ربّما طاب لي أن أعرّفَ الوعيَ بأنَّه : إدراكُ الضرورة, وهو اجتهادٌ لاأدري ماإذا كان فلسفياً, والفلسفة ثقافةٌ مكروهةٌ, ويكادُ يكونُ المكروهُ حراماً.

على كلّ حالٍ لاقيمة للأشياءِ مالم تفرض نفسها على وعينا, الذي لم تتسع مساحتُه لتشمل كلَّ مايحيطُ بنا ولا البعضَ اليسيرَ من ذلك, وربَّما كان من الخطورة بمكانٍ أنَّ وعينا المتبدّل يمرُّ في تجاويفَ آنيَّةٍ فلا يبقى متّقداً تجاه الثوابت التي يجب ألاَّ تغيب عنه أو يغيبَ عنها.‏

وإذا كان الوعي إدراك الضرورة, فهو ضرورة إذن وضروريٌّ أيضاً.‏

وعوداً على مايُشبه البدءَ أسجّل سعادتي بالوعي المطريِّ المتنامي لدى الناس بعدما أدركوا أنَّ المطر بات المصدر الحيويَّ والحياتي لاستمرار الخضرة فينا وفيما حولنا.‏

صرتَ ترى الناس يتابعون نشرة الأخبار ليعرفوا كميَّة الهطول المطريِّ, وتدخل المكاتب الخاصَّة والعامَّة فترى جدولاً يحتلُّ محلَّ الصّدارة على تلك المكاتب, وقد حوى تفاصيل مطريَّة تحدّد بالمقاييس الدَّقيقة قطرات المطر الهاطلة والمقارنات المختلفة بين عام وعام ومكانٍ وآخر, وعندما تحلُّ ضيفاً على شخصٍ ما في محافظة أخرى يسألك أوّلاً عن المطر وعن شكل هطوله, ويأخذ الحديث عنه جانباً كبيراً من حوارك العادي معه.‏

المؤسفُ حقاً أنَّ الوعيَ المطريَّ ظلَّ بدائيّاً كما كان لأسلافنا في صحاراهم, فلم يواكبه وعي مائيٌّ رغم العلة والسبب القائمة بينهما, ولاعقد الناسُ مؤتمراً أو استحضروا جداول للمقارنة بين حالات الهدر المائي الذي يتمُّ بين شهرٍ وشهر, ولم يوافقه وعيٌ كهربائيٌّ لمعرفة أسباب ارتفاع كميّة الهدر الكهربائي مع أنَّ المطر على علاقة وثقى بالكهرباء, وصار شبه بديهيّ أنَّ الرعد والبرق حوادث كهربائية, ويُشار إلى أنَّ كارثة الطائرة الاثيوبية في سماء لبنان يعود إلى شيءٍ من هذا, رغم أنَّ الصاعقة التي شطرت الطائرة إلى نصفين لاتنفي- وفي إطار الوعي الوطني- وجود أسبابٍ أخرى.‏

ولم يرافقه وعيٌ خلويٌّ مع أنَّ هذا ينتقل مع الأثير, وذاك مع الرياح, ولم يقم الناس بعقد مقارنة بين حالات الإنفاق السَّرطاني في مكالماتهم وعدد الوحدات التي يحشونها في بطون أجهزتهم وأجهزة الآخرين التي تكون غالباً ثمناً لثرثراتٍ فارغة وأحياناً ثرثرات ملأى بالشرِّ وتخريب النفوس والقيم.‏

ولم يرافقه وعيٌ مروريٌّ, حتى ولاتحضّرٌ مروريٌّ, ولعلَّ من المؤسف أن نشير إلى أنَّ تعليمات المرور أنتجت الوعي الاحتيالي بين الناس, فشرطيُّ المرور يكمن في أماكن خفيَّة, ويظهر عين آلة التصوير لترصد السيارات العابرة وأشكال المخالفة التي تطال العجلات والأحزمة وأجهزة (الخلويّ), وإن كانت لاتتتبّع أسطوانات الإطفاء ولا المثلثات الفوسفورية. والمواطن أو قل السائق يلجأ إلى الحيلة, فيضع الحزام ويخفف السرعة ويخفي الخلويَّ في الأماكن التي يفترض وجود شرطي المرور فيها. وهنا تكون ممارسة الوعي مغلوطة وضارَّة ومدعاة للبحث عن وعي حقيقي بقيمة الأشياء التي تنظّمُ حياتنا.‏

وعلى هامش الوعي المطري فأنا أدعو إلى وعي اقتصادي سلبي إذ هو الحلُّ الإيجابيُّ الوحيد لبعض مآسينا الحضارية الطارئة المتحلّلة من ضوابط الوعي. أنا أدعو إلى رفع تسعيرة المكالمات الخلوية لتصل الدقيقة الواحدة إلى مائة ليرة سورية, وأدعو إلى رفع تسعيرة الماء ليصل المتر المكعب إلى مايعادل حماقة العابثين بالماء, وأدعو إلى رفع تسعيرة الكهرباء ليصل الكيلوواط إلى مايحول دون ذوبان (الأباريز) السيئة الصنع بفعل استخدامنا المغلوط, ولكي لاتطول قائمة مطالبي أتوقف عند هذا الحدِّ, ولاأدري ماإذا كانت حالي تشبه حال الشاعر الذي آلمه عدم الوعي بقيمة الأشياء فقال:‏

ليتَ المدامَ وليت الحسنَ قد جُعلا‏

في جبهة الليث أو في قبَّةِ الفلكِ‏

فلا يعاقرُ أقداحاً سوى بطلٍ‏

ولايُقبّلُ محبوباً سوى ملِكِ‏

على أن الوعيَ المطريَّ يجب أن يرافقه الوعي بمخاطر المطر الزائد, ورحم الله بدوي الجبل إذ قال:‏

وبعضُ الهوى كالنور إن فاضَ يأتلقْ‏

وبعضُ الهوى كالسَّيل إن فاضَ خرّبا‏

وهي دعوة واضحة إلى الوعي بقيمة الهوى وشكله وطريقة التعبير.‏

drkhaledomran

كـلّ نـورٍ غير نـورِ الله ظـلُ ******** كل عــز غير عــز الله ذل ................ للمراسلة والتواصل والاستفسار من خلال [email protected] ما يقدمه هذا الموقع هو خالص لوجه الله تعالي ... ولانستهدف منه التربح بأي شكل من الأشكال. الموقع الرسمي للدكتور خالد عمران https://staffsites.sohag-univ.edu.eg/Prof.khaledomran?p=home

ساحة النقاش

أ.د/ خالد عمران

drkhaledomran
أستاذ المناهج وتقنيات تعليم الدراسات الاجتماعية - عميد كلية التربية - ووكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث السابق كلية التربية - جامعة سوهاج - جمهورية مصر العربية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

3,955,708