<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->
وهابية .. العنف والإرهاب
الأصل في الإسلام هو السلام والحوار والمناقشة لقوله تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: 125].
على هذا الأساس انتشر الإسلام وغذا القلوب والعقول... انتشر من مكة إلى المدينة ثم إلى عموم جزيرة العرب، متوافقًا مع غزوات معدودة وسريات محدودة، في حين أنه انتشر في (اليمن) بدون قتال بل بالدعوة والإرشاد فقط، أما في عهد الخلفاء الراشدين فلم يتجاوز مجموع الجيوش الإسلامية في عهد (أبي بكر وعمر) الأربعين ألفا، وهو عدد ضئيل جدًا بالمقارنة مع البلدان والمماليك التي دانت بالإسلام في عديهما، الأمر الذي يؤكد حقيقة "أن عمل الجهاد بالسيف لم يكن ليذكر في جانب الدعوة بالحكمة، والأخذ بالعدل المطلق، والمثال الحسن والقدوة الصالحة" [المخزومي/ خاطرات جمال الدين الأفغاني] هكذا انتشرت الدعوة الإسلامية السمحة... دعوة السلام لا دعوة سفك الدماء. أما الإكراه والعنف فلا مجال له في الإسلام ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة 256].
لا يناسب الإكراه والعنف دعوة يكون الغرض منها هداية القلوب، وتطهير الاعتقاد، وما عرف تاريخ الرسل رجلاً حمل الناس على الإيمان بحد السف، ولا غزا قومًا في سبيل الإقناع بدينه، وذلك هو نفس المبدأ الذي يقره النبي r فيما كان يبلغ في كتاب الله. [علي عبد الرازق/ الإسلام وأصول الحكم]
ولكن (ابن عبد الوهاب) تخلى في دعوته عن نظرية الإسلام المتسامحة، وتحول القرآن إلى أداة للتعصب والتزمت نظرًا إلى أفكاره الضيقة عن الإيمان والاعتقاد.
ونظرًا لأن العقيدة الوهابية عقيدة متطرفة تكفر جميع المسلمين وتتهمهم بالشرك وتحاول إدخالهم في الدين الإسلامي بالعنف والقوة من جديد، عبر عنها (سعود بن عبد العزيز) عن التزام الحركة الوهابية بالجهاد الابتدائي عندما دخل (مكة) حيث أصدر بيانًا قال فيه بعد أن شرح معنى الشرك.
بالمفهوم الوهابي "هذا هو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم الحجة عليهم من كتاب الله وسنة رسوله r وإجماع السلف الصالح من الأمة.
ممتثلين لقوله تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: 39] فمنْ لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان" بل وأجبر علماء مكة والمدينة على إصدار فتوى تقول: "إن منْ لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله ويعادي أعداءه فهو كافر بالله واليوم الآخر، وواجب على إمام المسلمين – ابن عبد الوهاب – والمسلمين – الوهابيين – جهاده وقتاله" [ابن غنام/ تاريخ نجد] ونظرًا لأن موضوع تكفير المسلمين الذين لا يؤمنون بمبادئ الوهابية، وإعلان الحرب عليهم، موضع تململ ومعارضة...لم يكن أمام (ابن عبد الوهاب) سوى استخدام العنف بدلاً من الحوار لفرض دعوته الجديدة... فأهدر دماء جميع المسلمين الذين سماهم بـ (المشركين) وطالبهم بالتوبة والرجوع إلى التوحيد – على الطريقة الوهابية – واستحل أموالهم وذراريهم، وقال: "من رجع منهم حقن دمه وذراريه، ومنْ أصر أباح الله منه ما أباح لرسول الله من المشركين" [محمد بن عبد الوهاب/ تطهير الاعتقاد] وذلك "لأن مجرد التلفظ بكلمة التوحيد لا يعصم الدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك لم يحرم ماله ودمه" [كتاب التوحيد].
ولكن من أين استقى (ابن عبد الوهاب) نظرية إهدار دم المسلمين؟ إذا عدنا إلى مرجع (ابن عبد الوهاب) وهو (ابن تيمية) - وقصر مداركه عن فهم كلامه- فسوف نجد أنه يفتح نافذة واسعة في الثورة واستخدام القوة والعنف حتى مع المسلمين، وقدم نظريته السياسية إلى جواز قيام الأنظمة السياسية على أساس القوة والقهر والغلبة، وأن الإمامة تقوم على أساسين، القوة والأمانة، بناء على نصوص قرآنية منها قوله تعالى ﴿إن خير من استئجرت القوى الأمين﴾ [القصص: 26] وقول صاحب مصر (ليوسف) عليه السلام ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ [يوسف: 54] [ابن تيمية/ منها ج السنة النبوية].
وقد أباح (ابن تيمية) بل وأوجب قتال كل منْ يقف في مواجهة دعوة الإسلام التي مقصودها "هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا" معتبرًا أن الله "قد أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في إصلاح الخلق، أي إن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه" كما يجب قتال أي طائفة انتسبت إلى الإسلام "وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة والمتواترة" [مجموع فتاوي ابن تيمية]
ومن هنا كان من المتوقع أن يلغى (ابن عبد الوهاب) – تبعًا لأفكاره الضيقة وعجزه عن تأويل الآيات القرآنية تأويلاً صحيحًا – من قاموسه السياسي فكرة الحوار والمناقشة، وينتهج بدلاً منها سياسة العنف والدموية، مصرًا على فرض قراءته الخاصة للتوحيد بالقوة على الناس، ومقاتلة من لم يوافقه على نظريته.
ونتيجة لرفض معظم المسلمين لعقيدة (ابن عبد الوهاب) المتطرفة، لم يجد (ابن عبد الوهاب) وأتباعه إلا مواجهة هذا الرفض بالقوة والعنف، وممارسته بالإرهاب والدموية لفرض سيطرتها على المسلمين، ولم يكن هناك أي مجال في ظل العقيدة الوهابية، لأي نوع من الصلح والسلام بين الدعوة الوليدة والمسلمين المعارضين لها سوى بالدخول في مذهبها أو الإرهاب والمقاتلة بالسيف، مما يفسر لنا دموية المعارك التي خاضها الوهابيون لفرض مذهبهم، أو الانتقام من أعدائهم.
وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يتصدى (ابن عبد الوهاب) بنفسه لقيادة الحركة الوهابية، على غرار الحركات الدينية الثائرة حيث يتبوأ الداعية المكانة الرئيسية ليكون في الآن نفسه الفقيه والأمير، ويجعل نفسه قائدًا لذلك النظام الثوري... لكن (ابن عبد الوهاب) فضل الاتفاق مع (محمد بن سعود) حاكم الدرعية ليقوم بهذه المهمة مرتكزًا على الفكر التكفيري مما سيمسح للبدو والمحاربين من أتباعه بغزو بلاد المسلمين ونهب ثرواتهم باسم التوحيد. ومع أن الإسلام الذي فرض القتال والجهاد دفاعًا عن النفس أولاً ولنشر الدين ثانية، قد وضع أسسًا لأخلاقيات الحرب مع غير المسلمين، ودعا المجاهدين إلى الرحمة والعدل، وحرمة العدوان ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة: 190] كما نهى استنادًا إلى وصية الرسول r وخلفائه عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، والإجهاز على الجرحى، وانتهاك الحرمات، وقطع الأشجار المثمرة، ونهى عن الغدر والغلول – سرقة الغنائم قبل تقسيمها.
فحين أصر الصديق أبو بكر على إنفاذ جيش (أسامة بن يزيد)، وقف أبو بكر يزود الجيش بأخلاقيات الحرب في الإسلام، ويرسم له دستور الحرب الذي ما عرف التاريخ أعدل، ولا أطهر ولا أشرف منه في غير الإسلام ووقف يقول لهم: "أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له" [ابن كثير/ البداية والنهاية]
ولقد رأى r في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ... وفيما يتعلق بالغلول فإن الرسول r "دعا إلى الصلاة على رجل توفى يوم خيبر لأنه غلَّ في سبيل الله، أي لم يعتبره شهيدًا" [مالك بن أنس/ الموطأ]
فهل امتثل (ابن عبد الوهاب) وأتباعه بأخلاقيات الإسلام في حروبهم مع المسلمين لفرض عقيدتهم المتطرفة؟
إن واقع الدعوة الوهابية يقول غير ذلك، ولنبدأ بموقف (ابن عبد الوهاب) من معارضيه لفكره التكفيري واستحلاله لدماء المسلمين، وفرض دعوته بحد السيف.
كان موضوع تكفير المسلمين، وفرض الدعوة بالعنف والقوة والغلبة، موضع خلاف داخلي في صفوف الكيان الوهابي الجديد، لم يكن أمام (ابن عبد الوهاب) سوى اللجوء إلى القوة لحل الخلافات الداخلية، كما حدث مع حليفة الأول (عثمان بن معمر) الذي كان قائدًا أعلى للقوات الوهابية، وحاول أن يسلك طريق الصلح والسلام مع خصوم الدعوة الوهابية، ولكن (ابن عبد الوهاب) رفض هذا المبدأ [ابن غنام/ تاريخ نجد]، وقرر بدلاً من سلك طريق الحوار والسلام، التخلص من حليفه وتصفيته في المسجد بعد أداء صلاة الجمعة [ابن بشر/ عنوان المجد].
وحين ألف (سليمان بن عبد الوهاب) أخو (محمد بن عبد الوهاب) كتابًا يرفض فيه بشدة عقيدة أخيه، وبخاصة عملية التكفير لعموم المسلمين، وقد أدى انتشار الكتاب حدوث انشقاق داخل الحركة الوهابية، فأمر (ابن عبد الوهاب) بالقبض على منْ روجوا لكتاب أخيه وأمر بإعدامهم [ابن غنام/ تاريخ نجد].
وإذا كانت التصفية الجسدية هي نصيب كل منْ عارض فكر (ابن عبد الوهاب) من داخل الكيان الوهابي، فكيف كان الحال مع البلاد التي فتحوها عنوة وقسوة؟ أقنع (ابن عبد الوهاب) أتباعه أنهم بالحرف الواحد هم (المسلمون) "وأهل الدين والتوحيد والإيمان والجماعة" في حين أن أعداءهم هم "كفرة ومشركون" و"أهل باطل ضالون ومرتدون وأصحاب فتنة" ابن بشر/ عنوان المجد].
وبمثل هذا التصور الوهابي للجهاد ضد دار الحرب – بلاد المسلمين – دخلت الحركة الوهابية في معارك دموية مع الجماهير المسلمة الرافضة للفكر الوهابي... ومنْ يتصفح (غزوات) (ابن عبد الوهاب) وأتباعه – كما يسميها ابن غنام في تاريخ نجد – يصطدم بكثرة القتال والتشنيع والنهب واقتسام الغنائم، وعدم احترامهم لأخلاقيات الحرب التي وصى بها النبي r وخلفائه من بعده ... عاكسين قوله تعالى ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: 29]، إلى " أشداء على المؤمنين رحماء بالكفار" أو "أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين".
كانوا رحماء بالاحتلال الإنجليزي، والذي كان يتوجب قتاله وجهاده قبل قتال المسلمين، دخلوا مع الاحتلال في علاقات حماية ومودة ورحمة، واعترفوا لهم بالهيمنة والاستعمار، وقبلوا الحماية البريطانية، وتعاهدوا أن لا يكونوا مخاصمين لانجلترا بوجه من الوجوه، وأن يتبعوا نصائح المحتلين، بل وانحازوا إلى جانب بريطانيا في الحرب ضد المسلمين والدولة العثمانية.
[ناصر الفرج/ قيام العرش السعودي]
رحماء بالاستعمار.... ولما لا .... وقد لعبت انجلترا دورًا مهمًا في إحياء الحركة الوهابية وتوظيفها في خدمة مخططاتها في المنطقة العربية. يقول الجاسوس البريطاني (جون فيليبي) " إن عملية إحياء الأفكار الوهابية كانت من بين المهمات المكلف بها من أجل إيجاد أنصار (لابن سعود) – الحليف القوي لابن عبد الوهاب – في كل بلدة وقبيلة وقرية من أنحاء جزيرة العرب" [جون فيليبي/ تاريخ آل سعود].
وجهت الدعوة الوهابية عنقها ناحية المسلمين بدلاً من مواجهة الاحتلال البريطاني، غير محترمة لقواعد الجهاد التي صاغها الإسلام متمثلة في وصايا الرسول r ونصائح خلفائه لقادة الجيوش.
فهم يحرقون الزرع، وينهبون الثمار، ويهدمون البيوت، ويمثلون بالقتلى، ويجهزون على الجرحى، ويقتلون النساء والأطفال والشيوخ... غير ممتثلين لدستور الحرب في الإسلام الذي ينتمون إليه ويحاربون من أجله على الطريقة الوهابية ولن نستشهد بآراء المعارضين للدعوة الوهابية في وصف دموية المعارك التي خاضها الوهابيون تحت شعار (التوحيد)، وإنما نستشهد بآراء أثنين من أِشد المؤرخين حماسة للفكر الوهابي وهما (ابن بشر) و(ابن غنام)، يصفا بشاعة ما أحدثه الوهابيون في كل قرية دخلوها.
يقول (ابن بشر) واصفًا هزيمة أهل (الرياض) ودخول الوهابيين فاتحين: "فرَّ أهل الرياض، الرجال والنساء، والأطفال لا يلوى أحد على أحد، هربوا على وجوههم إلى البرية في السهال قاصدين الخرج، وذلك في فصل الصيف، فهلك منهم خلق كثير جوعًا وعطشًا.... وتركوها خالية على عروشها، فلما دخل (عبد العزيز بن سعود) الرياض وجدها خالية من أهلها إلا قليلاً فساروا في أثرهم يقتلون ويغنمون".[عنوان المجد في تاريخ نجد]
وهاجم الوهابيون القطيف والإحساء وقتلوا وأبادوا نحو ألف وخمسمائة رجل، وأقاموا مجازر رهيبة بحق السكان [ابن غنام/ تاريخ نجد].
ويصف (ابن بشر) دخول الوهابيين إحدى القرى، بأنهم قتلوا رجالها الثلاثمائة رجل، حتى صارت تلك القرية مضرب الأمثال [عنوان المجد].
وعندما تمردت بعض القرى والمدن وخرجت عن طاعة الوهابيين، أوعز (ابن عبد الوهاب) إلى أمراءهم بالتصرف كيفما شاءوا مع المتمردين، فقتلوا أهل القرى المتمردة وقطعوا نخلهم، وصبوا عليهم العذاب وأكثروا فيهم القتل حتى ذلوا وهانوا. [ابن غنام/ تاريخ نجد]
ويصور المؤرخ الوهابي (ابن بشر) أحداث إحدى تلك الغزوات الملطخة بالعنف والدماء وهي وقعة (الرقيَّقة) بقوله: "صوب المسلمون بنادقهم دفعة واحدة فأرجفت الأرض وأظلمت السماء وثار عج الدخان في الجو وأسقطت كثير من الحوامل في الإحساء. ثم نزل (سعود) في الرقيقة، وأقام مدة شهر يقتل من أراد قتله، ويجلي من أراد جلاءه، ويحبس من أراد حبسه ويأخذ من الأموال ويهدم من المحال، ويبني ثغورًا ويهدم دورًا، وضرب عليهم ألوفًا من الدراهم وقبضها منهم، وأكثر فيهم (سعود القتل) ... فهذا مقتول في البلد، وهذا يخرجونه إلى الخيام ويضرب عنقه عند خيمة (سعود) حتى أفناهم إلا قليلاً". [عنوان المجد]
هكذا يتحدث (ابن بشر) عن سائر المعارك فيصف الوهابيين بالمسلمين وخصومهم بالكفار، ويعتبر خضوع القرى والمدن لسلطة آل سعود دخولاً في الدين، والثورة عليهم ردة عن الإسلام.
وهذا المعنى أكده (ابن غنام) بقوله: "حين استقر التوحيد وثبتت أصوله في جميع بلدان الأحساء، غشى قلوب المُبطلين الحزن والأسى، فأرسلوا كثيرًا من الرسائل إلى الحكام يستثيرونهم على المسلمين أهل التوحيد" [تاريخ نجد].
أما (الحجاز) فيصف المؤرخ المصري (الجبرتي) ما فعله الوهابيون فيها بقوله: "أخذ البلدة الوهابيون واستولوا عليها عنوة وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا دأبهم مع من يحاربهم" [تاريخ الجبرتي].
وإذا كان القتال لا ينبغي أن يبدأ قبل دعوة المشركين إلى الإسلام استنادًا إلى سيرة النبي (ص)، فإن الوهابيين الذين أبوا على عدم الالتزام بدستور الحرب في الإسلام، قد ضربوا بقواعد الجهاد عرض الحائط.
كان على رأس المجازر التي أقامها الوهابيون في عهدهم الأول مجزرة (كربلاء) الرهيبة، التي شن فيها الوهابيون هجومًا مباغتًا دون سابق إنذار أو دعوة لمذهبهم، وإنما على حين غفلة من أهلها، فأقاموا مجزرة رهيبة فيها.
قتلوا من سكانها ثلاثة آلاف في خمس ساعات، وأبدوا وحشية غير مألوفة، مُجهزين على الجرحى بمن فيهم النسوة والأطفال ودمروا المدينة ونهبوا مقام "الحسين" [لمع الشهاب في سيره محمد بن عبد الوهاب] ويُسهب المؤرخ الوهابي (ابن بشر) في وصف المجزرة بقوله: "سار (سعود بن عبد العزيز) بالجيوش وقصد (كربلاء)، فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر (الحسين). وأخذوا ما في القبة وما حولها، وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر، وأخذوا جميع ما وجودا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال وقتل من أهلها قريب ألفي رجل" [عنوان المجد في تاريخ نجد].
وفشا خبر المجزرة الوهابية في (كربلاء) حتى أن الرأي العام الأوربي سمع لأول مرة بفرقة الوهابيين عبر ما سمي "بالاستيلاء ونهب مقام الإمام حسين" وأن الغارة على كربلاء "شوهت إلى أقصى تقدير طبيعة ومصداقية الفرقة" [كورنسز/ الوهابيون تاريخ ما أهمله التاريخ] حتى أن (انجلترا) صاحبة الحماية وصفت ما فعله الوهابيون في (كربلاء) بأن"ما فعله الهمج كان مثار اشمئزاز عام من الوهابية" [جون فيليبي/ تاريخ آل سعود].
وعندما دخل الوهابيون (مكة) أحدثوا فيها ما يتجاوز حد المعقول والمكتوب، مما أحدث صدمة اهتز لها العالم الإسلامي.
هدم الوهابيون القبور والقباب والمشاهد، ومنعوا لبس الحرير، وتخلصوا من كتب الصالحين، ومنعوا كتب المنطق، وألغوا المذاهب الفقهية الثلاثة باستثناء الآراء الحنبلية المتشددة.
ويعترف (عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب) بما فعله الوهابيون في مكة بقوله "بعد دخول معشر الموحدين – يقصد الوهابيين – مكة لرفع ما افتراه علينا أعداء الله ورسوله... رفعت المكوس والرسوم وكسرت آلات التنباك وأحرقت أماكن الحشاشين، ونودي بالمواظبة على الصلاة على إمام واحد... ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين وما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق... وهدمنا بيت (خديجة) وقبة المولد وبعض الزوايا... تنفيرًا عن الإشراك بالله".
[مجموعة الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية]
وبادر الوهابيون بهدم القباب التي كانت على محل مولد أبي بكر ومولد الإمام علي، والتي كانوا يعتبرونها أصنامًا تعبد من دون الله، وأرسلوا رسالة إلى السلطان العثماني يخبرونه فيها بأنهم "قد هدموا ما هنالك من أشباه الوثنية".
[عبد العزيز التويجري/ لسراة الليل هتف الصباح]
وبعد فتح (مكة) – اجترارًا لسيرة النبي r، وقف (عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب) ليقول: "إن منْ قال يا رسول الله، أو يا ابن العباس، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين، طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير... و نحو ذلك: أنه مشرك شركًا أكبر، يهدر دمه، ويبيح ماله".
[عبد الرحمن بن محمد بن قاسم/ الدرر السنية في الأجوبة النجدية]
لكن تبقى مسألة مهمة وهي هل نهب الوهابيون حجرة الرسول r؟
يتناقل الرحالة أخبارًا مفادها أن الوهابيين دخلوا حجرة الرسول r وأخذوا تاج (كسرى أنو شروان) وسيف (هارون الرشيد)، ونجمة مرصعة بالجواهر، وأن أمراء الحرب وغيرهم استغلوا حالة الفوضى لأخذ بعض الأغراض. [لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب] ويذكر (أحمد زيني دحلان) أن الوهابيين أخرجوا الذهب والجواهر من الحجرة الشريفة.
[خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام]
وبعد سقوط (الدرعية) على أيدي القوات المصرية، دار حديث بين (محمد علي) والأمير (عبد الله) أخر ملك للدولة الوهابية الأولى: "وكان بصحبة الوهابي صندوق صغير من صفيح فقال له الباشا ما هذا فقال هذا ما أخذه أبي من الحجرة يقصد حجرة الرسول r - وفتحه فوجد به ثلاث مصاحف قرآنية مكلفة ونحو ثلاثمائة حبة لؤلؤ كبار وحبة زمردة كبيرة وبها شريط".
[الجبرتي/ تاريخ الجبرتي]
ولم يكتف الوهابيون بما أحدثوه في الأماكن المقدسة من نهب وتخريب، وإنما واصلوا قسوتهم وعنفهم على علماء الحرمين، وأجبروهم بالاعتراف بالدين الجديد – الإسلام على الطريقة الوهابية – والتبرؤ من دينهم السابق (الشرك) والإفناء بكفر عامة المسلمين – بالطبع تحت تهديد السلاح – فأصدر العلماء بيانًا قالوا فيه: "إن هذا الدين الذي قام به (محمد بن عبد الوهاب) رحمه الله، ودعا إليه إمام المسلمين (سعود بن عبد العزيز)، من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره في هذا الكتاب – كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب – أنه هو الحق الذي لا شك فيه. ولا ريب وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقًا ومصر والشام وغيرهما من البلدان، إلى الآن، من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب، أنه الكفر المبيح للدم والمال، والموجب للخلود في النار. ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله وباليوم الآخر. وواجب على إمام المسلمين – سعود بن عبد العزيز – والمسلمين – على الطريقة الوهابية – جهاده وقتاله حتى ينوب إلى الله مما هو عليه، ويعمل بهذا الدين" [الدرر السنية في الأجوبة النجدية].
فالوهابية إذن حركة محاربة ومتعصبة ونهابة ودموية في حالة مد وفي كل الاتجاهات، وفي اتجاه (كربلاء) لقتل السكان وتدمير المقام الحسيني ونهبه، وفي اتجاه الحجاز وغيره من بلاد المسلمين لفرض مذهبهم وتهشيم القباب ونهب حجرة الرسول r.
وبالتالي يمكن اعتبار الحركة الوهابية ما هي إلا حركة انقلابية أو هي منهج انقلابي عن طريق الجهاد العنيف... هدفها هدم النظام الإسلامي القائم... كي تؤسس نظامًا إسلاميًا جديدًا على الطريقة الوهابية ... هدفه الأول والأخير الاستئثار بالسلطان دون سواهم، وتسخير البلاد والرقاب لأهدافهم.
إن اعتماد الدعوة الوهابية على العنف بدلاً من الحوار والإقناع، لهو أكبر دليل على أن هذه الدعوة هي دعوة نفوذ وسلطان أكثر منه محاولة لنشر مبادئ الدعوة الوهابية، وهو ما يفسر لنا المقاومة الشديدة التي لقيتها الدعوة... فما أن يخضع الناس بالسيف والقوة فترة من الزمن، فسرعان ما يتمردون لما كان يتسم به الوهابيون من عنف ودموية وإرهاب، فما إن يقمعوا قرية حتى تتحداهم قرية أخرى... هكذا دواليك.
ولأن الأفكار – سواء أكانت معتدلة أم متشددة – لها أجنحة فقد شكلت الأفكار الوهابية المتطرقة والعنيفة عقلية بعض مفكرينا في العصر الحديث... فأنتج (سيد قطب) فكرًا إسلاميًا متعصبًا ومنغلقًا على نفسه في بعضه، وشكل مفهوم العنف والجهاد ركيزة أساسية من ركائزه. [صلاح عبد الفتاح الخالدي/ سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد]
استقى (سيد قطب) فكرة تكفير المجتمع من كتب (ابن تيمية) و(محمد بن عبد الوهاب).
ومن المعروف أن (ابن تيمية) قد أخرج معظم طوائف الأمة وفرقها من أهل الحق، فقد كان يعتقد أن الأمة الإسلامية ليست كلها على الحق ولا هي مضمونة النجاة، وإنما بعض منها وهم أهل الحديث الذين كانوا يشكلون الفرقة الناجية... فالله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة، وإنه لا يزال فيها طائفة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم [ابن تيمية/ منهاج في السنة النبوية] وجاء (ابن عبد الوهاب) ليرسخ مبدأ تكفير عامة المسلمين، وأن جماعته الوهابية هم الطائفة الناجية.
ومن (ابن عبد الوهاب) ومن قبله (ابن تيمية) استمد (سيد قطب) منهجه، فدعا إلى ضرورة وجود طليعة أو عصبة مؤمنة تمضي لهدم الجاهلية المعاصرة... وأن هذه الجماعة المؤمنة – وهم الأخوان المسلمين – تمثل وحدها الإيمان، وهي جماعة تتميز عن أهل الجاهلية المعاصرة التي تمثل الكفر "قد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله دون أن يدرك مدلولها ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها... إن البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله بلا مدلول، ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثمًا وأشد عذابًا يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله" [سيد قطب/ في ظلال القرآن].
غرس (سيد قطب) أفكاره في جماعته ممن يطلق عليهم (القطبيين) نسبة إليه... غرس فيهم "إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي" [في ظلال القرآن].
margin-top: 6.0pt; margin-right: 0in; mar

