الخطر القادم من الجيل المفتوح

  لعل الجيل المفتوح لم يكن في يوم من الأيام بحاجة إلى كشف جوهرة واستجلاء أصالته بقدر حاجته اليوم. فحينما ننظر إلى الفئات العمرية والاجتماعية المختلفة نجد جيلاً مشوه المعالم.

لا نستطيع أن تحكم عليه بسلب أو بإيجاب .... يخطئهم البعض، ويساندهم البعض الآخر .... فهم على كل حال جيل مفتوح.

ولعل الكثير من الدعاة قد أغفل الحديث عن هذا الجيل وتركه ولم يتطرق إليه رغم أهميته العظمى وخطره الشديد.

وإني لمتعجب من إغفال موضوع بغاية الأهمية مثل هذا الموضوع الذي يفتك بالمجتمع ويدمر الحياة الآمنة المستقرة.

كل ما سبق هو مقدمة لما هو قادم، والقادم خطر عظيم ... خطر لا يأتينا من الخارج يأتينا من الداخل... خطر يسمى انحراف في شخصية الجيل المفتوح.

انحراف هذا الجيل وجنوحه إلى الطرق الخاطئة هو من أهم الموضوعات التي يجب الكتابة فيها ومناقشتها وإيجاد الحلول لها.

فالإنسان الذي خلقه الخالق من نطفة فأسكنه في رحم أمه تسعة أشهر ثم أخرجه للدنيا مخلوقًا ضعيفًا، وبعد هذا يشب ويكبر فيصل مرحلة الشباب التي جعلها الله خير المراحل التي يمر بها الإنسان... ففيها يكون الإنسان قوي البنيان منفتح الجنان من سليم الحواس والإحساس...

جعل الله في هذه المرحلة كل الخير... فمدحها سبحانه وأثنى عليها... وجعل من أولئك الذين فازوا ونالوا نعمة المكوث في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله منهم "وشاب نشأ بعبادة الله" [متفق عليه].

فالشباب هي تلك المرحلة العظيمة والفترة الرائعة الجميلة في رحلة الإنسان... فمن سخرها واستخدمها لطاعة الله والعمل بكتابه واتباع سنة نبيه (ص) فهنيئًا له بذلك ... ومن تبع هواه فلا يلومن إلا نفسه.

وللأسف إن النوع الأول هم قليل قليل، إذ إن من انحراف عن الطريق منهم كثير كثيرِ... فمنهم من انحراف عن الأخلاق العامة التي يرتضيها الذوق العام والفطرة السليمة، وأعتقد أن هذه الفترة الزمانية من عمره للهو واللعب.

فلم يتحمل مسئولية نفسه ولا مسئولية وطنه. شخصيته مهتزئة وهويته مفقودة تخشى على الوطن منهم لعدم شعورهم بالآمة. فهو جيل مفتوح لكل ما يخدم أهوائه وميوله تحت مسمى الحرية.

ومنهم من انحرف في دينه، وجنح في تدينه نحو الشكل لا الجوهر... نحو الظاهر لا الباطن ... فكر متطرف ... أعمال إرهابية... سواك ... تقصير جلبان ... نقاب... قراءة القرآن بصوت منكر في وسائل المواصلات ..

ظانين – بفضل ما تعلموه على يد دعاة لا همَّ لهم إلا بالقشور – أن هذا هو التدين الحقيقي، وأن الله سيهدي بهم وبفعلهم الناس... اهتموا بكل هذا وتركوا الجوهر ضرابًا وغفنًا.

أصبح هذا الجيل متعلق ظاهره بالملبس والشكل، فهو مفتوح كذلك حيث غزته الثقافة الرجعية المتخلفة، التي لا يرضيها إلا اللحية لتكون شعارًا للدين فالدين عندهم بطول اللحية فإن تساوت فأكثرها كثافة.

وفي الحقيقة أن هذا النوع لم تحمه أحكامه الظاهرية من الفتن التي صرخ دعاتهم من التحذير منها، بل صارت هشاشة عقولهم سببًا من أسباب غزوهم .... فهو جيل مفتوح للخيبة والندامة.

إن الالتزام الذي يريده الله تعالى والذي يحمي صاحبه ويصنع شخصية قوية محمية من وساوس الشيطان، هو الالتزام الظاهري والباطني الذي قال عنه (صلي الله عليه وسلم ): "الدين المعاملة" وليس الدين اللحية أو النقاب.

هو التزام ببناء الباطن الذي يحرك جوارح الإنسان لتعلو من حظوظ النفس ودناءات البشر. يقول تعالى " (إلا مَنْ أتى الله بقلب سليم) ولم يقل إلا من أتى الله بجلباب قصير أو بنقاب أسود اللون تظهر منه عين وتختفي عين.

يقول (صلي الله عليه وسلم ): "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

لقد مكث (صلي الله عليه وسلم ) ثلاث عشرة سنة في مكة يبني شخصية المسلم الحقة التي تتكون عناصرها من البناء الداخلي أولاً بعناصر التخويف تارة والرجاء تارة أخرى، حتى استحضر هؤلاء المكيون (الأميون) الجنة والنار أمام أعينهم،

فصارت العقيدة بناءًا راسخًا في قلوبهم، وظهر الجيل الذي تمناه الإسلاميون ولم يحققوه لالتزامهم بمبادئ ظاهرية بحتة.
شتان ما بين شخصية الجيل المتأسلم الموجود في هذه الحقبة الزمنية وبين ما صنعه رسول الله (صلي الله عليه وسلم .

) والأصل أن كل ما كان من الدين وسيلة من وسائل إصلاح النفس وإكمال الشخصية وليس هو كل الدين. وهذا ما سوف نعالجة في فكر هؤلاء المخدوعين فيما بعد.

وهذا النوع هو الأخطر ... فهو يرى نفسه على صواب وغيره على خطأ... وتناسى أن رأيه خطأ يحتمل الصواب ورأي غيره صواب يحتمل الخطأ.

إن هذا الجيل – بنوعيه – هو ثمرة ثقافات متغايرة بل ومتناقضة، تجمعت على تشويه كيانه وحجب صورته الحقيقية ودفعته إلى مهاوي الضياع في كل بقعة من بقاع الوطن.

حدث كل هذا والشخصية الإسلامية عامة تعيش في غيبوبة.... وهي المعروفة بقيمها القد سية وأصولها الثابتة وتقاليدها العزيزة المترفعة عن كل ذل.

كان الشباب المسلم أعزاء كل العزة بأدبهم وفكرهم وثقافتهم ... منطلقين من جوهر عقيدتهم حيث الأمن والسلام محوطان بسياج من رياضي الروح والفكر.

وعندما زالت هذه المعاني وتبددت هذه القيم... استأسد عليهم من استأسد واستهان بهم الأذلاء... وأخذت النقائص تنسب إليهم في جرأة ووقاحة ... وهم من كل ذلك براء.

وللأسف قابل الجيل المفتوح كل هذا بتخاذل وغفلة... وأعطوا ظهرهم لكل المعاني الرفيعة الكامنة في جوهر شخصيتهم.... وركضوا وراء كل فكر رخيص... فتخلوا عن هويتهم وأصبحوا بلا هوية .... وفقدوا شخصيتهم المتميزة فضلوا طريق الصواب.

[د. محمد علي وآخرون: المجتمع والثقافة والشخصية 495]

إن موضوع شخصية هذا الجيل يمكن أن يستقطب كثيرًا مما يشغلنا من قضايا أمتنا في صراع البقاء والمصير... إننا نلقي في المجتمع الواحد من مجتمعاتنا أنماطًا شتى من شخصيات هذا الجيل...

شخصيات متناقضة ومتنافرة واستغل أعداء الوطن من الخارج والداخل – هذا التصدع في شخصية هذا الجيل أبشع استغلال .... وقالوا إن الإسلام لم يلب احتياجات الشباب، ولم يملأ عليهم حياتهم.

[د. عائشة عبد الرحمن: الشخصية الإسلامية]

ومن هذا التصدع أنقسمت شخصية الجيل المفتوح إلى قسمين: قسم متشدد متنطع.. وقسم لاه مستهتر لا يعبأ بأي شيء... لا يتحمل حتى مسئولية نفسه كما ذكرنا والنتيجة التي وصلنا إليها...

جيل مفتوح أصبح مسخًا دون هوية أو شخصية.... مع أنهم أولى الناس وأجدرهم بالحرص عليها.... والمرء إن لم يقف على قدميه في شبابه وتكون له شخصية المستقلة المتميزة فمتى يُرجى أن يستقيم له رأين أو تُصلح له حال! ورحم الله من قال:

إذا المرء أعيته المروءة يافعًا فمطلبها كهلاً عليه شديد

وبعد... فلله الأمر من قبل ومن بعد

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 27 مشاهدة
نشرت فى 5 إبريل 2013 بواسطة drAlsyoty

عدد زيارات الموقع

31,957