«العروبة» تحت المجهر عام 2010

سورية تجمع كبار المفكرين لدراسة المفهوم وإمكانياته المستقبلية

دمشق: سعاد جروس

في تاريخ دقيق، وبعد أن تعرض للتشويه والتنكيل أرادت سورية أن تعيد لمفهوم «العروبة» ألقه من خلال مؤتمر فكري كبير، أحيط برعاية رئاسية. المؤتمر الذي حمل عنوان «العروبة والمستقبل» لم يحل إشكالية عمرها أكثر من قرن، لكنه دلل على أن الخروج من عنق الزجاجة «العروبية» يحتاج ربما لعدد من العقود. فأين وصلت العروبة؟ وما رأي أهلها فيها؟ تحقيق يلقي الضوء.

«العروبة والمستقبل» عنوان المؤتمر الفكري الذي دعت دمشق إليه نحو 140 مثقفا وباحثا من عدد من الدول العربية، غالبيتهم من لبنان، للنظر في العروبة، «المكوّن، والجامع، والناظم، والتي هي المَعْلَم الأساسي لما نشكله من حضارة، وتمدن، وثقافة، ونظام سياسي واجتماعي واقتصادي، ومعطى تاريخي عميق الجذور في لغتنا العربية، والعودة إلى دراستها دراسة علمية نقدية شاملة»، بحسب ما جاء في نص الدعوة التي وجهتها نائبة الرئيس السوري نجاح العطار إلى المشاركين. وقالت العطار إنها «دعوة فيها من الإلحاح والضرورة، ما يجعلنا مشاركين في مسؤولية اعتبارها عروبة موحدة متكاملة، قائمة على القيم الإنسانية، التي تعطي الدول أسباب اعتبارها قيّمة على التقدم، والحقوق المشروعة، والسلام، والتواصل».

هناك من رأى في كلام العطار قرعا لنواقيس مهجورة وصدئة، وتساءل إذا كان بإمكان العطار إصلاح ما أفسده الدهر؟

خمسة أيام تضمنت سبع عشرة جلسة لم تكن كافية للخروج بإجابة شافية عن حال العروبة والعرب. إذ لم تنج النقاشات الفكرية من الوقوع في فخ الحدث السياسي الراهن، وما بين المرثيات والحنين إلى الماضي، كان للأنظمة النصيب الأكبر من الانتقاد، والبعض وصفها بأنها متهالكة عفنة ساهمت في تدمير العروبة. تفاوت الطروحات الفكرية بين توصيف الواقع الراهن بهدف رسم أفق لما ينتظر العروبة بصيغة أقرب إلى الأحلام والتمنيات، وبين إيجاد صيغ توفيقية بين المتناقضات وتسويغ مواءمتها بعضها البعض في مقاربة تصالحية هادئة، جعل النقاش حاميا طيلة الوقت، حتى أن الناشر والباحث حسين عودات طالب بـ«مواقف جريئة وجديدة حيال القضايا المطروحة» بالاستناد على ملاحظته خلال المؤتمر «أن بعض المحاضرين حاولوا القيام بتسويات بين مجموعة من المفاهيم» مثل «التسوية بين العروبة والإسلام، وبين العلمانية والاجتهاد، والعلمانية والدولة»، وأن البعض «سيّس بعض القضايا»، لافتا إلى أن هذا المؤتمر لم يعقد «لمعالجة قضايا عابرة ومؤقتة. إذ لا يجوز تحويل القضايا الفكرية والآيديولوجيات إلى قضايا سياسية إلا إذ اعتبرنا أن الآيديولوجيات انتهت». وقال عودات: كان يجب أن يتم الحديث عن العلمانية كعلمانية، كنظام عام ونسق تاريخي، كما كان يجب أن يبحث فصل الدين عن الدولة. فالمسألة هي هيمنة الدولة على الدين وقال إن «رجال الدين مبهورون بمصالحهم ويخدمون الدولة، والدولة بدورها جعلت الدين غطاء لكل موبقاتها» مضيفا «حاولنا الهروب من بحث كل ذلك» معتبرا أن المشكلة هي في «أننا نعيش في دولة قبل الدولة».

رأي العودات الذي اتفق معه فريق من المشاركين جاء على الضد مما طرحه الباحث حسن حنفي في ورقته حيث رأى أن «العروبة والدين ركيزتان للوجود العربي وجوهر متحرك يتجلى في اللغة والثقافة وفي الفن والدين ومتداخلان في حياة العربي منذ حياته الأولى وحتى الآن». وقال حنفي الذي اتهم بمصالحة المتناقضات «العروبة والدين يشكلان عنصري توحيد للأمة العربية الإسلامية ضد مخاطر التفتيت»، وإنهما «ليسا نقيضين بل دائرتين متداخلتين كل منهما ركيزة للأخرى» موضحا «أن الحضارة العربية قامت بفضل الدين الذي وحد العرب وجعلهم فاتحا ممتدا من الشمال والغرب والشرق والجنوب». فالعروبة بحسب حنفي «لغة وشعر توحد العرب»، مشيرا إلى أنه «ما دام الشعر العربي القديم أو الحديث بقي تبقى العروبة ويظل الوعي العربي يقظا». وعلى المنوال التصالحي ذاته نسج الباحث إبراهيم دراجي في حديثه عن العروبة والتسامح الديني ورأى أن «الفكر القومي العربي أظهر منذ نشأته تسامحا واعترافا بالأقليات الدينية وأن دعاة العروبة أبرزوا جانب التسامح الديني في الفكر القومي العربي ودعوا لتبنيه». وحذر دراجي من مشاريع تستهدف العروبة تحت ستار التذرع بحماية حقوق الأقليات الدينية وهو ما يستدعي برأيه «عدم إعطاء أي ذريعة أو مبرر لأحد في الداخل أو الخارج للزعم بانتقاص الحقوق وانعدام قيم التسامح الديني في العالم العربي».

كلام دراجي أثار البعض الذي رأى في وضع عنوان عن العروبة والتسامح الديني تأكيدا مسبقا على أن العروبة متلازمة مع الدين الإسلامي. والباحث أحمد برقاوي الذي كان متفقا مع الرأي القائل بوجود تناقض بين العروبة والإسلام قال: «اسم العربي يطلق على الجزء الأكبر من السكان القاطنين في منطقة تمتد من المحيط إلى الخليج» مشيرا إلى الإسهامات التي أدت إلى نشأة الوعي القومي العربي الذي عبر «عنه بمصطلح العروبة في نهاية القرن التاسع عشر». واعتبر أن «مؤتمر باريس عام 1913 الذي ضم مسلمي الشام ومسيحييها كان محطة هامة جدا في تكثيف أهداف الحركة القومية العربية ومنحها الملامح الأساسية، حيث جاء الخطاب القومي العربي معبرا عن مضمون وعي النخبة بمصالح العرب بوصفهم أمة». ولفت إلى أن هناك من يعتقد أن عبد الرحمن الكواكبي هو مؤسس الفكرة القومية قبل مثقفي مؤتمر باريس، بل هناك من «يرى فيه مؤسس فكرة العروبة».

الباحث جورج قرم قدم قراءة متفائلة لمستقبل العروبة مستعرضا في البداية الفترات الذهبية للعروبة والقومية العربية وفترات التراجع، مشيرا إلى «الثورات التي وقعت في العالم العربي وغيرت مجرى التاريخ مثل تأميم قناة السويس الذي استقطب العروبة وولد حركة تضامن عربي وعروبي، وكذلك الثورة الجزائرية وتكوين حركة عدم الانحياز التي ساهم العرب فيها مساهمة كبيرة وحركات المقاومة العربية». وأوضح قرم «أن أحلام العروبة تتمثل بالوحدة وتحرير فلسطين والعودة إلى العمران العربي وتملك العلوم والتكنولوجيا». ورأى قرم أن «فترة التراجع والانكفاء العربي منذ عام 1967 التي بدأت الآن في الزوال تسببت في الكثير من الصدامات بين الأشقاء والتفكك وقيام الحرب الأهلية في لبنان».

بينما رأى الباحث وليد عربيد أن العروبة تشكل «مفهوما أساسيا للهوية الثقافية والحضارية لمنطقتنا، وإن كانت تحتمل الكثير من النقاش ووجهات النظر في التاريخ وفي النظر إلى المستقبل». وقال «العروبة ليست مصطلحا مجردا أو ثابتا إنما هي كمفهوم ترتبط بالتطور والحداثة والديمقراطية، وهي ثقافة إنسانية تشكل منطلقا لحداثة أصيلة، وفي الوقت نفسه تتعزز من خلال تعريضها للنقد كمفهوم بهدف تطويرها».

وجاءت ورقة الأديبة ناديا خوست حول آفاق العروبة الثقافية لتؤكد أن «الثقافة التي تؤسس على استراتيجية قومية شاملة هي القادرة على تعميم معرفة التراث الثقافي الحضاري الذي كون الوجدان العربي وذلك من خلال وضعها في البرامج التربوية والتعليمية والتأهيل للدفاع عنها مقابل استراتيجية تدمير الذاكرة الثقافية». وقالت خوست إنه «لا مستقبل للعرب دون مشروع قومي مؤسس على الثوابت»، واعتبرت «مستقبل العروبة الثقافي يتصل بحماية هوية المدن العربية التي تحفظ في ثناياها الذاكرة التاريخية والثقافية وأماكن الإعلام والأحداث والرد على العدو الذي يقتلعها ومشاريع التخطيط التي تغربها، مؤكدة أنه لا بد من مواجهة عربية تمنع تهويد الذاكرة الثقافية وتزوير التاريخ في فلسطين المحتلة».

في حين دعا الباحث عبد الإله بلقزيز إلى «تنظيف المعنى الحضاري للعروبة مما علق به من أدران نجمت من الإصغاء لعنصريات عدة معاصرة» و«رفض صور الإفصاح عنه في الخطاب السياسي والأكاديمي» مشيرا إلى أنه «لا يكفي أن يكون النبذ نظريا أو فكريا يقوم به المثقفون وإنما ينبغي أن يتبع ذلك ترجمة سياسية ذات أثر تطابق معنى العروبة الحضاري وذلك باستيعاب العروبة جميع من هم في دائرتها الثقافية والحضارية وتوفير فرص التعبير الحر عن خصوصياتهم». واعتبر بلقزيز العروبة في معناها الحضاري هي في المقام الأول «رابطة ثقافية ولغوية واجتماعية صهرت العرب وغير العرب في شخصية حضارية جديدة. وهي بالتالي عروبة الانفتاح والتسامح والحرية والديمقراطية والإبداع». مشيرا إلى أن «العروبة تواجه تحديين متفاوتين في درجة التأثير أولهما ثقافي وثانيهما سياسي، إلا أن أيا من التحديين لا يهدد العروبة بالزوال أو الانفراط كرابطة ثقافية واجتماعية، لكنها قطعا تتأذى من أي فشل في احتواء آثار ما يعرض لها من تحد وتدفع ثمن ذلك من صورتها».

مسألة العروبة والأقليات كانت أحد أكثر الموضوعات مثارا للنقاش وتحدث عنها أيضا الباحث رغيد الصلح الذي ركز على أهمية «العمل على تنمية الحياة الثقافية ومشاريع التربية والتعليم لكونها تسهم في صون الدولة الوطنية من التفتت وتعمق الروابط الثقافية العربية، وتفسح المجال أمام الأقليات الإثنية والثقافية للتعبير عن خصوصيتها». وذلك بعد دعوته إلى «البحث عن آلية تكفل للاندماج الوطني أن يكون أكثر تطابقا مع التجربة السياسية العربية وتطور الفكرة العربية والاتجاهات الحديثة في دراسة فكرة الاندماج الوطني» مشيرا إلى أهمية «الاندماج الإثني والثقافي والاجتماعي والعمل على وضع الآليات الكفيلة بتحقيقه تمهيدا للوصول إلى الاندماج الكامل في مختلف المجالات».

لكن الباحث علي أومليل حذر من «اتخاذ موضوع الأقليات ذريعة للتدخل الأجنبي، مؤكدا ضرورة أن تأخذ الأقليات حقوقها في إطار الدولة الوطنية، وأنه لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تكون هذه الحقوق على حساب الدولة». وقال أومليل «إن قضية الأقليات تهم الأكثرية والأقليات على حد سواء، وإن جدة هذه القضية ودخولها الحديث في الفكر السياسي العربي تحول دون الاستفادة من التجارب والتراث العربي في كيفية التعامل معها، داعيا إلى توخي الحذر في الاستئناس بتجارب الأمم الأخرى في التعامل مع الأقليات نظرا لاختلاف الظروف والأوضاع التي تعيشها هذه الأمم عن ظروف وواقع الدول العربية».

وفي مقاربة لحالة الالتباس بين مفهومي العروبة والآيديولوجيا القومية حذر الباحث فواز طرابلسي من «الوحدة التجزيئية» و«التركيز على المميزات والخصوصيات على حساب ما يجمع ويوحد». وقال إن «المصالح المشتركة هي أساس مسألة الوحدة وهي التي تسهلها». داعيا إلى تجميع عناصر القوة لمواجهه محاولات التفريق. وقدم طرابلسي مثالا على ذلك «ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية من جهد تجزيئي كثيف في العراق عام 1991 عندما أنشأت ثلاث مناطق وحاولت منح هوية لكل منطقة». مشددا على «ضرورة إعادة الاعتبار لمفهوم العقل والإنتاج والإفادة من ريع الثروة الطبيعية وليس التلهي بها»، معتبرا أن «هناك مسؤولية تتحملها العقيدة القومية فيما آلت إليه أحوال العروبة من ضعف ووهن وتفكك».

نائبة الرئيس السوري نجاح العطار التي دعت إلى عقد المؤتمر تحت رعاية رئيس الجمهورية ليكون فرصة «للتبحر في أسباب انهيار العروبة» قالت إن العروبة «باتت، لا هي حق في القوة، ولا قوة في الحق». إلا أن الوقت الذي وفره المؤتمر، رغم طوله قياسا إلى الوقت المخصص للمؤتمرات عادة، لم يكن كافيا لإشباع حاجة المشاركين لقول كل ما يرغبون في قوله. فقد كان الوقت المخصص للنقاش قصيرا، بالإضافة إلى وجود من يرى فيه فرصة للاستعراض وإشباع شهوة الكلام، أكثر من رغبة في إغناء الحوار. ومع ذلك، يمكن القول إن المؤتمر نجح إلى حد بعيد في إعادة موضوع «العروبة» إلى الواجهة بعد عقد من التهشيم واختلاط المفاهيم، كان أبرز مؤشراته احتلال الأزمة الجزائرية - المصرية على خلفية مباراة كرة قدم حيزا لا بأس به من نقاش المفكرين، وأيضا تصريحات رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان المصري مصطفى الفقي قبيل مجيئه إلى دمشق تعليقا على دعوته إلى مؤتمر «العروبة والمستقبل» وقوله «لا أرى مستقبلا للعروبة، بس لازم أروح أهرتل (أهذي) بكلمتين». ومع أن الفقي نفى هذا الكلام الذي نقلته عنه وكالة «يو بي آي» فإن ذلك لم يمنع استمرار توجيه الانتقادات له، لا سيما أنه يتناقض مع ما قاله في دمشق بأن «مؤتمر العروبة والمستقبل جاء في وقته لإحياء ما يتصور البعض أنه قد خفت، لأن العروبة تعيش في ضمائرنا كهوية وآيديولوجيا ولا يمكن أن نبتعد عنها أو نساوم عليها»!! تناقض كلام الفقي شكل صدمة كبيرة خلال المؤتمر، سواء للمشاركين أو للحضور من الذين التبس عليهم الأمر بين ما هو قناعة مبنية على تراكم معرفي من جانب وما هو «هرتلة» تثاقفية على مبدأ لكل مقام مقال وأفعال. وهو أمر لم تغفل عنه نائبة الرئيس نجاح العطار في كلمتها خلال الافتتاح عندما انتقدت نخبة من السياسيين والمفكرين العقلانيين الذين يقدمون التنازلات، وقالت إن «الجماهير العربية أكثر وعيا من أولئك».

المصدر: دمشق: سعاد جروس
dr-ahmed19122002

AHMED. S. Y. M

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 179 مشاهدة
نشرت فى 31 مايو 2010 بواسطة dr-ahmed19122002

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

77,539