القطاع غير الرسمي

إعداد

د. صابر أحمد عبد الباقي

كلية الآداب جامعة المنيا

مقدمة:

            يمثل القطاع غير الرسمي أهمية خاصة تتضح في جانب منها في حجمه بالنسبة لاقتصاديات العالم بشكل عام، كما تتضح فيما يقدمه من إسهامات لدول العالم الثالث بشكل خاص. فإنتاجه يمثل 27%  من إجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية، و 20%  في إيطاليا، و 10%  في السويد، و  8%  في المملكة المتحدة .  بينما هو، في الدول النامية، لا يقل عن ثلث النشاط الاقتصادي تقريبا.

        ويمثل القطاع غير الرسمي المصدر الأول لامتصاص الداخلين الجدد في سوق العمل من الشباب في الدول العربية؛ ويبلغ حجم التشغيل في القطاع غير الرسمي 61% من إجمالي التشغيل بالدول العربية[1]. وقد قدرت إحدى الدراسات حجم الاقتصاد الخفي في مصر (الذي يضم في داخله القطاع غير الرسمي) خلال الفترة من 1971-1981 بنسبة 22.5% من الناتج المحلي الإجمالي[2]. وقد قدر تقرير حديث عن التنمية الاجتماعية في مصر حجم القطاع غير الرسمي بأنه يستوعب أكثر من خمس القوى العاملة، ويشمل أكثر من 370 ألف رب عمل[3]. وقد قدرت نسبة الوحدات الاقتصادية غير الرسمية بما يقرب من  82%  من إجمالي الوحدات صغيرة الحجم عام 1998، توفر ما يقرب من 6 مليون فرصة عمل، تمثل  36%  من إجمالي قوة العمل في نفس السنة ( 16.4 مليون فرصة عمل ). كما أن القطاع غير الرسمي يساهم بنسبة تقارب 20%  من الناتج المحلي الإجمالي، بل يزيد. وهكذا، يمثل القطاع غير الرسمي سوقا موازيا للقطاع الرسمي، ويساهم مساهمة متزايدة في توليد وزيادة الناتج المحلي القومي والدخل[4]. وقد قدرت بعض الدراسات الميدانية نسبة مساهمة القطاع غير الرسمي في الناتج المحلي الإجمالي بحوالي30 – 40%، كما وصلت القيمة المضافة لهذا القطاع، في أقل التقديرات، إلى 76 مليار دولار سنويا[5]. كما تتضح أهمية هذا القطاع عند معرفة حجم مساهمته في عملية التشغيل، فما بين تعدادي 1986، 1996 تضاعفت مساهمته في التشغيل من حوالي 2.5 مليون شخص إلى 5 مليون شخص، بما يمثل 86% من جملة المشتغلين في القطاع الخاص، بعد استبعاد قطاع الزراعة[6]. وعموما فإن التقديرات الرسمية تبتعد – عادة – عن الواقع؛ بسبب أنها لا تتضمن أعداد الأطفال أقل من 16 سنة، وكذلك العمال المتجولين والأسر ذات الدخل المنخفض[7].

       وقد ذكرت دراسة قام بها معهد أوجست كونت، في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، أن أنشطة البناء غير الرسمية، التي تمت بدون ترخيص، تشكل ما بين 60%-70%  من مجموع أنشطة البناء في مصر[8]. ويرجع البعض انتشار ظاهرة الإسكان غير الرسمي في مصر خلال حقبة السبعينيات وما بعدها إلى انفراط عقد التكافل الاجتماعي الذي ساد خلال الحقبة الناصرية؛ حيث زادت حدة الفروق الطبقية، واضطر الفقراء إلى بناء مجاورات سكنية في أطراف المدن دون الحصول على تراخيص من الدولة[9].

        وتشير التقديرات الأولية التي أجراها المركز المصري للدراسات الاقتصادية ومعهد الحرية والديمقراطية ببيرو إلى أن 92% من المساكن في الحضر، و87% من الحيازات في الريف تعد غير رسمية، وأن قيمة الأصول العقارية غير الرسمية في الريف والحضر تبلغ نحو 240 مليار دولار، وتمثل 64% من إجمالي الأصول العقارية في مصر، وهي في ذلك تزيد بمقدار 30 مرة على القيمة السوقية للشركات المسجلة في بورصة الأوراق المالية بالقاهرة، وبمقدار 55 مرة على قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر حتى عام 1996. كما تزيد بمقدار 116 مرة على قيمة شركات القطاع العام التي تمت خصخصتها فيما بين عامي 1992 و 1996. كما تزيد بمقدار 6 أمثال عن إجمالي المدخرات والودائع لأجل في البنوك التجارية في مصر[10].

مفهوم القطاع غير الرسمي:

        ارتبط مفهوم القطاع غير الرسمي Informal Sector منذ نشأته بالحضر، واعتبر ظاهرة مقترنة بارتفاع معدل التحضر Urbanization، والهجرة من الريف إلى المدينة Rural-Urban Migration. ويعتمد هذا المفهوم على ازدواجية النشاط الاقتصادي في بلدان العالم الثالث، وانقسام اقتصادياتها إلى قطاعين: قطاع رسمي Formal، وآخر غير رسمي Informal .

        ومفهوم الازدواجية في تحليل النشاط الاقتصادي كان سائدا في نظريات التنمية قبل استخدام مفهوم القطاع غير الرسمي بوقت طويل. فالنموذج الذي انتشر بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة ذلك الذي قدمه آرثر لويس Arthur Lewis، كان يقوم على التمييز بين قطاعين للنشاط الاقتصادي في الدول النامية: قطاع حديث Modern، وقطاع تقليدي Traditional . فالقطاع الحديث يشمل الأنشطة ذات الارتباط المباشر بالعالم الخارجي والاستثمارات الأجنبية، والتي تستخدم فنا إنتاجيا متقدما. والنشاط الأساسي في هذا القطاع هو النشاط الصناعي. أما القطاع التقليدي فيشتمل على الأنشطة التي كانت سائدة قبل تغلغل نمط الإنتاج الرأسمالي في اقتصاديات العالم الثالث، والتي استمرت – أيضا – في التواجد بعد دخول هذا النمط الحديث، وظلت تستخدم أساليب إنتاج تقليدية. والنشاط الأساسي في هذا القطاع هو الزراعة[11].

        وفي ظل هذا النموذج للتنمية، يعد القطاع الحديث المحور الأساسي في عملية التنمية؛ حيث يفترض أن عمليات التصنيع ستتم فيه على نطاق واسع ومتزايد، بحيث يمكن استيعاب قوة العمل الفائضة في القطاع التقليدي. ومن ثم تحقيق الهدف من التنمية، طبقا لهذا النموذج، وهو نمو الناتج القومي. وبذلك يصبح القطاع الحديث قادرا على توفير الموارد اللازمة لتحديث الاقتصاد ككل. أما عملية التوزيع والقضاء على الفقر فلم تكن هدفا مباشرا لهذا النموذج؛ حيث كان يفترض أنها ستتم تلقائيا، وعلى نحو تدريجي، نتيجة لتساقط منافع النمو على الفئات الفقيرة. وعلى هذا توقع البعض أن القطاع غير الرسمي لن يستمر في المستقبل، وأنه قطاع هامشي ومتخلف وتابع للقطاع الرأسمالي، وليس لديه القدرة على تكوين رءوس الأموال، أو حل مشكلات البطالة، أو توفير الحاجات الأساسية في الحضر، ولذلك سيندثر في النهاية. وبالتالي، لا جدوى من اتباع سياسات تطوير هذا القطاع؛ لأن نتائج استمراره هي زيادة استغلال العمال، وزيادة مستويات الفقر[12].

        إلا أنه، بعد مضي عدة عقود، اتضح أن عملية التنمية لم تتم على النحو الذي توقعه هذا النموذج، كما اتضح أنه إذا كانت بعض الدول النامية قد حققت – أحيانا – معدلا مرتفعا للنمو الاقتصادي، إلا أن منافع هذا النمو لم تصل إلى الفقراء، كما أن التحديث لم يمتد ليشمل الاقتصاد بأكمله، ولم يستوعب القطاع التقليدي في القطاع الحديث. ومن ثم بدأ الاهتمام يتحول من التركيز على نمو الناتج القومي إلى النمو مع التوزيع، وبدأ عدد من الدراسات يتناول أوضاع الفقراء في الدول النامية.

        وقد لوحظ عدم مطابقة حسابات الناتج المحلي للواقع، في كثير من الأحيان. فهناك من البحوث ما يؤكد أن إنفاق القطاع العائلي – مثلا – يتجاوز حدود الدخل المعلن أو المسجل في بحوث ميزانية الأسرة لهذا القطاع. ولهذا أجريت دراسات متعددة، في كثير من الدول المتقدمة والنامية على السواء، ونسبت هذه الظاهرة إلى وجود قطاع كبير ومتضخم في اقتصاديات تلك الدول، يضم أنشطة اقتصادية متنوعة تولد دخولا لا يمكن تقديرها بالطرق الرسمية المعتادة عند تقدير الناتج المحلي الإجمالي؛ وذلك إما لصعوبة تحديدها من خلال الطرق المعروفة للحسابات القومية، أو لعدم التبليغ عنها كليا أو جزئيا، أو لكونها غير قانونية[13]. كما لوحظ – أيضا – أنه رغم ارتفاع معدل نمو السكان وزيادة عرض العمل، فاٍن معدلات البطالة Unemployment  تكون منخفضة في المجتمعات التي لا يوجد فيها نظام لتعويضات البطالة وغيرها من أشكال التأمين الاجتماعي. واتضح أن هذا يرجع إلى محاولة الأفراد توفير أي وسيلة للإعاشة، سواء كانت مشروعة أم غير مشروعة، كذلك اتضح أن الكثير من هؤلاء يجدون أعمالا مدرة للدخل في المشروعات الصغيرة وفي أنشطة لا تشملها الإحصاءات الرسمية. وقد وجه هذا الأمر الانتباه إلى أهمية هذه المشروعات والأنشطة في توفير مجالات يعمل فيها فقراء الحضر[14].

        والاختلاف بين الازدواجية أو الثنائية من خلال منهج التحديث، الذي يقوم على التقسيم الثنائي للنشاط الاقتصادي إلى قطاع حديث وقطاع تقليدي، وبين الازدواجية من خلال المنهج القائم على تقسيم النشاط الاقتصادي إلى قطاع رسمي وقطاع غير رسمي، هو أنه، في ظل المنهج الأول، يفترض أن القطاع الحديث سوف يتسع، مع استمرار عملية النمو، ويستوعب القطاع التقليدي، وتصبح قوة العمل، خارج قطاع الزراعة، تمارس العمل بأجر في النشاط الإنتاجي الحديث. بينما التقسيم إلى قطاع رسمي وقطاع غير رسمي يقوم، على الأقل في الأجل القصير، على التعايش بين القطاعين، وعلى أن القطاع غير الرسمي ليس قطاعا مؤقتا أو يعبر عن نشاط مرحلي، كما أن نسبة غير قليلة من المشاركين في هذا القطاع يتسمون بقدر مرتفع من الكفاءة، والقدرة على التنظيم، واستغلال الموارد المتاحة. ومن ثم، بدلا من النظر إلى الأنشطة التقليدية على أنها سمة من سمات التخلف في دول العالم الثالث، أصبح ينظر إلى القطاع غير الرسمي على أنه قادر على توفير فرص العمل وإنتاج سلع وخدمات، خاصة للفقراء من سكان الحضر وللمهاجرين إلى المدينة من أبناء الريف[15].

        وجه آخر للاختلاف بين ثنائية (الرسمي وغير الرسمي) وثنائية (الحديث والتقليدي) يتجلى في أن الأولى تركز على تنظيم الأنشطة، بينما تهتم الثانية بالنسق التكنولوجي وتولي قليلا من العناية لبقية خصائص المؤسسة. وفضلا عن ذلك، يثير مفهوم (تقليدي) نوعا من الاستخفاف، باعتباره نتاج ثقافة أجنبية تنظر إلى ما هو تقليدي على أنه معوق وضار لعملية التنمية، بدلا من معالجته بصفته جزء لا يتجزأ من ثقافة الأمة وهويتها. أما ثنائية (الرسمي وغير الرسمي) فتبدو محايدة ولا تقول شيئا أكثر من تسليمها بفكرة لارسمية بعض الأنشطة الحضرية، علاوة على لارسمية علاقاتها بباقي مكونات البناء الاجتماعي الحضري[16].

        كما إن مصطلح (القطاعين الحديث والتقليدي ) يتضمن التمييز بين الفرعين على أساس نوع السلع المنتجة ونوع التكنولوجيا المستخدمة. ومن الواضح، كما أظهرت العديد من الدراسات الميدانية، أن كثيرا من السلع غير التقليدية يتم إنتاجها بواسطة كلا القطاعين الفرعيين للإنتاج، فضلا عن أن كلمة " تقليدي " تحمل، أحيانا، مغزى سلبيا، يوحي بانعدام وجود الدينامية، أو باستخدام أساليب تكنولوجية منخفضة الكفاءة[17].

        ويقرر البعض أنه يجب تغيير المفهوم التقليدي لما يسمى القطاع غير الرسمي؛ حيث إنه ليس قطاعا متجانسا، وإنما هو مجموعة من الأنشطة تمثل الغالبية العظمى من قوة العمل، ولذا ينبغي تسميته بالاقتصاد غير الرسمي. ويقترح أن هذا الاقتصاد يشتمل على قسمين مختلفين، هما:

1.  قطاع المشروعات الصغيرة: وهو الجانب المنتج من الاقتصاد غير الرسمي، وهو أيضا القطاع الذي يستجيب للسياسات الاقتصادية، ويمثل نحو 25% من الاقتصاد غير الرسمي. وتشير التجارب الدولية إلى أن القطاع المنتج من الاقتصاد غير الرسمي يتمتع بقدرة كبيرة على امتصاص أعداد كبيرة من قوة العمل، كما يلبي احتياجات فئات الدخل المنخفضة، وزيادة القدرة الاستيعابية لهذا القطاع تتطلب حزمة من السياسات، تشتمل على أربعة أركان  هي: الائتمان، وتصميم المنتجات، والتسويق، والتنظيم.

2.  قطاع العمل العشوائي: ويمثل استراتيجيات البقاء للفقراء Survival Strategies، ويمثل حوالي 75% من الاقتصاد غير الرسمي، ويجب العناية به في إطار استراتيجيات محاربة الفقر، عن طريق التحويلات المباشرة[18].

        وعلى هذا يرى البعض أن أنشطة القطاع غير الرسمي ليست مجموعة الأنشطة الطفيلية أو الهامشية أو غير المشروعة، بل أنها مجموعة من الأنشطة الاقتصادية النامية، التي تبدو واضحة في مجالات عديدة، مثل: صناعات الملابس، والأخشاب، وخدمات الإصلاح، وقطاع البناء والتشييد، وغير ذلك من المجالات الصناعية، والتجارية، والخدمية. ولا يعني ذلك استبعاد النشاطات الطفيلية أو الهامشية أو الخفية من القطاع غير الرسمي، ولكن يجب النظر إليها في سياق بنائي عام يأخذ في اعتباره مجمل الممارسات الاقتصادية في سياقها الاجتماعي الحضري[19].

تعريف القطاع غير الرسمي:

        تميز استخدام مصطلح " القطاع غير الرسمي " بقدر كبير من عدم الدقة في البداية، وما زال حتى الآن يثير إشكاليات في التمييز بينه وبين مصطلح " القطاع الرسمي ". فقد استخدم للإشارة إلى فقراء الحضر على وجه الخصوص، أو إلى أولئك الذين يقطنون الأحياء الفقيرة المزدحمة بالسكان في المدن، وكذلك من يقيمون في مأوى ذي مواصفات متواضعة للغاية، على أرض تم احتلالها أو امتلاكها بوضع اليد. كما استخدم المصطلح أحيانا للإشارة إلى المشتغلين   في أنشطة لا يحظى أغلبها بالرضا من جانب المجتمع، مثل: القوادين، وبائعي المخدرات، ومن إليهم، ممن يقومون بأعمال قد تكون شبه مشروعة أو غير مشروعة أصلا، وكذلك من يقومون بأعمال متواضعة، مثل: الكناسين، وماسحي الأحذية، ومن إليهم. وفي بعض الأحوال كان المصطلح يعبر عن أصحاب المهن ذات الإنتاجية و/ أو الأجر المنخفض، والمهاجرين من الريف إلى المدن، على اعتبار أن أكثرهم قد لا يوفق في الحصول على فرصة عمل في القطاع الرسمي، وقد ينتهي به الحال إلى سكنى الأحياء الفقيرة، والعشش، والمدافن، والاشتغال في مهن متواضعة اقتصاديا واجتماعيا[20].

        وتتبنى الدراسة الراهنة مصطلح " غير رسمي " للتعبير عن الظاهرة موضوع الدراسة، رغم ما يمكن أن يوجه إلى المصطلح من انتقادات، في مقدمتها مدى صحته اللغوية واستخدام لفظ " غير " في اللغة العربية. وينبع تفضيل استخدامه من تفضيل الغالبية لاستخدامه – رغم غموضه – نظرا لعدم وجود مصطلح آخر يعبر عن الظاهرة بشكل أفضل، وبالتالي يعد أكثر انتشارا من بقية المصطلحات، وهي سمة أساسية لأي مصطلح علمي. كما أنه لا يحمل أحكاما قيميه على الأنشطة المتضمنة فيه. وأخيرا فهو يسمح بتصور متصل Continuum  يصل بينه وبين القطاع الرسمي، وبالتالي يتيح الفرصة لتنميط وتصنيف الأنشطة ووضعها على درجات متعددة على نفس المتصل.

        و يقصد بالقطاع غير الرسمي، في هذه الدراسة، ذلك القطاع الذي يشمل وحدات اقتصادية، تعمل في أنشطة نقدية، وتمارس أنشطة مشروعة بطبيعتها، ولكنها لا تلتزم – جزئيا أو كليا – بالإجراءات الرسمية التي حددتها الدولة لمزاولة نشاطها. وبذلك يستبعد من نطاق الدراسة كافة أنشطة التبادل والأنشطة غير النقدية؛ حيث لا يقع في مجال اهتمامها سوى الأنشطة التي تدر دخلا ماديا. كما يتم استبعاد الأنشطة غير المشروعة، المرتبطة بالمخدرات والدعارة ..... اٍلخ، على كافة المستويات الطبقية، وأيضا أنشطة( التربح )  الخاصة بالطبقة العليا، باعتبارها أنشطة غير مشروعة أيضا.

         ويقصد بالوحدة الاقتصادية أي نشاط اقتصادي:  إنتاجي، أو تجاري، أو خدمي، يمارسه شخص طبيعي أو معنوي، في منشأة أو خارج المنشآت، ويدر دخلا. وعلى هذا، يعتبر وحدة اقتصادية ذلك الجزء من الوحدة السكنية المخصص لمزاولة نشاط اقتصادي معين بصفة مستمرة، وكذلك العربة، وما في حكمها، المثبتة بنهر الطريق، أو على رصيف، أو  داخل سوق، وأيضا الباعة الذين يعرضون بضائعهم على الأرض وبالأسواق، وينصرفون في نهاية اليوم، والباعة المتجولين، ومقدمي الخدمات المتجولين، ومن في حكمهم.

بعض التجارب العالمية والمحلية في التعامل مع القطاع غير الرسمي:

        في غرب إفريقيا نجد ما يدعى " البنوك المتنقلة أو الجائلة "؛ حيث تقوم هذه البنوك بتعبئة المدخرات غير الرسمية، عن طريق المرور اليومي على صغار المدخرين، في أماكن عملهم أو في منازلهم؛ لجمع المبالغ المتفق عليها. وعادة ما يكون المبلغ اليومي صغيرا جدا. وفي نهاية كل شهر يرد البنك للعميل المبالغ التي جمعها منه طوال الشهر، مخصوما منها ما يوازي وديعة يوم واحد كعمولة. وفي حالة انتظام العميل، لفترة معقولة، يمكنه الحصول على قرض من البنك. ويعد هذا النظام مفيدا للعاملين في القطاع غير الرسمي لعدة أسباب منها: عدم وجود حد أدنى لمبلغ الإيداع اليومي، وعدم الاحتياج للانتقال أو السفر لمسافات طويلة، فضلا عن أن هذا النظام لا يتطلب إجراءات معقدة تستلزم الإلمام بالقراءة والكتابة[21].

        وفي تنزانيا، يوفر مشروع رائد في ( دار السلام ) للتأمين الصحي، من خلال خمس جمعيات مشتركة، التأمين الصحي للعاملين في القطاع غير الرسمي. ففي ( إيجونجا )، حقق صندوق صحي للمجتمع المحلي، يغطي خدمات الرعاية الصحية الأولية، مشاركة بلغت خمسين في المائة. والسبب الأساسي لنجاح مشروعات التأمين القائمة على الاشتراكات المخفضة للعاملين في القطاع غير الرسمي هو تنظيمها حول رابطة تقوم على الثقة وتبادل الدعم (مجموعة مهنية أو قرية)، والقدرة الإدارية على جمع الاشتراكات وتوفير المزايا[22].

       أما في قارة آسيا فتمثل تجربة "بنك جرامين"Grameen Bank في بنجلاديش مثالا ناجحا لبرنامج ائتماني موجه أساسا للمرأة ذات الدخل المنخفض، والتي لا تملك أي ضمان للاقتراض. وتمثل المرأة العاملة في القطاع غير الرسمي نحو 92% من عملاء البنك، كما تبلغ معدلات سداد القروض 98% في المتوسط، مما يدل على النجاح الكبير لهذه التجربة، رغم عدم اعتمادها على ضمانات الائتمان التقليدية[23].

        وقد كان الهدف الأول لبرامج ائتمان البنك هو تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفقراء في الريف. ومن أهم إنجازاته تغيير نظرة الريفيين تجاه النساء وعملهن؛ حيث تعاني النساء، في مثل هذه المجتمعات، من الزواج المبكر وكثرة إنجاب الأطفال ومن الجهل والبطالة. ورغم الإنجازات التي حققها بنك جرامين من حيث زيادة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وتوفير فرص العمل والتوظف للفقراء – وخاصة من النساء، ورفع مستوى إنتاجية صغار المزارعين، وتحسين مستوى معيشة الأعضاء من حيث: السكن، والتغذية، فإنه يواجه العديد من المشكلات. وتتمثل المشكلة الأولى، التي يعاني منها البنك، في عدم قدرته على تحقيق أرباح تجعل منه مؤسسة مالية تعتمد على مواردها الذاتية، كما أن الأعضاء الذين يقترضون منه أكثر من مرة أقل ردا للقروض مقارنة بالأعضاء الذين يقترضون لأول مرة. ومن التحديات التي تواجه عملاء البنك ضرورة أن يتمكنوا من استخدام التكنولوجيا المتقدمة في القطاعات التقليدية التي يعملون بها، وليس مجرد الانتقال إلى أنشطة أكثر إنتاجية لزيادة دخولهم[24].

        وفي أمريكا اللاتينية، وبالتحديد في بيرو، قام معهد الحرية والديمقراطية، بمساندة مالية وفكرية ومعنوية من الهيئة الأمريكية للتنمية الدولية، بتنفيذ مشروع (تسجيل الأعمال للشركات Business form )، بغرض إضفاء الطابع الرسمي، على نطاق واسع، على المشروعات التي تعمل خارج نطاق القانون، وإيجاد مشروعات جديدة رسمية لم تكن لتنشأ في غير وجود هذا النظام. وفي الفترة بين عامي 1991 و 1994، تم إضفاء الطابع الرسمي على 275 ألف مشروع، بالإضافة إلى إنشاء 105 آلاف شركة جديدة. وقد وفرت هذه المشروعات 550 ألف فرصة عمل جديدة، ووفرت 690 مليون دولار من المصروفات الإدارية، وزادت من حصيلة الضرائب بنحو 1.2 مليار دولار[25].

       ومن التجارب الناجحة التي قدمتها منظمات المجتمع المدني في مصر لتنظيم العلاقة بين الدولة والعاملين في القطاع غير الرسمي، تجربة جمعية بائعي أطعمة الشارع بمحافظة المنيا  التي استطاعت أن تضرب نموذجا مهما لتنظيم العاملين بهذا القطاع على مدار عقدين تقريبا بطريقة إنسانية وتنموية في آن واحد. فقد استطاعت هذه الجمعية - التي أنشئت عام 1986- بالتعاون بين مسئولين حكوميين وبائعي أطعمة الشوارع- حماية حقوق الباعة الجائلين، والتعامل مع قضيتي الازدحام في الشوارع، وسلامة الطعام.

وبموجب اتفاق بين الجمعية ومسئولي المحافظة أصبح في الإمكان مصاحبة مسئولي الصحة الباعة وتنظيم دورات تدريبية لهم في كيفية تداول الأطعمة والنظافة الشخصية، وتوقفت السلطات البلدية عن مطاردة الباعة طالما اتبعوا القواعد التي اتفق عليها. كما تم تصميم عربات جديدة وأكشاك دائمة تم تخصيصها لبعض المناطق، مع الأخذ عند تصميمها أن تناسب الجمال السياحي بالإضافة إلى التجارة المحلية.

وجاءت نشأة هذه التجربة بعد أبحاث ميدانية قام بها مكتب مستشاري الإدارة والتحليل والتخطيط الاجتماعي (سيباك) بالقاهرة حول أهمية الباعة الجائلين في تحقيق الأمن الغذائي لمحدودي الدخل في مدن مختلفة داخل مصر ومنها محافظة المنيا. وخلصت هذه الأبحاث إلى أن هذا القطاع  يضم فئات من المواطنين يمثلون جزءا كبيرا من المجتمع يحتاج التنظيم والاهتمام والرعاية والتطوير، كما أنه يعتبر نشاطا اقتصاديا مفتوحا يسمح بدخول وخروج قوى عاملة بلا قيود، ويسمح بدخول المرأة المعيلة بسهولة، ولا يمكن اعتباره نشاطا طفيليا. ووفقا للأبحاث التي أجريت آنذاك في منتصف الثمانينيات هناك ما يقرب من 50 ألف شخص يأكلون طعام الشارع كل يوم من الباعة المتجولين في المنيا. وقد تم عرض نتائج هذه الأبحاث على المسئولين بالمنيا الذين تفهموا القضية، وبدءوا في التعاون مع البائعين لإنشاء جمعية بائعي أطعمة الشوارع التي بدأت بـ  (28) عضوا عند تأسيسها، ثم تطورت لتضم المئات من الباعة الجائلين.

غير أن قصة نجاح الجمعية لم تتوقف عند تنظيم العلاقة بين السلطات والباعة وضمان سلامة الطعام الذي يقدمه هؤلاء الباعة، بل إنها تلعب دورا في تنمية وتطوير الباعة من خلال توفير القروض ومستلزمات إنتاج الأطعمة، وتقيم لهم الاحتفالات في المناسبات الاجتماعية، كما تدير صندوقا للزمالة وتعمل على توصيل الرعاية الطبية للباعة وأسرهم. وقد أدت هذه الخدمات إلى تحسين نوعية الطعام المباع، والأهم من ذلك أن الجمعية دعمت شرعية المهنة، وزادت من الاحترام الذاتي للباعة. ويجري الآن تطبيق التجربة في باقي محافظات مصر لينتظم بائعو أطعمة ومشروبات الشارع داخل جمعيات أهلية تكون همزة الوصل بين هذا القطاع والجهات الحكومية[26].

الدولة والقطاع غير الرسمي في مصر:

        في الوقت الذي تنشط حركة العاملين في القطاع غير الرسمي في العالم للدفاع عن حقوقها، فثمة غياب عربي ملحوظ عن هذه المنظمات؛ وذلك لأسباب عديدة، منها: ضعف حركة المجتمع المدني وطغيان الدولة وعرقلتها أحيانا لهذه الحركة، علاوة على تدني الثقافة لدى شريحة العاملين في القطاع غير الرسمي ذاتها وانغلاقها على همومها المحلية دون الانفتاح على الحركات العالمية.

        ويعد القطاع غير الرسمي تنظيما اقتصاديا متكاملا يحتل مكانة واضحة في بنية الاقتصاد المصري. ويثير الحديث عن القطاع غير الرسمي في مصر تساؤلات عديدة حول الدور الذي لعبته الدولة في نشأته وازدهاره، وعن موقفها منه ومن العاملين فيه، وعلاقة هؤلاء بأجهزة الدولة وموقفهم منها.

        وهناك ديناميات سياسية يمكن أن تساعد في تفسير نشأة واستمرار القطاع غير الرسمي؛ فأنشطته يفترض أنها تحت السيطرة الحكومية، ولكنها إما أنها تتجنب هذه السيطرة أو تتضمن استخداما غير شرعي للوضع الحكومي.

        وبالنسبة لوجهة النظر الحكومية، يعد القطاع غير الرسمي أصعب في التحديد من أي قطاع آخر: إنه الوجه المظلم للقمر، تلك الشريحة من المجتمع التي تفشل الحكومة في إحكام قبضتها عليها، أيا كان الغرض. إنه القطاع غير المتبلور، بمعنى أنه لا يسهل التعرف على تركيبه أو تنظيمه كما قد يظن الغريب عنه. وهذه الفئة، بأوضاعها وظروفها، تتعارض مع ولا تلائم متطلبات قوانين التكنولوجيا والاقتصاد وبقية القوانين. والأسوأ من ذلك، أن العاملين في القطاع غير الرسمي، وهم على علم كامل بوجود السلطات الحكومية، يتخذون منها موقفا يعوق كل تعامل ومشاركة فعالة بين الطرفين[27].

        ومن الملاحظ أن القطاع غير الرسمي نادرا ما يتردد في الخطاب السياسي، في الوقت الذي يشيع تداوله في بحوث الأكاديميين ودراساتهم. أما رجال السياسة فهم يستخدمون مصطلحات أخرى مرادفة لمصطلح القطاع غير الرسمي مثل: "العمل الخاص"، و"العمل الحر"، و"الصناعات الصغيرة"، وكلها لا تخرج عن كونها أعمالا يمارسها الأفراد في إطار الاقتصاد غير الرسمي؛ لملاءمته لقدراتهم المادية وإمكاناتهم التنظيمية[28]

        وقد كان الدخول إلى القطاع الرسمي، في حقبة الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي قبل ثورة 1952 يقتصر على الأجانب والأثرياء من المصريين. أما غالبية أفراد المجتمع فكانوا يعملون بالزراعة، أو الحرف اليدوية، أو عمالا بالأجر في المصانع، أو عمالا في القطاع غير الرسمي[29]. وفي حقبة الرأسمالية الليبرالية الحالية، والتي بدأت بسياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1975، تضع الدولة من القواعد القانونية ما يحول دون دخول صغار المستثمرين إلى مجالات الاقتصاد الرسمي، فتشترط، مثلا، أن يكون الحد الأدنى لرأسمال الشركات العاملة في مجال الصرافة والسياحة مليون جنيه، وترفع الحد الأدنى لقيمة السهم من جنيهين إلى خمس جنيهات وحده الأقصى إلى ألف جنيه. وهذا الحد الأقصى مرتفع – نسبيا – بحيث يتعذر على ذوي الدخول الصغيرة الاكتتاب في الأسهم، ويقتصر تأليف الشركات المساهمة على الموسرين[30].

        وينهض موقف الدولة من القطاع غير الرسمي على أساس عدد من القضايا التي تحدد المقصود بمصطلح " غير الرسمي " ومفهومه لدى أجهزتها. فقد كشفت إحدى الدراسات الميدانية، من خلال عدد من المقابلات المتعمقة التي أجريت مع بعض المسئولين بشرطة المرافق والأحياء، أن الدولة تنظر إلى هذا القطاع على أنه قطاع يعمل بعيدا عن رقابتها، وأن منشآته لا تلتزم بالإجراءات والمتطلبات الرسمية التي يحددها القانون لممارسة أي من هذه الأنشطة، كما أن أصحاب هذه المنشآت لا يلتزمون بالتأمين على عمالهم، أو بدفع الضرائب المفروضة عليهم، أو حتى بالحصول على ترخيص من الجهات المعنية بممارسة النشاط[31].

      وبالرغم من أهمية القطاع غير الرسمي، فاٍن الدولة تقف منه موقفا مناوئا يعوق أداءه الاقتصادي، ويضع أمام العاملين فيه كثيرا من المشكلات والمعوقات.  وتتجلى ضغوط الدولة على القطاع غير الرسمي فيما تقوم به أجهزتها من ملاحقة مستمرة للعاملين به، وتحرير المحاضر ضدهم، وإصدار القرارات الإدارية بإغلاق منشآتهم؛ بسبب مخالفتها لشروط التراخيص التي نص عليها القانون.

        وتتعدد الأجهزة الحكومية التي تتدخل بقصد تنظيم عمل القطاع غير الرسمي؛ حيث تقوم – من وقت لآخر - بإيفاد مندوبيها لإجراء التفتيش على أنشطته. ويعاني العاملون في هذا القطاع من تعسف المفتشين في استعمال سلطاتهم والإتاوات التي يفرضها عليهم بعض الفاسدين منهم.

        وإذا عرضنا للإجراءات الرسمية الواجب مراعاتها عند مزاولة نشاط اقتصادي، وحصرنا الجهات الحكومية التي تشرف عليها ن سنجد أنها أكثر من عشر جهات: تبدأ من إدارة الحي، مرورا بالسجل التجاري،ثم الخضوع لإشراف ورقابة من إدارة التأمينات الاجتماعية، ومكتب العمل، ومصلحة الضرائب، وإدارة الأمن الصناعي، ووزارة التموين، ووزارة الصحة، وإدارة المطافئ بوزارة الداخلية، وجهاز شئون، وقسم شرطة الحي.

        ومن المفارقات في علاقة العاملين في القطاع غير الرسمي بالدولة أن بعض المؤسسات الرسمية، مثل شركة الكهرباء وشركة المياه، قد يرفض إمداد إحدى منشآت القطاع غير الرسمي بالخدمة؛ لعدم توافر تراخيص البناء أو لأي سبب آخر، ويقترح العاملون بهذه المؤسسات على طالب الخدمة أن يسرق المياه أو التيار الكهربائي، ويحصل على الخدمة المطلوبة بطريق غير مشروع؛ فتكون النتيجة أن يتم تحرير محضر ضده لمخالفته شرط الحصول على الخدمة، يقوم بعده بالتصالح مع إدارة المؤسسة، ودفع غرامة مالية معينة، يكتسب على إثرها وضعا قانونيا يخوله التمتع بهذه الخدمة. بعبارة أخرى، قد يضطر صاحب المنشأة إلى القيام بعمل غير مشروع يخالف القانون، ليكتسب مركزا قانونيا مشروعا يقره القانون[32].

        ويتعين على الشخص الذي يرغب في الحصول على قطعة أرض من الصحراء المملوكة للدولة في مصر، ويسجلها بصورة قانونية، أن يشق طريقه خلال 77 إجراء بيروقراطيا في إحدى وثلاثين هيئة عامة وخاصة. وقد يستغرق هذا في أي مكان ما بين خمس سنوات وأربع عشرة سنة. ويتطلب بناء مسكن قانوني على أرض كانت زراعية من ست سنوات إلى إحدى عشرة سنة من المشاحنات البيروقراطية، وربما أطول من ذلك. ويفسر هذا السبب في أن 4.7 مليون مصري اختاروا بناء مساكنهم بصورة غير قانونية. وإذا قرر المستوطن بعد ذلك أنه يرغب في أن يكون مواطنا ملتزما بالقانون، ويشتري الحقوق الخاصة بمسكنه، فاٍنه يخاطر بهدم منزله ودفع غرامة باهظة، وأن يمضي في السجن ما يقرب من عشر سنوات[33].

        وتوضح نتائج الدراسات الميدانية جانبا مهما في علاقة الدولة بالعاملين في القطاع غر الرسمي، فقد كانت شكوى بائعات الأرصفة في أحد الأسواق الشعبية بمدينة الإسكندرية من عدم اهتمام المسئولين في المحافظة بهن، من حيث تنظيم السوق، وحمايتهن من البلطجية، وإزالة أكوام القمامة بصفة دورية، كما يعانين من حملات مفتشي الصحة؛ بسبب عدم مراعاة الشروط الصحية أثناء عملية البيع، بالإضافة إلى عدم استخراج شهادات صحية تسمح لهن بعملية تسويق المنتجات الغذائية[34]. وبالنسبة للباعة الجائلين، فغالبا ما يهاجمون من شرطة المرافق، التي تمنع تواجدهم على الرصيف. كما تحرر لمعظمهم مخالفات تسعيرة؛ لاضطرارهم لتحقيق قدر من الربح، يفي بمتطلباتهم اليومية، ولسداد ديونهم لدى التاجر الكبير. ويلاحظ أن تحديد تسعيرة السلع، خاصة الخضر والفاكهة، لا يحاسب عليه إلا البائع الصغير، ولا تضع وزارة التموين، في الاعتبار، التكلفة الحقيقية لشراء السلعة، ونقلها، وتوزيعها. في حيت أن كبار التجار لا يخضعون لأي رقابة، ولا لأي تدخل من الشرطة أو التموين. كما أن كل تاجر كبير يستند – غالبا، على أحد الوجهاء أو المسئولين؛ فبعض التجار يمولون الحملات الانتخابية لبعض أعضاء مجلس الشعب، وبعضهم يتعامل مباشرة مع بعض كبار ضباط الشرطة، وذلك لتوفير الحماية، وتقوية مركز التاجر وسلطته في مقابل المتعاملين معه[35].

        وعلى الرغم من الاحتكاك المستمر للعاملين بالقطاع غير الرسمي مع أجهزة الدولة، فاٍنهم لا يتخذون منها موقفا جماعيا، يعبرون من خلاله عن مصالحهم المشتركة؛ فهم لا يشتركون في الاتحادات التجارية أو النقابات العمالية. وتوضح نتائج إحدى الدراسات الميدانية غياب الوعي النقابي والجماعي لدى المبحوثات، وهو ما يعكس ضعف وغياب الحركة النقابية في المجتمع المصري، بصفة عامة[36]

        والواقع أن عدم اشتراك العاملين في القطاع غير الرسمي في النقابات العمالية وغيرها من المنظمات، لا يرجع إلى عزوف منهم عن القيام بدور فعال في منظمات المجتمع المدني، بقدر ما يرجع إلى عدم اعتراف هذه المنظمات – أساسا – بأنشطة القطاع غير الرسمي بوجه عام، كما يرجع – أيضا – للشروط المعقدة التي تضعها النقابات وغيرها لقبول الأفراد أعضاء بها.

        ومع ذلك، وفي حالات محدودة، يلجأ العاملون في القطاع غير الرسمي إلى طرق غير رسمية للدفاع عن مصالحهم، كالاجتماعات التي تتم بين أبناء المهنة الواحدة في المقاهي، لمناقشة مشكلاتهم، وإيجاد الحلول لها، أو استغلال أوقات الحملات الانتخابية لمرشحي مجلس الشعب لعرض مطالبهم على المرشحين.

توصيات الدراسة:

1.  دعوة الجهات البحثية ذات الصلة لوضع تعريف ومعايير موحدة للقطاع غير الرسمي على مستوى الدول العربية , وبما ينسجم مع التعاريف والمعايير الدولية , مع مراعاة خصوصية كل دولة.

2.  دعوة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تضمين استمارات التعداد العام للسكان لأسئلة يمكن استخدامها في توفير قاعدة بيانات أساسية عن هذا القطاع.

3.  دعوة كافة الجهات المهتمة بتوفير الإحصاءات مثل: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، ووزارة القوى العاملة، ومراكز المعلومات التابعة للمحليات إلى البدء بتوفير البيانات وزيادة الاهتمام بهذا القطاع , مهما كانت الإمكانيات المتاحة والبيانات المتوفرة قليلة.

4.  تتفق الدراسة مع ما اقترحه البعض من إنشاء مجلس قومي لتنمية القطاع غير الرسمي، يعمل على توفير البيئة المناسبة لأنشطته، ويسهم في مواجهة كافة المعوقات التي تحول دون تنميته، وتحقيق مهمة دعمه وتسهيل عمله. ويتشكل هذا المجلس من ممثلين تابعين للوزارات والهيئات المعنية، مثل: التخطيط، والاقتصاد، والصناعة، والتجارة، والمالية، والقوى العاملة، والصناعة، وغيرها من الوزارات المهتمة، إلى جانب ممثلين لهيئات مثل: المجلس القومي للمرأة، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والمعهد القومي للتخطيط، وغيرها من جهات الاختصاص والاهتمام الأخرى. وربما أسهم هذا المجلس في تجسيد موقف موحد ومعلن لسياسة رسمية محددة تبين أسلوب تعامل الدولة مع القطاع غير الرسمي، ويبلور دورها في تشجيع العاملين به، وفي توفير المناخ الضروري والتأمين اللازم لحمايتهم. ويتوقف إنشاء هذا المجلس على قناعة الخطاب الرسمي، وعلى تحرك هيئاته في اتجاه إصدار القوانين والقرارات المنظمة لعمله، وضمان شرعيته طبقا للإجراءات الدستورية المطلوبة[37].

5.  تطوير سياسات "التعاقد من الباطن" مع القطاع الرسمي؛ إذ أنه من أهم الأدوات المتاحة لتطوير المكون الإنتاجي للقطاع غير الرسمي، وذلك بتشجيع عمليات "التعاقد من الباطن"، بين وحدات القطاع الرسمي (الخاص والعام) وبين وحدات القطاع غير الرسمي، لاسيما المنشآت الصناعية الصغيرة وورش الإصلاح والصيانة الصغيرة. ويمكن أن تلعب غرف التجارة والصناعة دورا ملموسا في هذا الشأن. وبذلك يتم دمج الوحدات الاقتصادية التي تنتمي إلى المكون الإنتاجي للاقتصاد غير الرسمي في بنية الاقتصاد الوطني. وهكذا يتم تقليل درجة العشوائية في سلوك ذلك الجزء من الاقتصاد، كما أن هذه السياسة تساعد على ربط وحدات القطاع غير الرسمي بعمليات التحديث والتطوير التكنولوجي، على أسس ثابتة ومنظمة نتيجة المساعدة المستمرة في تحسين تصميم المنتجات ورفع مستوى جودتها.

6.  الاهتمام بتطوير الصناعات اليدوية والحرفية، ولاسيما تلك التي لها طاقة تصديرية في المستقبل، مثل: مشغولات المعادن، والمنتجات الجلدية، والملبوسات.

7.  الاهتمام بالتدريب التحويلي، وأن تركز مجهودات التنمية المحلية على استهداف تلك العناصر من قوة العمل التي تعمل خارج المنشآت، وتقوم بأنشطة قليلة الإنتاجية لا تحتاج إلى أي مهارات، وتحويلها إلى قوة عاملة مرتبطة بأنشطة إنتاجية، يكتسبون من خلالها مهارات جديدة، من خلال برامج واسعة للتدريب التحويلي وإعادة التأهيل، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من برامج مكافحة الفقر في البلدان النامية.

8.  تسهيل استخراج تراخيص مزاولة النشاط، خصوصا لأصحاب الأنشطة الجائلة. والاستمرار في إقامة سويقات لتجميع الباعة الجائلين في أماكن يسهل وصول المستهلكين إليها، وتتمتع بالمرافق والخدمات اللازمة لراحة الباعة والمشترين. مما يسمح للباعة الجائلين بممارسة نشاطهم بأسلوب أكثر رسمية واستقرارا، ولا يكونون في حالة تخوف مستمر من مطاردة الأجهزة الرسمية لهم، وتهديدهم بمصادرة بضاعتهم أو الحبس.

9.    توفير وحدات بديلة في المدن الجديدة للورش التي يتسبب نشاطها في إزعاج سكان المدينة أو تشويه البيئة المحيطة.1.      

 

<!--تفعيل آلية المشاركة بين المنظمات غير الحكومية ومنشآت القطاع غير الرسمي ، من خلال توفير التمويل اللازم وتشجيع العاملين فيه على توليد الدخل من إنتاجهم ، إما من خلال القرض الائتماني الدائم ، حيث يحصل الأفراد على قروض بدون فوائد لبدء مشروع صغير ، أو من خلال أسلوب القرض ذي العائد المحدود ، وبما لا يتجاوز 1% من القرض ، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال مظلة المنظمات الدولية المانحة.

 

<!--ضرورة تبسيط الإجراءات الرسمية التي يلزم اتباعها ، حتى تكتسب الوحدات بمقتضاها القدرة على مزاولة النشاط بشكل رسمي. ولعل أول الأسس التي يلزم إرساؤها يتمثل في توحيد الجهة أو الجهاز الذي تتعامل معه الوحدة الاقتصادية.

 

<!--[if !supportLists

  • Currently 142/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
48 تصويتات / 5526 مشاهدة
نشرت فى 9 فبراير 2010 بواسطة drsaber

ساحة النقاش

د. صابر أحمد عبد الباقي دكروري

drsaber
مدرس علم الاجتماع كلية الآداب جامعة المنيا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

323,532