الإصلاح الزراعي وكذلك توفير التعليم المجاني للفقراء ومحدودي ومعدومي الدخل.

إن مجانية التعليم كانت مطلبا ملحا لدعاة الليبرالية في أوائل القرن الفائت أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين وتم اكتمال تحقيقه بعد ثورة يوليو‏، ومن ثم فقد أصبحت المجانية حقا مكتسبا للشعب المصري بكل طبقاته‏، واستفادت منه أجيال ومازالت. وإن من يديرون ويقودون قاطرة التنمية في جميع صورها في مصر إنما هم من تلك الطبقات التي استفادت مباشرة من تلك المجانية. لكن الذي ينساه كثيرون أن ثورة يوليو لم تكن هي صاحبة الفضل في مجانية التعليم وفقاً للحقيقتين التاليتين:

<!--[if !supportLists]-->·   <!--[endif]-->تقررت مجانية التعليم الابتدائي في عام 43/،1944 في عهد حكومة الوفد، وكان طه حسين هو المستشار الفني لوزير المعارف »التربية«، أحمد نجيب الهلالي.

<!--[if !supportLists]-->·   <!--[endif]-->ثم تقررت مجانية التعليم الثانوي في عام 50/،1951 أيضاً في عهد حكومة الوفد، وكان وزير المعارف هو الدكتور طه حسين.

ولما كان التعليم العام، قبل الثورة، بمصروفات حيث تحمل أولياء الامور جانبا من نفقات تعليم ابنائهم وظل الحال كذلك حتى تقررت مجانية التعليم على يد طه حسين فى وزارة الوفد الاخيرة(1951) قبيل ثورة يوليو؛ فقد كان التعليم الثانوى قاصرا على أبناء الطبقة الوسطى وحدهم ممن يستطيعون تحمل نفقاته، وهم عادة القادرون على إلحاق أبنائهم بالجامعة، فاذا وضعنا فى الاعتبار ان رسوم القيد بالجامعة جعلت الطالب يتحمل ما بين 35 % و60% من نفقات تعليمه؛ حيث كانت تلك الرسوم تتراوح ما بين عشرين جنيها للآداب وخمسة وأربعين جنيها للطب(عام1940)، بينما كانت تكلفة طالب الآداب 52 جنيها وطالب الطب 148 جنيها فى العام الدراسى الواحد عنذئذ، على حين كانت مصروفات التجارة 25 جنيها وتكلفة الطالب 35  جنيها فى العام الواحد، فإذا كانت بعض الدراسات قد قدرت الميزانية اللازمة لأسرة تتكون من زوجين وأربعة اولاد لاتقل عن 439 قرشا فى الشهر حداً أدنى للطعام والكساء وفق الأسعار الرسمية عام 1942 وهو ما كان يعجز عن الحصول عليه إلا الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى(عندئذ) أدركنا ان التعليم الثانوى والجامعى كانا قاصرين على الطبقة الوسطى(وخاصة شرائحها المتوسطة والعليا)، ورغم ذلك كان عدد طلاب الجامعة قد أخذ يتضاعف عند أواخر الثلاثينات مع الاتساع التدريجى لشرائح الطبقة الوسطى المصرية الذى أسرعت خطاه خلال سنوات الحرب العالمية الثانية نتيجة ما أحاط بها من ظروف اقتصادية مواتية. وإذا كان التعليم العالي ظل بمصروفات إلي يوليو عام 1962؛ فإن القواعد كانت تقضي بحصول كل من حصل علي الثانوية العامة،أو التوجيهية سابقاً، بستين في المائة فما بعدها علي المجانية، وكذلك، يظل محتفظاً بها إذا حصل علي تقدير عام جيد، وبناء عليه تمكن الكثيرون من التعلم الجامعي مجاناً، فضلاً عن منافذ وسبل أخري متعددة كانت تفتح أبواب المجانية.

ولعل أهم ما اتسمت به الفترة من عام 1952–1974، فيما يتعلق بالتعليم، هو طرح شعار "المجانية" حيث بدا الأمر كما لو أن الدولة تطور التعليم وتتيحه لفئات أوسع من الشعب، هدفا في حد ذاته، منزها عن الغرض، وحقا طبيعيا من حقوق الإنسان، وخدمة دون مقابل، وهكذا صدرت قرارات المجانية للتعليم الثانوي 1952 والعالي 1962، وتم فتح أبواب التعليم للقادرين عقليا ومهاريا للدخول فيه تلبية لاحتياجات المجتمع وخطط التنمية. إن مجانية التعليم أعطت الفرصة لتعليم الفتيات لأن الأسرة قبل الثورة كانت تفضل تعليم الأبناء الذكور بسبب نفقات التعليم والحالة الإقتصادية الصعبه لدى أغلب المصريين.

وقد ترتب على العمل بسياسة التعليم خلال تلك الفترة، تطور ملحوظ في حجم التعليم بكافة مراحله وأنواعه. فالتعليم الابتدائي وصل عدد طلابه عام 1965إلى حوالي 3.417.000 طالب وطالبة، مقابل 1.392.000 عام 1952. ورغم زيادة أعداد الطلبة بالتعليم الثانوي العام؛ حيث وصل عدد المقيدين به عام 1969 حوالي 292.109 طالب وطالبة، مقابل 109.711 عام 1953، إلا أن نسبة القبول بالثانوي العام قد تناقصت؛ حيث كانت في عام 1953 حوالي 84.5%، تناقصت إلى 54.8% عام 1969. وعلى العكس من ذلك فقد زادت نسبة القبول بالتعليم الثانوي الفني من 15.5% عام 1952، إلى حوالي 45.2% عام 1969، ووصل عدد طلاب الثانوي الفني، بأنواعه المختلفة، عام 1969 حوالي 197.054 طالب وطالبة، مقابل 15.566 عام 1953. ورغم زيادة أعداد الطلبة بالجامعات والمعاهد العليا؛ حيث وصل عدد الطلاب بالتعليم العالي إلى حوالي 122.883 طالب وطالبة عام 1969، مقابل 35.026 عام 1952، والمعاهد العليا وصل عدد طلابها حوالي 34.202 عام 1969، مقابل 1.520 عام 1952، إلا أن نسبة المقبولين من الناجحين في التعليم الثانوي العام والفني بالجامعات انخفضت بشكل ملحوظ من 89.3% عام 1952، إلى حوالي 48.6% عام 1963، ثم إلى حوالي 29.8% عام 1969.<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]-->

من ذلك نلاحظ أن عدد المقبولين بالجامعات والمعاهد العليا قد تضاعف حوالي ثلاث مرات، ومع ذلك فالنسبة المئوية للمقبولين من الناجحين من المدارس الثانوية نقصت إلى الثلث تقريبا من 89.3% عام 1952، إلى حوالي 29.8% عام 1969؛ أي أن سوق العمل كان عليه أن يستوعب حوالي 70% من الناجحين في التعليم الثانوي، مع ملاحظة أنه تم التضييق على خريجي التعليم الفني في الالتحاق بالجامعات والمعاهد العليا.


 وقد أدى التوسع في التعليم، في تلك الفترة، إلى إخفاق في سياسة التعليم لتحقيق تكافؤ فعلي للفرص التعليمية، أو في فرص الحياة الاجتماعية، أو تحرير العقل من الانغلاق والقهر. وقد تمثلت مظاهر إخفاق السياسة التعليمية في تلك الفترة فيما يلي<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->:

<!--[if !supportLists]-->1.       <!--[endif]-->التضخم في أعداد الخريجين، سواء في الشهادات العالية أو المتوسطة، بما يفيض عن العدد الفعلي المطلوب؛ حيث تجاوزت سياسة التعليم الحدود الفعلية المطلوبة من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويرجع ذلك إلى أن الدولة توسعت في شعار مجانية التعليم بدوافع وأسباب تتجاوز حدود الإنتاج من ناحية، واحتياجات التعليم من ناحية أخرى. هذه الدوافع والأسباب السياسية تتمثل في توجه الدولة إلى كسب رضاء فئات كبيرة من الشعب المصري – الطبقة الوسطى والصغيرة تحديدا – من خلال منحهم حقوق التعليم وتسهيل التعليم أمامهم للحصول على لقمة العيش؛ من أجل الاستقرار الاجتماعي. ولم يكن تفكير النخبة السياسية يصل إلى أن هذا ينطوي على تناقض أكيد، ما دامت فرص العمل الفعلية لا تتناسب مع الأعداد المتزايدة من المتعلمين، وهذا يرجع لسؤ التخطيط وفشل خطط التنمية في استيعاب الخريجين.

<!--[if !supportLists]-->2.  <!--[endif]-->انطوى هذا التضخم على ضحالة تعليمية وعلمية وثقافية؛ حيث كان هدف الطلاب وأولياء الأمور من التعليم هو تلبية الاحتياجات المعيشية لطالب العلم وأسرته وتحقيق المركز الاجتماعي، بعيدا عن روح العلم والثقافة. فبالنسبة للإعداد المهني والفني للموظفين والفنيين ، فقد أصبح النظر إلى مهنه الطب والهندسة والصيدلة والمحاماة، وغيرها من المهن باعتبارها فنونا من الفنون التطبيقية لا باعتبارها تمثل قمما من قمم الثقافة والمنهج العلمي والتطور الإنساني، واختفت أو كادت ظاهرة وجود الطبيب المثقف والمهندس الفنان كما كان مألوفا قبل ذلك (لاحظ علي سبيل المثال:إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ومحمود سعيد ... وغيرهم) هذا فيما يتصل بالجامعة وخريجها فما بالنا بخريجي التعليم الفني الذي حرصت حكومة الثورة علي توجيه معظم الطلاب إليه في مرحله التعليم الثانوي، لمجرد إعداد العمالة الفنية التي لم تحصل علي قسط من الثقافة قليل أو كثير. ومع التزام الدولة بسياسة تعين الخرجين من ناحية، وسيطرتها الكاملة علي جميع مؤسسات التعليم وجميع فعالياته من ناحية أخرى، كان من العسير ملاحظة ذلك التدهور المهني والثقافي الذي يتفاقم عاما بعد عام.

<!--[if !supportLists]-->3.  <!--[endif]-->انتزاع نظام القيم الإنسانية من عقول العناصر الداخلة في النظام التعليمي من الطبقات الشعبية والصغيرة، وزرع المصلحة الفردية والامتهان وفقدان الكرامة واحتقار الإنسان والإيمان بالمنفعة المباشرة وحدها، وتعميق الأمية والمحافظة عليها، وتخليد الجهل وإقناع الناس به. مشكلة الأمية مثلا كانت قبل الثورة 90% انخفضت فى أوائل السبعينيات إلى 60% ، ومع ذلك تظل نسبة كبيرة إذا قورنت بمجتمعات أخرى واجهت نفس الظروف واستطاعت القضاء على الأمية نهائيا مثل كوبا. اتضح، من دراسة أجريت على ظاهرة الأمية، أن كثيرا من الأسر تفضل إرسال أطفالها لتعلم مهنة أو للعمل - بصفة عامة – عن إرسالهم إلى المدرسة؛ ذلك أن إرسال الطفل إلى المدرسة ليتعلم يعني ضياع فرصة كسب ودخل للأسرة، تكون هي في أشد الحاجة إليه. كما تبين – أيضا – أن الذهاب للمدرسة – رغم مجانية التعليم – يعني تحمل حد أدنى من التكاليف(مثل شراء ملابس المدرسة وكراسات وأقلام .....اٍلخ)، وهذا ما يصعب تحمله في الأسر الفقيرة. ويضاف إلى ذلك الانخفاض الملحوظ في نوعية التعليم في المدارس الحكومية، في الوقت الذي لا يستطيع أولياء الأمور في تلك الأسر الفقيرة التغلب على هذه الصعوبة؛ حيث لا يستطيعون مساعدة أولادهم في الاستذكار نظراً لأن معظمهم أميون أو أن مستوياتهم التعليمية منخفضة للغاية<!--[if !supportFootnotes]-->[3]<!--[endif]-->.

<!--[if !supportLists]-->4.       <!--[endif]-->وفي ضوء هذه الظروف تحددت وظيفة التعليم في تحقيق هدفين اثنين هما : الحشد الأيديولوجي خلف النظام والقيادة السياسية، والإعداد المهني والفني للموظفين اللازمين  لمؤسسات الدولة وإداراتها وخططها التنموية. وفي ظل الحشد الأيديولوجي، تمت عسكرة المدرسة وإدخال نظام الفتوة والحد من انتشار وتأثير أصحاب الأفكار المختلفة من مؤسسات التعليم سواء كانت مؤسسات تعليم قبل الجامعة أو الجامعات، وصيغت مناهج التعليم صياغة تدعم فكرة الحشد الأيديولوجي؛ فعلي سبيل المثال احتفت كتب التاريخ في مختلف مراحل التعليم بمعارك الاستقلال ومقاومة الاحتلال البريطاني لمصر بينما غاب منها تماما معارك الدستور والبرلمان والديمقراطية، رغم أنها معارك لم تكن تقل ضراوة ولا وطنية عن معارك الاستقلال الوطني. وفي سبيل تأكيد فكرة الحشد كذلك كرست المناهج الدراسية فكرة الانفصال الثقافي والسياسي عن مرحلة ما قبل يوليو، وتم توجيه الحقائق والأحداث التاريخية لتصب في صالح النظام السياسي وأعيد كتابة تاريخ المنطقة لتتفق مع توجهات الدولة ووصمت مختلف الأحزاب السياسية قبل الثورة بالانتهازية والعمل في خدمة الملك والإنجليز وبالفساد. وتميز التأليف المدرسي بالركود، ففي أحد الأبحاث التي تناولت مقرر التاريخ بالصف الثالث الثانوي لوحظ أن هذا الكتاب لم يتغير فيه حرف واحد منذ طبعة سنه 1959، حتى طبعة سنة1974.

<!--[if !supportLists]-->5.       <!--[endif]-->قامت الدولة، نتيجة للضغط الشعبي الهائل على التعليم الجامعي، بتحويل المعاهد العليا إلى كليات جامعية. وبذلك كرست الدولة الانحياز إلى التعليم النظري العالي؛ لما له من بريق اجتماعي وثقافي، ولم تطرح شعار العمل شرف وواجب، إلا للفئات الدنيا – الطبقة العاملة – باعتبارها هي المؤهلة للقيام بالعمل اليدوي والمهني.

<!--[if !supportLists]-->6.       <!--[endif]-->لم تهتم النخبة السياسية الحاكمة بالتعليم الفني، إلا في حدود احتياجاتها فقط، وجعلت الحوافز كلها أمام التعليم الجامعي والنظري، وكادت أن تسد الطريق أمام خريجي المدارس الثانوية الفنية في الوصول إلى التعليم الجامعي، مما ترتب عليه وجود انحياز شعبي وحكومي تجاه التعليم النظري والعالي.

<!--[if !supportLists]-->7.       <!--[endif]-->انحياز الرأي العام الشعبي، فيما يتعلق بالتعليم، ناحية الميادين التي يفضلها المجتمع وتفضلها الدولة وتحبذها، مثل مجالات التعليم العسكري والطبي والهندسي؛ مما خلق صراعا تنافسيا حادا من أجل الوصول للمقعد الدراسي مهما كان الثمن، بصرف النظر عن القيمة العلمية. وقد كانت هذه المسألة أحد أهم الأسباب المباشرة لظاهرة الدروس الخصوصية.

<!--[if !supportLists]-->8.       <!--[endif]-->إن التوسع التعليمي الذي تم لم يكن على علاقة وثيقة ومباشرة بالتوسع الاقتصادي. فالتوسع الزراعي قام على التوسع في الملكيات الصغيرة والزراعات التصديرية، وهو يعتمد على الخبرة الفلاحية التقليدية، بالإضافة إلى استيراد التقنيات الزراعية مباشرة من الخارج. وهذا يفسر لنا الأعداد الهائلة الزائدة عن الحاجة من خريجي كليات الزراعة والمعاهد العليا الزراعية، طوال فترة الستينات وما بعدها. وفي ظل غياب رؤية اجتماعيه وسياسية واضحة لتحديث الريف والقري في الوجه البحري والوجه القبلي فإن التعليم بصورته تلك قد ساهم في تفريغ الريف من العناصر النشيطة التي كان يمكن أن تلعب دورا حيويا في تطور ذلك الريف، عندما كانت تضيق القري بطموح المتعلمين فيهجرونها للعيش في العاصمة والمدن المختلفة. والوضع نفسه يقال عن الصناعات التحويلية القليلة التي نشأت، وبشكل خاص صناعة النسيج، التي استوردت الآلات وأعادت احتواء الحرفيين القدماء. ولم يتم توسع اقتصادي حقيقي إلا في قطاع التجاري وقطاع الخدمات الذي لم يستطع أن يستوعب الخريجين الجدد، وحتى الذين عملوا به لم يكونوا بحاجة إلى المستويات التعليمية التي تلقوها .. وبذلك حدث الازدواج بين نوع العمل ومستوى الدراسة .. ونشأت البطالة بأنواعها. ويلاحظ أن البطالة التى كانت تصل قبل الثورة إلى 70% من قوة القادرين على العمل انخفضت فى أواخر الستينيات إلى 10% فقط ، بينما الآن توجد بطالة مقنعة تصل إلى ربع القوة القادرة على العمل فى مصر وأغلبهم من أبناء العمال والفلاحين وصغار الموظفين والذين أنصفتهم الثورة فعلموا أبناءهم ولم يستطيعوا توفير فرص عمل لهم لأن أبناء الأغنياء هم الذين يحصلون على فرص العمل المتاحة حاليا فى قطاعات بعينها منها الاذاعة والتليفزيون والبترول وغيرهما.

<!--[if !supportLists]-->9.       <!--[endif]-->تكريس طبقية التعليم، من خلال انتشار التعليم الخاص، والتعليم الأجنبي، ومدارس اللغات، واعتماد الاختبارات أداةً للتصفية ولفرز الطلاب وتوزيعهم على مراحل التعليم وأنواعه. وارتباط بنية التعليم ارتباطا شديدا بمستوى تطور تقسيم العمل الاجتماعي والتقني معا؛ فعندما احتاجت السلطة السياسية، بسبب ضعف التوسع الاقتصادي، إلى الحد من سيل العناصر المعدومة والشعبية إلى الترقي في المراكز العليا، خلقت سلسلة من الامتحانات والمراحل التي يحتاج عبورها إلى سنوات عديدة وصعوبات شديدة؛ بهدف تثبيط همم هذه العناصر وإجبارها على الهبوط في السلم الاجتماعي والالتحاق المباشر بالمراكز الدنيا، أي بالطبقة العاملة. وتوضح الدراسات التي أجريت حول معرفة مهن آباء طلاب الجامعات تدني نسبة أبناء العمال والفلاحين؛ ففي عام 1966 بلغت نسبة أبناء العمال والفلاحين حوالي 11% في جامعة القاهرة، بينما بلغت نسبتهم 84.1% من جملة السكان، في حين كانت نسبة أبناء المهنيين حوالي 33.2%، وبلغت نسبتهم إلى جملة السكان حوالي 3.7%، وبلغت نسبة أبناء صغار الموظفين والكتبة 23% ، وبلغت نسبتهم إلى جملة السكان حوالي 3.8%، وكانت نسبة أبناء ملاك الأراضي وأصحاب المشروعات الحرة 29.3%، وكانت نسبتهم إلى مجموع السكان 8.1%. وتلك الأرقام توضح أن تكافؤ الفرص في علاقته بالأصل الاجتماعي، أبرز تقدم أبناء الطبقات الميسورة في التعليم العالي والنظري، وبقاء أبناء الطبقات المعدومة والفقيرة في التعليم الفني المغلق<!--[if !supportFootnotes]-->[4]<!--[endif]-->.

<!--[if !supportLists]-->10.     <!--[endif]-->تزايد هجرة الكفاءات العلمية والتقنية؛ حيث تضيق المجالات عن استيعابها، بالإضافة إلى تدخل عوامل أخرى غير الكفاءة العلمية في تحديد الموقع المناسب وشغله، أهمها ترجيح كفة أهل الثقة دون أهل الخبرة. ومثلت ولا زالت تمثل هجرة الكفاءات ناتجا قوميا ضائعا ومفقودا، وأصبح نظام التعليم عامل طرد واستبعاد لتلك الكفاءات بعد تدريبها وتأهيلها.

وختاما....

     

      ينتقد البعض سياسة مجانية التعليم التي رسختها الثورة بدعوى أنها أدت إلي انخفاض مستوي التعليم وتخريج جيوش من العاطلين. والحق إن مبدأ ديمقراطية التعليم هو أول مبادئ الديمقراطية حيث تترسخ قاعدة تكافؤ الفرص التعليمية والدولة الديمقراطية ملزمة بأن تنشر التعليم لأنه وسيلة يجب ان تكون بيد الفرد‏؛ ليستطيع ان يعيش وإشعاره بحقه في الوجود الحر والدولة ملزمة بالدفاع عن هذا الوجود كما انه واجب الدولة ان تسمح لابناء الشعب بمواصلة فرص التعليم مادامت قدراتهم الذهنية تسمح بذلك‏.‏ كما أن التعليم بمجانيته، والتوسع فيه، ضرورة حتمية لتلبية احتياجات الاقتصاد القومي.

      إن مجانية التعليم في كل مراحله هي مبدأ دستوري نصت عليه المادة‏(20)‏ من الدستور ومادام التعديل الدستوري غير مطروح يكون الجدل حول مخالفته عبثا لا طائل منه‏.‏

     إن من يطالبون بجعل التعليم الجامعي الحكومي بمصروفات والغاء المجانية إلا لغير القادرين، يدعون لتقسيم المجتمع الطلابي الجامعي الي قادرين وفقراء، وللحصول علي مجانية التعليم يجب الحصول علي شهادة لفقر العائل‏.‏ والتعليم المجاني ـ حتي الدكتوراه ـ هو الذي فتح الطريق لأبناء الفقراء ليصبحوا وزراء وأساتذة جامعات وينتقلوا إلي صفوف الطبقة المتوسطة، ولولا مجانية التعليم لبقي الطريق مسدودا أمامهم وبقيت الفرص للتقدم مقصورة علي أبناء طبقة واحدة. وهذا مايجعل بعض الدول الرأسمالية المتقدمة مثل ألمانيا وغيرها تحرص علي أن يكون التعليم الجيد بجميع مراحله مجانا‏.‏ سنغافورة وهي سلطنة أو مقاطعة صغيرة انفصلت عن ماليزيا تصدر منتجات بمقدار‏160‏ (مائة وستين مليار دولار سنويا‏),‏ وهو رقم يتجاوز قيمة التجارة العربية بالكامل والمفارقة أن عدد سكان سنغافورة لا يزيد كثيرا عن عدد سكان حي شبرا بالقاهرة‏,‏ فلماذا تقدمت سنغافورة علي هذا النحو ووصلت إلي ما وصلت إليه؟ الإجابة في كلمة واحدة هي العلم‏.‏ إن التعليم في سنغافورة يعتبر من أفضل ثلاثة نظم تعليم في العالم فنلندا ـ سنغافورة ـ اليابان ففي هذه البلدان يعتمد التعليم علي تفجير ملكات الإبداع والابتكار والاستنتاج والمعرفة والنقد والحوار وتفجير المواهب والطاقات والملكات الكامنة في الطلاب‏,‏ فهناك يدرسون للطلاب كيف يعلمون أنفسهم‏,‏ فالبون شاسع بين التعليم والتعلم‏,‏ أما عندنا فحدث ولا حرج‏,‏ فالتعليم لايزيد عن كونه تلقينا من خلال شبكة أخطبوطية للدروس الخصوصية تدرب الطلاب علي اجتياز ماراثون الامتحانات‏,‏ ولاسيما امتحان الثانوية العامة‏,‏ فأصبح هدف التعليم هو الامتحان‏,‏ فإذا تم الحصول علي هذا الامتحان عن طريق التسريب أو شرائه حين يباع علي قارعة الطريق‏,‏ فلا ضير‏..‏ فالغاية تبرر الوسيلة‏..‏ وأصبحنا نشاهد مجاميع كاذبة وخادعة لطلاب اجتازوا الثانوية العامة وحصلوا علي مجاميع فلكية ثم تعثر أكثر من ثلثهم في السنوات الأولي بما يسمي بكليات القمة‏.‏ وهناك ملاحظة ضرورية ألا وهي أن التعليم في سنغافورة وفنلندا واليابان بالمجان‏,‏ وفي هذا رد قاطع علي الرأسماليين الجدد في مصر الذين يحاولون ليل نهار تسليع التعليم واعتباره مجالا للاستثمار وتحقيق الأرباح الفاحشة‏,‏ ونسوا أو لعلهم قد تناسوا أن التعليم هو أحد مقومات الأمن القومي المصري.

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]--> الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، المؤشرات الإحصائية(1952 – ا970) سنوات مختلفة(القاهرة، 1970)، ص ص 200 – 204.

<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->  شبل بدران، صناعة العقل، كتاب الأهالي رقم 44، القاهرة، 1990. ص ص 154 – 168.

<!--[if !supportFootnotes]-->[3]<!--[endif]--> مجدي محمود أحمد إبراهيم ، مستقبل محو أمية أبناء العاملين بالقطاع غير الرسمي في مصر ، مؤتمر مستقبل التعليم في الوطن العربي بين الإقليمية والمحلية ، كلية التربية بجامعة حلوان وجامعة الدول العربية ، القاهرة ، 20-21 أبريل 1996 ، المؤتمر العلمي الرابع ، ج2 ، ص ص 163-197.

<!--[if !supportFootnotes]-->[4]<!--[endif]--> نزيه نصيف الأيوبي، سياسة التعليم في مصر، دراسة سياسية إدارية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، العدد24، مايو1987، ص ص 72-73.

  • Currently 78/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
26 تصويتات / 2076 مشاهدة
نشرت فى 6 ديسمبر 2008 بواسطة drsaber

ساحة النقاش

د. صابر أحمد عبد الباقي دكروري

drsaber
مدرس علم الاجتماع كلية الآداب جامعة المنيا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,890